حوار

مقتطفات من حوار مع عبدالله الطريقي

عبدالله بن حمود الطريقي (1337-1417هـ/1918-1997م) هو أول وزير للبترول في المملكة العربية السعودية. ولد في الزلفي، وتلقى تعليمه الابتدائي في الكويت ثم عاد إلى المملكة، وابتعث إلى القاهرة عام 1352هـ/ 1933م لدراسة الجيولوجيا، وابتعث بعدها إلى الولايات المتحدة فنال درجة الماجستير في الجيولوجيا. وجاء حصوله على هذه الشهادة في هذا التخصص في الوقت الذي دخلت فيه المملكة عصر البترول، فعمل بعد عودته في إدارة شؤون النفط التابعة لوزارة المالية قبل إنشاء وزارة البترول. كان مهتمًا بقضايا الصناعة البترولية في المملكة، ووضع استراتيجية وأهدافًا استقاها من تخصصه العلمي، ونظرته المتطلعة إلى المستقبل.

عين وزيرًا للبترول في1380هـ/1960م  حتى 1381هـ/ 1962م. وخلال هذه الفترة القصيرة كان له دور في إعادة صياغة وتعديل الاتفاقيات البترولية بين المملكة وشركات البترول العاملة في البلاد، والتأسيس لبناء قاعدة جيدة من الشباب السعودي المؤهل علميًا للعمل في القطاع النفطي، كما أسهم في العمل على قيام اتحاد بين الدول المنتجة للبترول وهي المنظمة التي عرفت باسم: منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك).

والحوار التالي حوار أجري معه على مرحلتين، الأولى في أواسط ثمانينيات القرن الرابع عشر الهجري/أواسط ستينيات القرن العشرين، وكان من المتوقع أن يبث الحوار عبر برنامج إذاعي كويتي، ولكن لم يقدر لهذه الحلقة أن تذاع. أما الجزء الثاني من الحوار  فقد أجري معه عام 1400هـ/ 1980م، ونشر الحواران في الجزء الأول من كتاب شخصيات عرفتها وحاورتها،  ونقف فيهما  على بعض من آراء الطريقي التي ظلت تمثل وجهة نظره في ضرورة تكاتف الأمة العربية لصيانة مصالحها والدفاع عن حقوقها:

  • لماذا تبدو وكأنك محبط في ما تطرحه من آراء؟

بعدما تخطيت هذه المرحلة من عمري، وهذه السنين من التجارب، بت أشعر بملل شديد من هذه الحياة التي أعيشها كفرد من ابناء هذه الأمة العربية، ذات المجد العريض، والتاريخ النبيل، وكل ما يتبع ذلك، وكل قيل عنها في الكتب من كرم ضيافة، ونبل في الأخلاق، وإيمان بالله ورسوله، وتضحية بالغالي والنفيس في سبيل مجد الإسلام والعروبة، والحفاظ على كرامة العرب، بت الآن لا أشعر بهذه الأشياء موجودة حقا في هذه الحياة، فقد غيرنا بأنفسنا ما غير الله فيها، وتحولنا إلى زرع غير ذي نفع، كبيرنا لا يعطف على صغيرنا، والوطنية أصبحت عندنا هي المكاسب الشخصية للفرد، وأصبح ذوو السلطة لا هم لهم إلا السيطرة؛ ليصلوا إلى الحكم بأية وسيلة باسم الأمة ومجدها، وعندما يتربعون على الكرسي يكون همهم الأول والأخير الاحتفاظ بهذا الكرسي، ولو ارتفع على جماجم الناس.

  • أليس هناك جانب مشرق يقابل هذه الصورة القاتمة التي أشرت إليها؟

يا سيدي إن الله عز وجل قال في حقنا: “كنتم خير أمة أخرجت للناس” ومع ذلك فنحن نعيش عيشة غير راضية، مليئة بالتناقضات: أغنياء وفقراء، تغوص ركبنا بالذهب وبطون أغلبيتنا جائعة، لقد أصبح كل شيء مستوردًا حتى الإنسان. إن لنا من القوة لو أن اقتصادياتنا النفطية والثروات الطبيعية الأخرى الزراعية بل والصناعية قد تركزت في استراتيجية محددة لكنا في صفوف الدول المتقدمة في العالم.

  • أين الخلاص من هذه الصورة التي باتت تحتل مكان الصدارة في مفرداتك، وكتاباتك ومحاضراتك؟

لكي لا نكون مبالغين في اليأس، لا بد من النظر إلى الإمكانات الحقيقية للأمة العربية، فهذه الأمة تملك أعظم الأنهار، نهر النيل ونهري دجلة والفرات، ثم إن الأمة العربية هي مجموعة الشعوب الواقعة في قطعة من الأرض الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، ومن أواسط أفريقيا والبحر العربي إلى البحر المتوسط، ومن الشرق الخليج العربي، ومن الجنوب البحر العربي، ومن الغرب المحيط الأطلسي، وهذه الأرض العربية تحتوي على ما يتجاوز 60% من احتياطي النفط في العالم.

