%d8%b3%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d9%84

عبد الله بن محمد بن سعود (الملقب بالكبير) بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل بن تركي آل سعود

1344-1414هـ/1926-1994م

في يوم قائظ من أيام نجد اللاهبة من عام 1344هـ/1926م كانت الرياض تستقبل مولوداً حمل مقدمه كل بشائر الفرح والحبور لأسرته، وكل من له علاقة بأسرته، أما المولود فمن حسن طالعه أن يكون قدومه للدنيا في غمرة الاحتفاء بنصر لوطنه ” سلطنة نجد وملحقاتها ” وزهو بحاكم تلك الدولة.

سمي المولود ” عبد الله “، وقيمة الأسم ودلالته كبيرة في محيطه المحلي و العربي والإسلامي.

أما مصدر سعادة أسرته به فكونه الأبن البكر لمحمد بن سعود والملقب بـ ” شقران ” وهو أيضاً الحفيد الصبي الأول لجدته لوالده ” نورة بنت عبد الرحمن ” شقيقة الملك عبد العزيز، ونورة على ماهي عليه من مكانة وشهرة في مجتمعها وعند أخيها الملك عبد العزيز، أما جده سعود بن عبد العزيز و الملقب بـ ” سعود الكبير ” فهو على ماهو عليه من مكانة وعلو قدر عند أفراد أسرته من آل سعود، وعموم سكان نجد وصيته ذاع في الآفاق لفروسيته وشجاعته وشهامته.

أما بالنسبة لبلاده فقد كان مولده في السنة التي تعد أعظم حلقة في سلسلة أعمال الملك عبد العزيز الحربية وهي ضم الحجاز إلى أملاكه لتصبح البلاد تحت أسم ” مملكة الحجاز و سلطنة نجد وملحقاتها “.

وقيض للمولود بأن تكون العقود السبعة من عمره قد انعكست فيها مراحل تطور ونمو وطنه والتي أنجزت خلال الحقبة المذكورة، كما قيض له بأن يكون عاملاً من عوامل تعزيز أندماج الفرعين الأساسيين في أسرة آل سعود وهم فرع الإمام سعود بن فيصل بن تركي، وفرع الإمام عبد الرحمن بن فيصل بن تركي، و أن يحرص ذلك الصبي في كل مراحل حياته على عامل هذا الارتباط والترابط بين هذين الفرعين كونه أحد أحفاد الإمام سعود بن فيصل الذي يشار له بالبنان.

وبعد أشهر من ولادته يفقد عبد الله مصدر الحنان ومنبعه فقد توفيت والدته وسمية بنت مكراد بن مبخوت بن مسفر بن عياد بن ذايل  بن راشد بن محفوظ والتي تنتمي إلى قبيلة العجمان، ولاسرتها مشيخة في قبيلتها. وحرصاً من والده وجدته نورة بنت عبد الرحمن على تنشئته جعلا حضانته لجدته من أمه ” صيتة المترك ” والتي أولت حفيدها كل رعايتها، وكانت تشعر بمرارة فقده لوالدته فاغدقت عليه من حنانها، وحرصت هي ومعها أبنائها ( حمد و راكان ومبخوت وطرفة ) على تهيئة البيئة المناسبة له وعلى إكسابه الأخلاق الحميدة والخصال الكريمة التي كانت تسود البادية، ولعل من الأمور التي أكتسبها عبد الله من فرع والدته اللغة العربية السليمة إذ عرف عن العجمان أنهم يتكلمون أصفى لغة عربية بين قبائل الجزيرة العربية.

وعندما بلغ عبد الله سن السادسة انتقل للعيش في قصر جده وجدته لوالده سعود الكبير ونورة بنت عبد الرحمن.

ومنذ البدء أدرك سعود الكبير في حفيده مخايل النجابة والذكاء، ولذلك كان حريصاً على حضور حفيدة مجلسه والذي كان ميزة اكتسب عبد الله منه الكثير، فطلبة العلم والمشايخ كانوا من رواد المجلس الذي كان محموما بالنقاشات وكثير من قراءات الكتب الدينية والتاريخية والأدبية، كما كان سعود يستقبل في مجلسه مشايخ القبائل، وكل ما كان يدور في ذلك المجلس شكل قاعدة قوية لعبد الله بن محمد تراكمت عليها خبرات ومعارف وتجارب خلاصات ذلك الحضور اليومي لمدرسة الحياة في مجلس سعود الكبير، وقد سمع عبد الله في المجلس أخبار و أحداث وتاريخ أسرته، كما سمع من جده وكذلك جدته عن كفاح الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن في تكوين الوطن، وكل ذلك ساعده على التعرف إلى جوانب كثيرة في الحياة وأنارت له طريقة التعامل مع الآخرين والتبصر بالآداب، والأخلاق الكريمة، وعززت لديه عمق الأنتماء لوطنه وهو ماكان يظهر بوضوح عليه مستقبلاً.

