تقع الدرعية وسط وادي حنيفة وهي بموقعها تختزل أراضي هضبة نجد، وتتفق المصادر التاريخية على أن العام 850هـ/1446م هو عام نشأتها على يد مانع بن ربيعة المريدي ( الجد الثالث عشر لآل سعود) ، ومرت البلدة منذ تاريخ نشأتها وحتى عام 1157هـ/1744م، بتطورات سياسية مختلفة استطاعت خلالها الدرعية أن تحتل مركزاً بارزاً بين البلدان النجدية الأخرى وخاصة في منطقة العارض.

وفي العام 1157هـ/1744م بدأت مرحلة تاريخية جديدة للدرعية ولشبه الجزيرة العربية عموماً وذلك حين اتفق الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على نشر الدعوة السلفية وتمخض عن هذا الاتفاق ما سمي بـ ” اتفاق الدرعية ” الذي كان إعلاناً بقيام الدولة السعودية الأولى.

وقد قوبل قيام الدولة السعودية ودعوتها الإصلاحية بردود أفعال مباشرة تمثلت في صدامات عسكرية مع القوى المحلية والإقليمية، ومع ذلك استطاعت الدرعية أن توسع حدودها في عهد الإمام محمد بن سعود لتمتد إلى حاير سبيع باستثناء الرياض، وشمالاً إلى الشعيب والمحمل وبعض بلدان سدير إلى جلاجل، وغرباً إلى ضرما والقويعية وبلدان الوشم ماعدا اشيقر و ثرمداء.

وصاحب هذا التوسع العسكري إحداث نقلة ثقافية وحضارية للدرعية، إذ صارت مركز إشعاع علمي وتعليمي وازدهرت فيها الحركة التعليمية وحلقات الدروس بإشراف الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما أصبحت مكاناً يفد إليه العلماء وطلاب العلم من داخل شبه الجزيرة العربية وخارجها.

وبلغت الدرعية قمة مجدها ونفوذها في عهدي الإمام عبد العزيز بن محمد ( 1179-1218هـ/1765-1803م ) و الإمام سعود بن عبد العزيز ( 1218-1229هـ/ 1803-1814م ) إذ صارت الدرعية عاصمة لدولة كبرى تمتد على معظم مساحة شبه الجزيرة العربية، وصاحب هذا التوسع السياسي والعسكري للدولة نمواً للعاصمة المركزية ” الدرعية ” التي ارتفع شأنها سياسياً ودينياً في شبه الجزيرة العربية، كما أنها أصبحت مركزاً اقتصادياً هاماً. وأقيمت فيها أسواق تجارية مختلفة ذات علاقات اقتصادية عدد سكانها، علاوة على نمو الحركة العلمية بشكل واضح جداً.

وقد أسهب بعض المؤرخين في وصف ما كانت عليه الدرعية عندما كانت حاضرة وقاعدة للدولة السعودية الأولى منهم على سبيل المثال عثمان بن عبد الله ابن بشر مؤلف كتاب ” عنوان المجد في تاريخ نجد ” (حققه وعلق عليه عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ – الرياض، دارة الملك عبد العزيز 1402هـ/1982م، ص ص 434-435). الذي أكد على أنه كان بالدرعية نشاط تجاري وصناعي مزدهر حيث كانت تصدر الخيول والجمال والتمور وتستورد الأقمشة والحرير والأسلحة، كما كان بها حرفيون متخصصون، وكان الداخل في سوقها لا يفقد أحدا من أهل الأقطار الأخرى من اليمن  و تهامة والحجاز وعمان والبحرين وفارس ومصر وبادية الشام وتركيا، وكانت لا تفتقد العملات الأجنبية في أسواقها من الريال الافرنسي، والبقشة والأحمر والمحمدي والزر والمشخص.

يقول ابن بشر:

وكانت هذه البلدة أقوى البلاد، وقوة أهلها وكثرة رجالهم وأموالهم لا يحصيه التعداد، فلو ذهبت أعدد أحوالهم و إقبالهم فيها و إدبارهم في كتايب الخيل والنجايب العمانيات وما يدخل على أهلها من أحمال الأموال من سائر الأجناس التي لهم مع المسافرين منهم، ومن أهل الأقطار، لم يسعه كتاب ولرأيت العجب العجاب، وكان الداخل في موسمها لا يفقد أحداً من أهل الآفاق من اليمن وتهامة والحجار وعمان والبحرين وبادية الشام والعراق وأناس من حاضرتهم، إلى غير ذلك من أهل الآفاق ممن يطول عده، هذا داخل فيها وهذا خارج منها، وهذا مستوطن فيها.

