ضيف الحوار الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود
الجهة صحيفة السفير اللبنانية
إعداد وحوار رئيس التحرير الأستاذ طلال سلمان، ومدير التحرير أسعد المقدم.
تاريخ النشر 22 صفر 1400ه/ 10 يناير 1980م

في فجر الأول من محرم عام 1400هـ/ العشرين من نوفمبر 1979م اقتحمت جماعة من الرجال المسجد الحرام في مكة المكرمة، وأغلقوا البوابات واحتجزوا المصلين، في حادث لم يشهده المسجد الحرام منذ أيام القرامطة في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وتمكنت قوات الأمن السعودي في الرابع عشر من محرم عام 1400هـ/ الرابع من ديسمبر  1979م من السيطرة على الوضع، واستعادة النظام، والقبض على المتسببين في هذا الحادث، الذي شد اهتمام العالم الإسلامي بل العالم أجمع في تلك الفترة.  وفي هذا السياق جاء حوار الصحيفة اللبنانية مع الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية.

مقتطفات من الحوار:

“حين دخلنا على الأمير نايف بن عبدالعزيز، في مكتبه الأنيق بوزارة الداخلية كنا مثقلين بالأخبار والشائعات والروايات المتعددة لحقيقة ما جرى في المسجد الحرام فجر الأول من محرم، اليوم الأول من القرن الخامس عشر الهجري. كان الأمير نايف دقيقًا وسخيًا بالتفاصيل، لكنه احتفظ لنفسه وطوال الوقت بموقع المسؤول الأمني، وأحالنا بتهذيب شديد على المسؤولين السياسيين والإعلاميين لمزيد من التوضيح، ومن أجل الجزم بصحة، أو عدم صحة، الاستنتاجات والتقديرات السياسية.

ولقد قدم لنا الأمير نايف “الرواية الرسمية” للحادث، مدللا عبرها على كفاءة سياسية ملحوظة، اتضحت أكثر فأكثر حين لامس الحديث مسائل أخرى، تتصل بمنهج السعودية العام وصورتها في الخارج عربيا ودوليا.

كتب طلال سلمان:

  • بدأنا مع الأمير نايف من البداية: مصدر الخبر الأول عن العملية، ودلالات أن تكون واشنطن هي المصدر، وأن تجيء الإشارة الرسمية الأولى عبر تصريح لناطق أمريكي رسمي، بينما الرياض صامتة … وصولًا إلى التصريح الفوري للإمام الخميني، الذي حمّل فيه الولايات المتحدة والصهيونية العالمية مسؤولية العملية.

وقال الأمير نايف:

لقد حصل شيء من التقصير من جانبنا. هذا صحيح. وبالطبع، فلقد كان من حق الخميني أن يتهم الولايات المتحدة الأمريكية بعدما تطوعت للإعلان عن الحادث حتى من قبل أن نعلن عنه نحن، ولا سيما أن الإعلان قد جاء على شكل تصريح رسمي لمصدر مسؤول. وفي رأينا أنهم تسرعوا في واشنطن حتى لقد بدوا وكأنهم على علم بالحادث. وفي تقديري، فإن هذا الموقف الأمريكي كان خاطئا، لأنه أولا لم يقدم الحقيقة حول ما حدث، ولأنه كان عليهم ثانيا أن ينتظروا حتى يسمعوا الحقيقة منا، فنحن أصحاب الشأن في البداية والنهاية، وكان عليهم ألا يتورطوا أو يورطوا ذلك “المتحدث الرسمي” وكان يمكننا أن نفهم لو أن وكالة أنباء هي التي نشرت الخبر الأول، ولكن استغرابنا انطلق من كون الإعلان عن الحادث جاء على لسان بعض الرسميين.. ومن هنا كان من حقنا أن نتساءل عن الدافع الذي جعلهم يعلنون الخبر وبالأسلوب الذي أعلنوه به، وبهذا فنحن نفهم أن تتوجه التظاهرات التي انطلقت في أكثر من مدينة إسلامية ضد السفارات ورموز الوجود الأمريكي، فالكل اعتبر أن للولايات المتحدة علاقة ما بالموضوع.

  • وقلنا للأمير نايف: من الصعب فهم هذا الموقف الأمريكي منكم ضمن هذه الحدود، إذا ما تذكرنا الصداقة القائمة والعلاقة المعروفة بينكم وبين الولايات المتحدة الأمريكية؛ لقد رأى البعض أو قدر وجود “دور ما” للولايات المتحدة في عملية الحرم وقد جاء اتهام الخميني ليعزز هذا التقدير.