وكان لجدته نورة تأثيرها الواضح عليه فهي كما هو معروف عنها كانت تدفع به إلى الأهتمام بالمجتمع وتفقد حاجات الناس والحرص على إغاثة الملهوف وهو ما حرص عليه بقية عمره.

وإضافة إلى ماسبق درس عبد الله في الكتّاب وتعلم كيف يقرأ ويكتب إلى جانب حفظ القران الكريم والحديث الشريف وهذا النوع من التعليم كان هو السائد في نجد بالرغم من بدايات التعليم النظامي للبنين، ثم التحق وبتشجيع من والده بمدرسة خاصة نال فيها قسطاً من العلوم الحديثة على يد مدرسين متخصصين. كما تعلم وبدافع من والده ركوب الخيل و الرمي وفنون القنص على يد رجال أختارهم والده لهذا الغرض، وأظهر عبد الله موهبة كبيرة في ذلك، وكثيراً ما كان في مقدمة الفرسان عندما كانت الخيول تنطلق في ميدان سباق الخيل في الرياض أمام خاله الملك عبد العزيز وجده الأمير سعود الكبير، وحرص هو شخصياً على تملك أفراس عدة أحبها و أولاها الكثير من عنايته، كما أظهر موهبة أخرى وهي قرض الشعر و أجاد فيه.

في هذه البيئة تشكلت شخصية عبد الله بن محمد بن سعود طفلاً وشاباً ورجلاً عرف بالصلاح والتواضع والأتزان والحكمة والوقار والهيبة وبعد النظر وعدم التسرع، وتفرد بميزة عن بقية أقرانه وهي فك الضائقات والكرم الكبير حتى لقب بـ ” الجزل ” معنى الجزل في اللغة: الكريم المعطاء، وتعني أيضا العاقل الجيد الرأي والحكم.

و تزوج عبد الله وباقتراح من جدته الأميرة نورة بالأميرة صيتة أبنة الملك عبد العزيز والتي أنجبت له فهد وخالد (توفي في سن الثالثة)، وبندر وتركي ونورة ونوف.

كما تزوج من مقبولة بنت سعد بن شبنان آل صالح من قبيلة العجمان التي أنجبت له الجوهرة.

وقد أحاط عبد الله أسرته بكثير من الأهتمام والحب والرعاية، و أبدى اهتماماً كبيراً بالعلم والمعرفة فكان مجلسه امتداداً لمجلس سعود الكبير، يستقبل فيه المؤرخين والأدباء المعروفين وكون لنفسه مكتبة عامرة بالآف الكتب، وتتذكر ابنته سمو الأميرة نوف أنه فاجأ أسرته ذات يوم بقرار ألتحاقه بالدراسة في المرحلة المتوسطة عن طريق ” المنازل “، ولم يتحرج أبداً من سنه الكبير في وسط الطلاب الذين كانوا أصغر منه بكثير حين تأدية أختبارات المرحلة حتى حصل على شهادة الكفاءة المتوسطة “.

على المستوى العام كان قريباً جداً من أصحاب القرار في الدولة يبدي رأيه بكل وضوح وتجرد ويقدم رأيه المبني على حكمته التي عرف بها، و كان لا يتردد في إبداء الآراء التي يراها صائبة وإن اختلفت مع رأي غيره وهو ما أكسبه الثقة والاحترام من الملوك والأمراء المسؤولين.

وبتاريخ 6 شعبان 1414هـ/ 27 يناير 1994م جاءت النهاية فاجعة فبعد صلاته للفجر مع جماعة المسجد في قصره وقراءة ورد الصباح توفي أثر نوبة قلبية مفاجئة، وقد أعلن الديوان الملكي خبر وفاته، وتمت الصلاة عليه في جامع الإمام تركي بن عبد الله، وكان في مقدمة المصلين خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز، و دفن الفقيد في مقبرة العود في الرياض.