ولكننا لم نُوارِ فعاله

بقلم/ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري

أول ما عرفت صاحب السمو الأمير/ عبد الله بن محمد بن سعود الكبير بن عبد العزيز بن سعود بن فيصل آل سعود– يرحمهم الله- تعالى معرفة معاينة ومقابلة في مجلس سري- بفتح السين- قد حمى وطيسه في مسألة تاريخية.. وكان موقفي فيها موقف الزلل والخطأ، وكان العتب علي كثيراً من كل جانب فكدت أعدم المناصر إلا من الأمير/ سعد بن محمد– يرحمه الله تعالى.. والتفتُّ على يمني فوجدت رجلاً مصغيا مبتسماً يبرد عني حموة الوطيس كلما اشتد العتب، ويوجه كل غلطة لي صلعاء إلى حد تكون فيه شبه مقبولة. فعلمت أن الرجل يريد أن يكسر حدة العتاب ويلتمس لي المعاذير.

وعلمت أيضاً أنه سمو الأمير/ عبد الله بن محمد، لم يبد صوته وتصدره إلا بعد أن غادر المجلس والده سمو الأمير/ محمد بن سعود الكبير، وتعاملت مع سمو الأمير/ عبد الله تعاملاً ثقافياً وقرأت عليه بعض المسائل التاريخية، وأفدت من ملاحظاته على بعض الكتب، فما وجدت أسرع من استيعابه، وأدق من ملاحظاته، وأشد من حساسيته بمدلول العبارة.. لذلك أنه يقرأ بأناة وصبر القاضي وتحسبات المحامي، وينخل العبارة بلماحية المنطقي الذي يريد قيد التعريف ومحترزاته.

إنه لا ينادي على نفسه بالثقافة، ولكنك إذا احتككت به ثقافياً وجدت قارئاً لماحا.

أما الصلاح وجمال السيرة – ولا نزكي على الله أحدا – فسيما أهل هذا البيت.

ثم وقفت عيني على مقابلة له بجريدة للجزيرة مطولة فخفق قلبي، وتوثبت روحي، وكان الحوار جيداً ذكياً يشف عن لماحية سموه وقلت: هذه بادرة كريمة يتلوها بوادر أخرى فيتعرف أصحاب القلم على مثل هذه الدُّرر المخبوءة التي حباها الله ثقافةً وتوضعاً مع شرف الجاه والمحتد.

خفقت روحي لذلك وما علمت أنها مقالة مودع.

إن فقد سموه فادح عظيم، أمام كل ما تكبر مصيبته بفقد خطير وبفقد رمز وطني ذي خير وفضل.. ومام مأسوري فضله وكرمه وما أكثرهم.. وأمام آل سعود عموماً وأمام أحفاد سعود بن فيصل خصوصاً وبالأخص والده/ صاحب السمو الأمير محمد.

ولما صعق خبر الراديو أذني – وكنت في مكة المكرمة – بمنزل الشيخ عبد العزيز الحربي – قلت: ها هنا السكرة.

فأسعفني بمراثي الأدباء لعلّه يفتح علي.. فأول ما واجهني قول جرير (وكأنه يصلح خطاباً لسمو الأمير محمد بن سعود الكبير).

تعــز أمـير المــؤمنين فـــإنه           ما قد ترى يُعذى الصغير ويولدُ

هل ابنك إلا من سلالةِ آدمٍ           لكلِّ على حـوضِ المنية مـورد

فقلت: صدق إلا في إجمال سلالة آدم.. بل هو والله خصوص سلالة كرماً وسماحاً وتواضعاً وذكاءً.

ويهون المصيبة أننا وهو كما قال الشاعر:

لعمرُك ما وارى الترابُ فعاله      ولكــنه وارى ثــياباً واعـظما

ويهون المصيبة أيضاً أن المال كما قال أبو العتاهية:

وكما تبـلى وجـوه في الثـرى                  فكــذا يبلى علـيهن الحــــزن

قال أبو عبد الرحمن: أرجو أن لا تكون مواعظنا ممن لا يتعظ، فما أحسن موعظة أبي نواس – وهو من هو – إذ يقول:

سبــقـــونـا إلــى الــــرحـــــــيل          (م) وإنـــــــــــا لبـــــالأثيــــــــــــر

وقبله أعرابي قال:

وما نحــن إلا مثلهم غــير أننا      أقمـنا قليلا بعدهم وتقــدموا

وقد اكتشفت سموه متابعا لما ينشر في الصحافة محترماً مهنة التخصص إلى أبعد حد، فقد كنت كتبت منذ سنوات عن النجوم: سهيل والطرف معابثة للدكتور غازي والجهيمان فكلاهما أبو سهيل وتماديت في الحديث عن الهنعة والثريا.. إلخ وآداب ذلك من الشعر الفصيح والعامي.

واستدرك علي أموراً علمية معالي وزير البحرين بمقالة نشرت بهذه الجريدة.

وفي احدى المناسبات تذكر سموه هذه المقالة فكان يرفع كفه وخفضها وهي مفتوحة إلى فوق ويردد:

وليه؟ (وما الداعي)؟

انتقد بمرارة هجومي على علم النجوم بلا علم! وفي هذا النقد الخفي اللاذع تذكير لي بأن أخلص لما أحسنه!

وكنت لا أقيم الشعر فصيحة وعامية إلا عن قراءة لحروفٍ مُشكلة أو عن حفظ جيد، أو بتلحين ساذج ألجأ إليه لأتأكد من صحة الوزن.

وكان سموه شاعراً وذا أُذنٍ موسيقية تنبو عن سماع البيت المنكسر، وكنت أتلعثم في الشعر ويرد المكسور في قراءتي لشدة ما أعانيه من التخوف من ملاحظاته.

وطالما جرعتهُ غصصاً بتكسير الشعر، وحقٌ على كل أنثى يربطها بمسوه نسب أو سبب أن تتمثل بقول أم السليك:

أي شــــــــــــــــــــــيء حســـــــــــــن          للفــــــتى لم يــك لـــــك؟!

فتسلت بالغاية التي يبلغها المبرزون من البشر. وحق على مأسوري فضله مثلي أن يتمثل بقول الآخر:

عمــت مصـيبةُ فعمَّ هـــلاكه           فالنــاس فيه كــلهم مأجورُ

ردّت صــنائعُــه عليه حــــياته        فــكأنّه من نشْـرهـــا منشورُ

 

ولنقل مع الآخر:

وقد كنت حيَّ الخوف قبل وفاتهم                فلما تُوفوا مات خوفي من الــدهرِ

فــللــه ما أعــطـــى ولله مــــا جـــــزى           وليس لأيـام الرزية كــــــالصبرِ

فحـسبك منهم موحشاً فقد برهم              وحسبك منهم مُسلياً طلب الأجرٍ

وأرفع تعزيتي ومواساتي لولده وأهله، ولصاحب السمو الأمير محمد بن سعود الكبير وبنيه، ولسمو الأمير فهد بن سعود الكبير، ولسمو الأمير سعود بن سلمان بن محمد بن سعود بن فيصل ولأحفاد الإمام سعود بن فيصل كافة.. تغمد الله الفقيد برحمته وأسبغ عليه رضوانه وقدَّس روحه ونوَّر ضريحه، والحمد لله على كل حال.