  • هل يعتبر النفط المصدر الرئيس لاقتصاديات العرب؟

على المدى المنظور نعم، لكن الأراضي العربية تحتوي على الفوسفات، وهي مادة ثمينة لها أهمية كبرى في الصناعات، ويمكن أن يصنع منها أجود المخصبات، وتعد الجزائر وتونس ومصر والأردن، من أهم البلدان المصدرة لمادة الفوسفات في العالم، وهناك رواسب الحديد الموجودة في موريتانيا والجزائر ومصر، وهذه لها أهمية في تطوير الصناعات الثقيلة. كذلك  يوجد في الوطن العربي أراض خصبة صالحة للزراعة في كل من السودان والعراق وسورية ومصر والمغرب والجزائر، وتعتبر دلتا نهر النيل من أخصب المناطق الزراعية، وأكثرها إنتاجًا في العالم. كما أن الموقع الجغرافي للوطن العربي، يسهل لأهله الاتصال في جميع الاتجاهات، والتعامل مع جميع الشعوب تجاريًا واقتصاديًا وثقافيًا، فالطيران إلى آسيا وأفريقيا من أوروبا وأمريكا لا بد أن يمر من مطارات البلاد العربية وفي أجوائها. كما أن قناة السويس هيّأت أقصر طريق بحري للوصول من أمريكا أوروبا إلى آسيا وأستراليا والعكس.

  • كيف من الممكن استثمار ما جئت عليه آنفًا؛ لتأخذ الأمة العربية موقعها الصحيح بين الأمم المتطورة؟

كأنك تقول: لماذا نحن هكذا، رغم كل ما لدينا من مقومات؟ وإجابتي على سؤالك هذه ستكون غريبة بعض الشيء، ولكننا لو رجعنا إلى أصولنا وإلى حضارتنا الأصيلة وإلى ثقافتنا التي لا يزال كثيرون من –حتى الآن- يسخرون ويرددون عن القوة كل القوة لدى الحضارة الغربية، وما نحن إلا أتباع مقلدون قاصرون عن الوصول إلى الأهداف التي كثيرًا ما نتكلم عنها ولا نطبقها. أريد من هؤلاء أن يفكروا كما يلي: يقول الله عز وجل: “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون”، هذا كلام إلهي نحن أمة واحدة، فلماذا نخالف ما أراده الله لنا بالفرقة والتشرذم؟ فالله جل وتبارك يقول: “وأمرهم شورى بينهم ومما رزقنهم ينفقون”، ونحن أبعد ما نكون عن الشورى. شعارنا دائمًا التصفيق والتطبيل والنفاق لمن بيدهم الأمور، انعدمت بيننا قولة الحق، بل انعدمت الثقة بين أصحاب القرار في الوطن العربي، فأصبح الواحد يخاف على نفسه، فيحصنها بالعزلة بدلًا من الاندماج والوحدة، أو على الأقل الاتفاق الفعلي وليس الشكلي على المصالح المشتركة لأبناء الأمة الواحدة. والغريب أيضًا، أن معظم قادتنا كثيرًا ما يرددون الكلام عن وحدة الصفوف، ولكن لا يفعلون، ولو فكروا قليلًا، وبعقلانية بعيدة عن العاطفة؛ لظهر لهم بوضوح أن لا أمل في التقدم والتطور إلا بقيام تنسيق عربي مشترك في مختلف القطاعات، وأهمها الاقتصادية بقيام سوق عربية مشتركة، وإني أقسم لو أن المسؤولين العرب قد قرأوا التاريخ بإمعان ووقفوا أمام تلك الأيام التي كانت الحضارة العربية مزدهرة فيها، لاكتشفوا أن السبب في ذلك الازدهار يرجع إلى تعاونهم وفتح مجال الحرية على مصراعيه، حتى أصبحت الأمة العربية تصدر العلوم والفلسفة والفكر والثقافة إلى الأمم الأخرى، ولكنهم –للأسف_ لم يطلعوا على التاريخ ولم يتعظوا من الحاضر القريب، فكانت النتيجة أننا نعيش الآن في مراحل من الذل والهوان.

  • كيف تقيم المرحلة الراهنة؟ وما هو السبيل إلى الخروج من المآزق التي تحيط بالأمة العربية؟

لقد حبا الله أرض العرب بصفات مادية ومعنوية، كما اختارها الله لتكون محطة للوحي السماوي، وهذه ثروة روحية عظيمة اتصفت بها أرض العرب، كما أن هذه الأرض تحتوي على الأماكن المقدسة لأعظم الأديان، إن الله قد أعطى العرب كل شيء، فمنحهم الروح والمادة وما على العرب إلا أن يمنحوا أنفسهم العمل المخلص والجاد.

