مع راحل ستبقى ذكراه

بقلم/ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد

( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )

حين يجل الخطب وتنزل بالانسان نازلة تتفاعل في أعماق نفسه مشاعر الألم والأسى ويهتز الوجدان العاطفي كبر كان يطفح على السطح .. ثم ما يلبث العقل أن يستجمع قواه وتعود للنفس رباطة جأشها شيئاً فشيئاً .. عندئذ تفور من الذاكرة مخزوناتها عن محاسن من فقد وعن جلائل أعماله وكأنها صفحة مفتوحة تقرأ من كتاب .. ذلك هو حال كل من فقد عزيز عليه .. وودع راحلاً كريماً مثل راحلنا اليوم.

وتلك المحاسن والأعمال الطيبة التي هي تظل ترددها الألسن بعد رحيل الراحل وفراق العزيز.

وبالأمس فقدنا عزيزاً .. وأي عزيز؟! إنه سجل حافل بالمحاسن والمآثر الطيبة فمن منا لا يعرف الأمير عبد الله بن محمد بن سعود الكبير – يرحمه الله -؟ هذا الاسم الذي كانت له بصمات واضحة على خارطة المجتمع السعودي منذ أن كان يافعاً حتى رحل عن دنيانا الزاخرة بما نحب وما لانحب.

كان غصناً باسقاُ من دوحة كريمة تفوح عبقاً تحمل الرياح شذاها عرف الجميع في الراحل صلاحه ووقاره وحسن أخلاقه فأجلوه وعرفوا فيه التواضع الجمّ والهدوء والرزانة والطباع الحميدة فأكبروه .. ما رؤي غاضباً منفعلاً إلا قيما يمس أمور الدين وعلي من يحاول انتهاك حرماته .. وكان يملك إلى جانب ذلك أفقاً رحباً في تفهم مسائل الدين بما فيه من سماحة ويسر وما تحمله طاقة الإنسان بعيداً عن الغلو والتعصب.

أما أسلوبه في مواجهة مختلف مشاكل الحياة فكان شديد التمسك بالحل الأمثل وإعطاء فرصة الخيار والتصرف من أجل المزيد من كسب الثقة والاعتزاز بالنفس وهو الحريص الناصح الآخذ بأسلوب التقارب والود من خلال ضرب المثل الأعلى في القول والعمل. ومن هنا دأب فقيدنا بما لديه من مكانة على أن يكون طلية حياته صديق الحاكم وعضده ورائده الذي لا يكذب أهله بحكم علاقاته الحميمة مع سائر طبقات الأمة من حاضرة وبادية. وهو المثقف الذي يحاور في الحديث عن كل شأن من الشؤون حتى مع أكثرها حساسية وكان طريقه المفضل الاقناع وانتهاج أسلوب التمهل، وإتاحة فرص الاختيار وعدم التدخل في التوجه الخاص أو العام عن القطاع الذي يستأثر بالحدث فيه وهو يؤمن بأن هذا هو الحل الأمثل والأساس القوي لبناء الشخصية الأساسية والاجتماعية على ساحة التعامل والتصرف في المستوى الإفرادي أو الجماعات … لذلك أحبه من عرفه، أو من كانت له به علاقة لقاء.

أحبتّه أسرته وأحبتّه قيادته فقدر حق قدره فكان لا يألوا جهداً في بث النصائح إلى العديد من كبار أسرته وكبار المسؤولين في الدولة وولاة الأمر، يجد نفسه مدفوعاً بكل الإخلاص إلى الحديث حول كل حدث أو موقف ويأمل أن يتخذ تجاهه موقفاً ايجابياً فيشعر من يخاطبه بأنه يريد بتلك الوسيلة أن يسدي العون والمساعدة وأن تلك النصيحة هي الحل الأمثل الذي يمتلكه، كما أنه – يرحمه الله- يرى بذلك العمل أنه يؤدي رسالة سامية ذات مضمون نبيل عليه أن يسعى دائماً إلى تحقيقها علّها تجد طريقها إلى تعميق الإحساس بالمسؤولية وتنمية الشعور بالواجب الملقى على الاعتاق، فكانت نصائحه وكتاباته الكثيرة تجد الصدى الواسع والتجاوب السريع ممن تصل إليه.