وكانت الدور لا تباع فيها إلا نادراً، وأثمانها سبعة آلاف وخمسة آلاف، والداني بألف ريال وأقل و أكثر، وكل شيء يقدره على هذا التقدير من الصغير والكبير و كروة الدكان الواحد بلغت في الشهر الواحد خمسة وأربعين ريال، وكروة الدكان الواحد من سائر الدكاكين بريال في اليوم، والنازل بنصف.

وذكر لي: أن القافلة من الهدم إذا أتت إليها بلغت كروة الدكان في اليوم الواحد أربعة أريل، وأراد رجل منهم أن يوسع بيته ويعمره فاشترى نخلات تحت هذا البيت يريد قطعها ويعمر موضعها، كل نخلة بأربعين ريالاً أو خمسين ريالاً، فقطع النخل وعمر البيت، ولكنه وقع عليه الهدم قبل تمامه، وذكر لي من أثق به أن رجلاً من أهل الدرعية قال له: إني أردت ميزاباً في بيتي فاشتريت خشبة طولها ثلاثة أذرع بثلاثة أريل، وأجرة نجره وبناه ريال، وكان غلاء الحطب فيها والخشب إلى حد الغاية حتى قيل: إن حمل الحطب بلغ خمسة أريل وستة، والذراع من الخشبة الغليظة بريال، وكل غالب بيوتها مقاصير وقصور. كأن ساكنيها لم يكونوا من أبناء ساكني القبور، فإذا وقفت في مكان مرتفع ونظرت موسها وكثرة ماقيها من الخلائق وتزايلهم فيه وإقبالهم وإدبارهم. ثم سمعت رنتهم فيه ونجناجهم فيه إذا كأنه دوى السيل القوي إذا انصت من عالي جبل.

وقد أثار توسع الدولة السعودية الأولى حفيظة الدولة العثمانية لأسباب عدية من أهمها:

خروج الحجاز عن حكم الدولة العثمانية ومعه فقد السلطان العثماني لقب حامي الحرمين الشريفين الذي كان يعتز به وتقوم عليه مكانته الدينية، وقد أوكل السلطان العثماني سليم الثالث مهمة القضاء على الدولة السعودية الأولى لمحمد علي باشا واليه على مصر والذي جهز ثلاث حملات عسكرية مابين عامي 1226هـ/1811م إلى عام 1233هـ/1818م استطاعت الدرعية فيها الصمود وإلحاق الهزيمة بالقوات العسكرية المصرية في الحملتين الأولى والثانية.

وتمكنت الحملة الثالثة التي كانت بقيادة إبراهيم باشا من الوصول إلى مشارف الدرعية في غرة جمادى الأولى 1233هـ/1818م وفرضت الحصار على الدرعية لمدة تزيد عن ستة أشهر، حدث خلالها بين الطرفين معارك ووقائع عديدة من أهمها وقعة المغيصي ووقعة الحريقة، ووقعة غبيراء، ووقعة سمحة، ووقعة قري عمران والرفيعة، كما ظهر خلال الحصار مواقف بطولية لأهالي الدرعية رجالاً ونساء الذي استبسلوا في الدفاع عنها، وتوقفت عجلة حياتهم اليومية لانشغالهم بالدفاع عن الدرعية كما ساءت أحوال الناس مما أدى إلى احتمال حدوث المجاعة وتسبتت شدة القتال في وجود حالة من الخوف والفزع لدى الأهالي على ممتلكاتهم و أرواحهم وذرياتهم وقد نشط رجال الدين والعلماء من خلال هذه الفترة في تهدئة النفوس، وبالرغم من بسالة أهل الدرعية إلا أن موقف القوات السعودية اخذ مع الوقت يضعف، في الوقت الذي أخذ فيه موقف إبراهيم باشا يزداد قوة لتلقيه الإمدادات والنجدات باستمرار، ومع تدهور موقف الدرعية فاوض الإمام عبد الله بن سعود إبراهيم باشا حول عقد الصلح وإنهاء الحرب حقناً للدماء مقابل تسليم نفسه وذلك في 9 ذي القعدة 1233هـ/9 سبتمبر 1818م، ثم نقل إلى استنبول حيث قتل هناك بأمر من السلطان العثماني عام 1234هـ/ 1819م.

ودخل إبراهيم باشا الدرعية وبقي فيها تسعة أشهر وعاثت قواته فيها تدميراً وتخريباً، ثم أمر ابراهيم باشا بهدم الدرعية وحرقها و إن لا يبقى فيها حجراً على حجر، وقطع نخيلها و أشجارها قبيل مغادرتها في شعبان عام 1234هـ/1819م، كما قام بنقل كل ما وقعت عليه يده من مخطوطات عربية كانت تحتفظ بها مكتبات الدرعية إلى المدينة المنورة.
وبدمار الدرعية فقدت مكانتها كحاضرة لجزيرة العرب بعد أن ظلت محافظة على ذلك المنصب لمدة 76 عاماً.