  • وكيف السبيل إلى هذا المخلص والجاد؟

لقد نزل الإسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واستطاع بالرسالة السماوية أن يجمع شمل قومه على كلمة التوحيد، وقام العرب بمهمة نشر الإسلام خير مقام، ودخل إلى الإسلام شعوب متباينة الأهواء  والطبائع، فصقلها في بوتقة الإيمان، لتخرج أمة إسلامية واحدة خدمت الإنسانية، وجمعت تراث الشعوب التي سبقتها وطورتها وأضافت إليها علومًا جديدة حتى أصبحت قاعدة أساسية للحضارة العربية الحديثة، وإن تدفق النفط في عصرنا هذا يجب النظر إليه على أنه حدث أراد به عز وجل تعويض العرب عما لقوه من ضنك العيش، ليسعدوا في حياتهم المادية، كما سعدوا من قبل بحياتهم الروحية؛ لكي يعم الخير بلاد العرب وبلاد المسلمين.

  • لو كان لديك كلمة تتوجه بها لأبناء الأجيال القادمة، فماذا تقول؟

أقول إن تجربة جيلنا قد علمتنا أن لا مستقبل لهذه الأمة بدون تكاتفها وتعاضدها وتعاونها، ولا استمرار لهذه الأمة بدون الشورى، على أن يكون شعارها (إن أهل مكة أدرى بشعابها)، ولا بد من قيام تعاون عربي يشمل أمور الدفاع والاقتصاد، ولا بد أيضا من احترام حقوق الإنسان في الوطن العربي، بغير هذه الأمور لا أظن أننا سنحقق أي شيء من أحلامنا.

  • ألا ترى أن على المثقفين العرب واجبًا كبيرًا يجب عليهم القيام به؟

نعم، نعم! إن مسؤولية المفكرين العرب توجب أن يقولوا في المراحل الرئيسية كلمتهم في التبصير والتحذير، وأنا لست من أنصار تعذيب الذات، ولكني من أشد الدعاة إلى نقد الذات، فلهذا تجدني أطرح آرائي، وأعكس هويتي القومية، ويقيني السياسي، وقناعتي الموضوعية والعلمية بكل وضوح وصراحة.

  • لماذا نجدك لا تشير إلى الإنجازات النسبية التي تحققت خلال العقود الماضية؟

لأن تلك الإنجازات لم تكن لتتناسب مع الطموحات القومية، ولا مع الجهود المبذولة، أو الإمكانيات المتاحة، فما تعني بما تسميه إنجازات؟ ماذا تحقق للأمة العربية؟ لم يتحقق تشابك عضوي بين اقتصاديات الوطن، وظل التعاون الاقتصادي هامشيًا في معظمه، محدود الوزن والأثر، كما أنه لم يكن منبعثًا عن تخطيط تنموي متكامل، ولست أنا أول من طرق هذا الموضوع، ولكن إذا كنت أدلي بدلوي فيه فإني أعترف منذ البدء بأنني قدمت الكثير من الأفكار والأطروحات، واجتهدت واجتهد سواي، لكننا، -بكل اسف- أخفقنا، وهذه الإخفاقات تكاد تشكل سلسلة لها أول ولا يبدو أن لها آخر.

  • لماذا؟

لأن موضوع الحديث عن الإنسان العربي ومشكلات الواقع العربي المعاصر معقد، ويكثر الكلام عنه، وتختلف الآراء فيه، وهذا أمر طبيعي بعد تلك الإخفاقات العسكرية، والسياسية، والقومية، التي اصطبغت بها حياتنا في العقود الماضية.

  • هل لك أن تشخص مصادر الأزمة التي نعيشها؟

ببساطة هي أزمة العقل العربي في عجزه عن مواجهة التحديات، وهي تشمل كافة القطاعات في وطننا. وبموجب القانون الطبيعي الذي ينص على أنه لا شيء يخلق من نفسه، فإن أزمتنا لم تخلق نفسها، إنها ظاهرة تشمل المثقفين التقليديين متحجري التفكير من أهل اليمين أو أهل اليسار على السواء وما أكثرهم!

فهؤلاء قصدوا الغرب أو الشرق ارتيادًا للعلم والمعرفة، فبهرتهم حضارة الغرب بقيمها ومفاهيمها، فأعجبوا بليبراليتها، وانخرط البعض منهم في أيديولوجيتها الماركسية، وليس عليهم من ذلك حرج، ولكن الانبهار بلغ ذروته عندما حدثت المواجهة بين الحضارة الغربية وما نمر به –نحن العرب- في وضعنا الراهن، فخلق ذلك الوضع عقدة  نقص عند بعض المثقفين العرب، إذ أنهم لم يروا سوى النموذج الغربي، متعامين عن كل المقومات التاريخية والراهنة في واقعهم العربي والإسلامي، والذي من الممكن أن يشكل هذا الواقع للأمة العربية قوة لا تقل عن قوة أي دولة متقدمة، لو أن مثقفينا قد نهجوا النهج الصحيح، بدلًا من السعي إلى حصولهم على مميزات خاصة، وإيثار ذواتهم على حساب موضوعيتهم.

المصادر:

عبدالكريم، نجم، شخصيات عرفتها وحاورتها، ج1، بيروت، رياض الريس للنشر، 2012.

القشعمي، محمد، عبدالله الطريقي مؤسس الأوبك والممهد لسعودة أرامكو، بيروت، دار الانتشار العربي، 1437هـ/2016م.