أما علاقته بأسرته وإحساسه بأبوّته، فقد عرفنا فيه إحساس أب لا يختلف عن احساس الخبرة من الآباء، إحساس أب يرعى حق أبنائه ويعيش مشاكلهم ويحرص كل الحرص على ربطهم بالتقاليد المرعية لأسرة كريمة عاشت طويلاً في ظل تأُير الشموخ بالنفس والبعد عن الرذائل وعاشت البساطة في التعامل مع الآخرين وكسب ودهم باحترام الكبير، واللطف مع الصغير والاعتزاز بما صنعه الآباء والأجداد عبر السنوات تعد بالقرون، وما صنعته من وحدة وأمن وأمان وبناء رصين للعقيدة تحت السمع والطاعة لمن وليّ هذا الأمر واعتلى منصب القيادة وحقق الأهداف.

أما عن اهتمامات الراحل خاصة والتي تعد جزءاً في معظمه من حياة أفراد الأسرة الكريمة فله منها النصيب الأوفر .. فهو فارس أحب صهوات الجياد منذ نعومة أظفاره وكثيراً ما كان في مقدمة الفرسان عندما كانت الخيول تنطلق في ميدان سباق الخيل في الرياض أمام خاله الملك عبد العزيز وجده الأمير/ سعود الكبير – وكان يرحمه الله- يملك عدة أفراس يحبها ويوليها الكثير من عنايته، قبل أن تكثر المشاغل، وتختلط الهموم بشؤون الحياة الخاصة والعامة … وإلى جانب هذا كان اهتمامه بالأعمال الأدبية والفكرية … ومعرفتي به في السنوات الأخيرة تؤكد أنه كان حريصاً على قراءة كل ما ينشر من الكتب والبحوث الدينية والأدبية، فلديه مكتبة ضخمة تزداد طولاً وعرضاُ، وله اهتمام خاص بكتب التاريخ والأدب وكان مثله الرائع في هذا جده الأمير/ سعود الكبير ووالده الأمير/ محمد بن سعود الكبير – أمد الله في حياته وأمدّه بمزيد الأجر والصبر على فقده هذا الأمير الرجل الذي نفتقده اليوم ونتحدث عن مناقبه.

أما عن كرمه وصلته بالناس، وصلة الناس به فحدّث وسر في الحديث كما تشاء فعلى الرغم من محدودية ثروته إذا افترضنا أن له ثروة. فقد كان ينفق من ماله الخاص على الفقراء والمعوزين والأيتام والمنكوبين والمتضررين، كما كان ينفق في سبيل نشر العلم وطبع الكتب لوجه الله، وإصلاح ذات البين، إلى درجة لم تعفه من الحرج أحياناً لكن الله وهو العالم بأسرار عباده سرعان مايفتح له أبواب الرزق ويحقق له ما أراد. فقد كانت رؤيته أنه واحد من الناس، يأنس بهم ويأنس إليهم ويحدثهم ويشعر بآلامهم وطاقاتهم وكان شديد الحساسية بأقدارهم وقدراتهم وطيبتهم وبطواياهم احياناً، ولم يكن هذا الإحساس ينطلق من فراغ بل كان نتيجة لتعامله اليومي معهم في جلساته الخاصة الصباحية والمسائية والتي تنتهي يومياً بمد مائدة كبيرة يقيمها مساء كل يوم في معظم أيام الأسبوع، وعندما يدور الحديث عن الخير والشر كان يتحدث إليهم بعباراته الطيبة الهادئة ويؤكد لسامعيه أن الانتصار دائماً للخير وأنه الأبقى والأفضل وأن الخير والشر هما نتاج أوضاع اجتماعية خاصة تفرض على الفرد والجماعة سلوكاً معيناً وبالتالي هما – الخير والشر _ جزءان من حركة التاريخ ويستطيع الإنسان بقوة إيمانه أن يحتفظ بالخير وأن تبقى أسباب الشر – كان يتحدث عن هذا ببساطة وثقة وفي المقابل كان يستمع بإصغاء واهتمام و إذنا حضر ناديه عالم أنس به وطلب منه أن يفيض في الحديث فيما يعلم. وإذا كان الزائر رئيس قبيلة أو سيد قوم – أو حتى مهنياً حاذقاً طلب منه أن يتحدث فيما يعن له دون أن يعترض أو يتدخل. فكانت مجالسه العامة نوادي للعلم والثقافة وآداب شؤون الحياة.

