صناعة كسوة الكعبة المشرفة

تعد كسوة الكعبة المشرفة من مظاهر الاهتمام بالبيت الحرام وتعظيمه، وقد اهتم العرب بكسوتها منذ القدم، وكانوا يرون ذلك من الواجبات، والفضائل، والمفاخر؛ وكان ذلك مباحًا لكل من أراد أن يكسو الكعبة، متى شاء، ومن أي نوع شاء. وكانت الكسوة توضع بعضها فوق بعض، فإذا ثقلت أو بليت، أزيلت عنها.

ورُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم، كساها الثياب اليمانية في عام فتح مكة 8 ه/629م ـ ثم تتابع الخلفاء في كسوتها كل عام، فكسيت بأنواع مختلفة من القماش، مثل القباطي المصرية، والديباج الخراساني، والخز، والقطن. وبعد سقوط الدولة العباسية عام 656هـ/ 1258م، كساها الملك المظفر صاحب اليمن (ت 694هـ/ 1295م)، وبدءًا من عام 661هـ/1263م، تولى سلاطين المماليك في مصر كسوتها، وأوقفوا أوقافًا خاصة للإنفاق على صناعتها، واستمر هذا التقليد حتى عهد السلطان سليم الأول العثماني؛ الذي أمر باستمرار صنع كسوة الكعبة المشرفة من مصر، والصرف عليها من الأوقاف المخصصة لها، وإرسالها سنويًا إلى مكة المكرمة؛ في قافلة تحمل الكسوة، وغلال من القمح، وصدقات مخصصة لساكني الحجاز، وعرفت هذه القافلة السنوية باسم “المَحْمَل”.

واستمر هذا الإجراء حتى عهد محمد علي باشا؛ الذي حلّ هذا الوقف المخصص للكسوة، وضم ريعه إلى الخزانة المصرية، تحت إشراف إدارة واحدة، خُصصت لأوقاف الحرمين الشريفين، وتحول الإنفاق على صنع كسوة الكعبة المشرفة من أموال الوقف، إلى الصرف من مال الخزينة المصرية؛ وترتب على ذلك؛ أن أصبحت كسوة الكعبة خاضعة لطبيعة العلاقات السياسية بين حكومة مصر، والسلطات الحاكمة في الحجاز.

استمرت مصر بعد ضم الأوقاف؛ في إرسال الكسوة بشكل سنوي حتى عام 1341هـ/1923م؛ الذي شهد خلافًا بين الحكومة المصرية، والشريف حسين بن علي ملك الحجاز؛ فرجعت الباخرة التي تحمل الكسوة إلى مصر. واستؤنفت العلاقات بين الطرفين في العام التالي؛ فأرسلت مصر الكسوة في عام 1342هـ/1924م كما جرت العادة؛ رغم أن الشريف حسين قد جهز كسوة للكعبة صنعت في العراق؛ تحسبًا لامتناع الحكومة المصرية عن إرسال الكسوة، وهي الكسوة التي كسا بها الملك عبدالعزيز الكعبة عام 1343هـ/1925م، بعد أن أوقفت مصر إرسال الكسوة والمحمل في ذلك العام؛ بسبب النزاع بين الملك عبدالعزيز، والشريف حسين.

استأنفت مصر إرسال الكسوة مع المحمل في عام 1344هـ/1926م، وفي ليلة التاسع من ذي الحجة وقعت حادثة المحمل بمنى؛ فأمر الملك عبدالعزيز بمنع دخول المحمل وجنوده إلى أراضي الحجاز، فامتنعت مصر عن إرسال الكسوة في عام 1345هـ /1927م، ولم تبلغ الحكومة المصرية حكومة الملك عبدالعزيز بذلك، إلا في غرة شهر ذي الحجة، فأمر الملك عبدالعزيز بعمل كسوة للكعبة على وجه السرعة، فصنعت الكسوة من الجوخ الأسود المبطن بالقلع القوي، وصنع حزام مطرز بالقصب الفضي المموه بالذهب، وكسيت بها الكعبة في العاشر من ذي الحجة كالمعتاد، وكانت هذه هي أول كسوة للكعبة تصنع في مكة المكرمة.

نتيجة لهذا الموقف، صدر أمر الملك عبدالعزيز في بداية شهر محرم 1346هـ/ يوليو 1927م، بإنشاء دار خاصة لعمل كسوة الكعبة؛ فأنشئ معمل خاص لصناعة الكسوة في منطقة أجياد في مكة المكرمة، وأحضر له الفنيون والمتخصصون في الحياكة والتطريز من الهند، مع ما يلزم من مواد ومعدات، وأنجزت الكسوة في نهاية شهر ذي القعدة عام 1346هـ/ أبريل 1928م، وكسيت بها الكعبة في يوم العاشر من ذي الحجة كما جرت العادة.

توقفت مصر عن إرسال الكسوة من عام 1345هـ/ 1927م، حتى عام 1355هـ/1936م، حين عادت العلاقات بين المملكة العربية السعودية، وبين مصر إلى سابق عهدها، واتفق الطرفان على أن ترسل مصر الكسوة والمحمل إلى جدة، حيث يبقى المحمل في جدة، بينما ترسل الكسوة إلى مكة المكرمة. وبناء على هذا الاتفاق عادت مصر لإرسال الكسوة منذ عام 1355هـ/1936م، واستمر ذلك حتى عام 1381هـ/1961م؛ حيث حدث خلاف سياسي بين الطرفين، فأعادت المملكة افتتاح مصنع الكسوة في منطقة جرول في مكة المكرمة في عام 1382هـ/1962م، واستمر ذلك حتى نقل العمل في صناعة الكسوة إلى المصنع الجديد، في منطقة أم الجود في مكة المكرمة عام 1397هـ /1977م، ولا زالت الكسوة تصنع فيه إلى اليوم.

المصادر:

الدقن، السيد محمد، كسوة الكعبة المشرفة عبر التاريخ، المؤلف، 1406هـ/1986م.

الطريقي، عبدالله بن محمد، تاريخ الكعبة المشرفة، الرياض، المؤلف، 1428هـ/2007م.