قال الأمير نايف:

أنا مستعد لإطلاعكم  على كل ما نعرف من وقائع، ونحن سنعلن الوقائع جميعها، وهذا واجب علينا، ومن حق المواطنين في المملكة أن يعرفوا كل ما يتصل بهذا الموضوع. ومن الطبيعي والحادث قد مس أقدس مقدسات المسلمين أن تذهب الظنون كل مذهب، وأن يقدر أصحاب التقدير وجود علاقة لأطراف أجنبية بهكذا عملية، سواء أكانت هذه الأطراف دولًا أو منظمات أو دولًا غربية أو شرقية أو عربية مثلًا.. نحن في الواقع ملتزمون بأن نقول الحق.  وأحب أن أؤكد أنه لو ثبت لدينا وجود جهة أجنبية وراء الحادث لكنا تحفظنا على الأقل، ولكن حتى هذه اللحظة لم  نصل إلى دليل مادي سواء من خلال شهادات المقبوض عليهم، أو من نتائج أبحاثنا وتحرياتنا، يثبت أو يقطع بوجود جهة أجنبية على علاقة بالأمر… وقد أكدنا هذا لإخواننا العرب.

يهمني أن أشير إلى أمر فرض علينا قدرًا من القصور الإعلامي، ذلك أننا كنا نتردد في نقل أية معلومات لم تثبت لنا دقتها خشية تقديم معلومات خاطئة، يكون من شأنها أن تربك الرأي العام.. وقد انتظرنا حتى تمكن بعض المصلين من الخروج من الحرم، وحصلنا على المعلومات الأولية، وعلى مطالب المسلحين الذين ما أرادوا شيئا من الدولة، بل هدفوا إلى مبايعة من سموه “المهدي المنتظر”، ثم انطلقوا يقاتلون في الحرم من أجل لا شيء سوى تحقيق المبايعة للمهدي المزعوم… وكانوا ينتظرون أن يتدفق المواطنون للمبايعة، وعلى هذا فقد أعلنوا: من لا يبايع فجرًا يبايع بعد الظهر.

  • وعاد الأمير نايف يلمس النقطة السياسية من دون أن يتوغل في متاهاتها مكتفيا بالقول:

أما حول الأبعاد السياسية، فيمكنكم مناقشة المسؤولين عن الإعلام والسياسيين، وقد يجيبونكم عن تساؤلاتكم؛ أما نحن في وزارة الداخلية فكنا نتعامل في الواقع مع الحادث كحادث [أمني]، وكان يهمنا ألا تقع أخطاء أو مبالغات… هذا ما كان يهمنا كأجهزة أمنية ونترك الباقي للآخرين، لافتين نظرهم إلى ضرورة عدم قول أي شيء لم يحدث. كنا كرجال أمن نتعامل مع الحدث وكيف ننهيه، وكيف نتصرف إزاء هؤلاء الين اقتحموا مقدساتنا وتحصنوا فيها، يقاتلون بلا قضية.

  • قلنا للأمير نايف: هناك رواية أمريكية تقول إن المجموعة المهاجمة اختارت هذا التوقيت بالذات، لأنها كانت تفترض أن الملك ومعه بطبيعة الحال الأمراء وكبار المسؤولين سيكونون في تلك الساعة داخل الحرم، مما يسهل احتجازهم بداعي التفاوض معهم، ومن ثم القفز من هناك للاستيلاء على السلطة؟

قال الأمير نايف: هذه أول مرة أسمع فيها مثل هذا الكلام، لكن هذا غير صحيح بكل الأحوال؛ فالملك لم يكن في المنطقة يوم الحادث، ولم يكن من عادة الملك أصلًا أن يزور الحرم يوم رأس السنة الهجرية، لأن المراسم تقام فقط في بداية أيام الحج (كغسل الكعبة والطواف حولها مثلًا). ثم إن المقبوض عليهم أعلنوا أنهم لم يكونوا يقصدون الملك ولا هم كانوا يتوقعون وجوده أصلًا في الحرم، وقد لاحظنا أن الصحافة الأجنبية، سواء في أمريكا أو في أوربا كأنما كانت تريد أن يحدث شيء، أي شيء في المملكة، لتقوم بتضخيمه وخلق قصص خيالية حوله، حتى إنهم تناسوا الأمانة الصحافية ليس بالنسبة إلينا كعرب ومسلمين، بل بالنسبة إلى قرائهم. وكان يفترض بهم ألا يتركوا كرههم للمملكة يسئ إلى أمانتهم الصحافية، ولكن يبدو أن كراهيتهم لنا أكبر من أمانتهم المهنية.

  • هذه سياسة طال عمرك وليس صحافة…

صحيح هذه سياسة، ولقد تغيرت بعدها نظرتنا إلى الصحافة. كنا نعتقد أن الصحافة العربية ضعيفة وتجانب الموضوعية أحيانًا بسبب ارتباطها أو ولائها لدول أو لمنظمات. وكنا نعتقد – وفقًا لما هو سائد- أن الصحافة الغربية تقول الحقيقة وتحترم القارئ.. ولكن بعد ما جرى، لمسنا بأنهم يكرهوننا أكثر مما يحبون الحقيقة، وربما كان موقفهم هذا تعبيرًا عن رغبتهم في إرضاء الصهيونية، كما يجوز أن السبب فيهم كراهيتهم للإسلام والمسلمين”.

 

المصدر:

  • توماس هيغهامر وآخرون: حتى لا يعود جهيمان، ط4، إعداد وترجمة وتحقيق: حمد العيسى، دبي، مدارك للنشر، 2014، ص ص 277-296.