ومن كلماته التي أنقلها عنه – وقد استمعت إليه مكرراً إياها أكثر من مرة – قوله – يرحمه الله – :

( من عادتي أنني لا أحكم على أحد قبل أن أتصور نفسي في مكانه وعندما أضع نفسي هنالك تخيلاً اكتشف نقاطاً لا أراها ولا اكتشفها وأنا في جانب واحد ) … وكان يقلق باله ويثير شجونه وأحزانه هذا العالم الصاخب الغارق في لجج المزايدة في المال وأسباب الترف والواقع المؤلم المزيف الذي تمشي فيه وتنحدر إليه الأمم الإسلامية والعربية نحو الموت تحت شعارات زائفة ودون حاجة إلى شعارات أحياناً.

أما عن حياته – يرحمه الله – وطفولته، فقد حدثني أنه ولد في مدينة الرياض عام 1344هـ وأنه تلقى علومه الأولى في كتاتيبها العامرة آنذاك ثم التحق بعد ذلك وبتشجيع من والده بمدرسة خاصة نال فيها قسطاً من العلوم الحديثة على يد مدرسين متخصصين كما استمع إلى بعض العلماء في كثير من مواد العلوم الشرعية – وكان – يرحمه الله- من أبرز الملازمين لمجلس جده الأمير/ سعود الكبير الذي تتميز مجالسه بعقد حلقات في قصره داخل الديرة ثم في قصره في (الشمسية) كانت تلك الحلقات وما يلقى فيها من دروس بمثابة مدارس تعقد يومياً على طريقة كبار الأسرة السعودية آنذاك التي تتوارث هذا التقليد منذ أيام الدولة السعودية الأولى فيخصص جزءاً من تلك المجالس للقراءة والبحث، ويحضر تلك الجلسة أكثر من واحد من طلبة العلم الفقهاء وبعد سرد عدد من الفصول والأبواب من كتب مختارة بعناية وتتناول موضوعات في الشريعة والأدب والتاريخ وكتب النوادر والطرف تبدأ مناقشة سريعة حول ماقرئ من أحد طلبة العلم أو من الأمير/ سعود نفسه.

ويُعَدّ أميرنا الراحل عبد الله بن محمد بن سعود بن عبد العزيز ابن الإمام سعود ابن الإمام فيصل أبن الامام تركي بن عبد الله بن المام محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى يعد هذا الاخير من الوجوه البارزة في أسرته ومجتمعه، وقد تميّز باستقامته والتزامه بسمت العادات والتقاليد الأصلية التي تتمسك بها الأسرة، وكان شديد المحافظة على أداء الواجبات الدينية، وهو يتصف بخلق رقيق وبشاشة منقطعة النظير عندما يلتقي بزواره من بادية وحاضرة ووجهاء وأعيان يتحدث معهم بلباقة ويشاركهم من خلال اطلاعه الواسع على الأخبار والاتجاهات السياسية والأدبية والاجتماعية حول ماجد من أخبار. وقد ساعده على ذلك أسفاره الكثيرة وثقافته لبعض اللغات الأجنبية.

وما من شك في أن حياة هذا الأمير الراحل تشكل في مضمونها صفحة مشرقة من صفحات تاريخنا الحديث، بعد أن أصبح ذكرى طواها عالم الغيب، وقد تلقى الناس نبأ وفاته بالأسف على نشاط منبع من منابع الخير في مجال النفع العام والرأي السديد.

تلك هي قصة هذا الأمير الراحل اتحدث عنها من موقع المعرفة عن قرب والصلة بهذا الأمير حيث أسفرت معرفتي به عن صداقة وارتباط.

يرحمك الله أيها الأمير الراحل، وجزى بالجزاء الحسن والدك الأمير محمد عن فقده إياك، وكافأ بالأجر والمثوبة زوجك الأميرة أم الأبناء ” صيتة بنت عبد العزيز ” وأحسن عزاء أسرتك وأصدقائك وأثاب صبر المصاب بك خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين عبد الله بن عبد العزيز وأبنائك البررة، وأسبل على قبرك شآبيب رحمته ورحمك لقاء نصحك وحبك لأسرتك ومواطنيك.

وكل ما نستطيع قوله، أمام هذا المصاب الجلل الدعاء لك بالرحمة والمغفرة وأن نقول مع الصابرين ( إنا لله وإنا إليه راجعون ).