الرحلات الغربية إلى شبه الجزيرة العربية

أسهمت كتب الرحالة في تعريف الغرب بالشرق، عندما قدمت صورًا وتقاريرًاً في منتهى الدقة عن أحوال العالم الإسلامي؛ سهلت على المستعمر مهمته، وساعدته على بلوغ هدفه، وتنفيذ مخططه، كما أن البعض من الرحالة كانوا موفدين بهدف استعماري من قبل دولهم؛ إلا أن الحقيقة التي يجب علينا الاعتراف بها أن هؤلاء الرحالة قدموا خدمة جليلة للمناطق التي ارتادوها، من إبراز لمعالمها، والكشف عن ما خفي من آثارها، والتعرف على معادنها، وتكويناتها الجيولوجية، وظواهرها الجغرافية، وتحقيق، ونشر مخطوطاتها، والتعرف على الحياة الاجتماعية بأدق تفاصيلها، وكذلك أوضاعها السياسية، والاقتصادية.

وتعد منطقة شبه الجزيرة العربية، من أكثر المناطق التي استقطبت هؤلاء الرحالة الأجانب، إذ يعتبر الجانب السياسي أحد أهم المعايير في رحلاتهم إليها، ومنذ مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، بدأت تظهر أسماء من أمثال لودفيكو دي فارتيما Ludovico do Varthema ـ ([1])، الذي يعد من أوائل الرحالة الذين زاروا الجزء الغربي من شبه الجزيرة، وجنوبها؛ حيث دوّن في رحلته معلومات عن مناسك الحج، وعن مدينتي مكة والمدينة، إضافة للوصف الرائع الذي قدمه لميناء جازان، وبلاد اليمن، وقد بلغ من نجاح رحلة فارتيما لشبه الجزيرة أن تعاقبت طبعاتها، وترجماتها إلى القرن السابع عشر، وظلت مرجعًا للرحالة الذين زاروا شبه الجزيرة بعد ذلك، باعتبار أن مؤلفه يحوي معلومات قيمة.

وفي القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي تبرز رحلة الربان الهولندي فان دون بروكه Van den Broecker، الذي وصف موانئ اليمن، خاصة أشهرها وقتذاك ونعني به “المخا”، الذي اقترن اسمها عند الاوروبيين باسم ” البن “؛ حيث كانت الميناء التجاري لتصديره؛ مما دفع الأوربيون لإطلاق أفخر أنواع البن عندهم، فعرفوه بـ ” موكا ” Moka، كما سجل هذا الرحالة ملاحظته عن طبيعة حكم العثمانيين لليمن، والذين وصفهم بالقسوة([2]).

ومن أشهر الرحلات العلمية التي تمت في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر، رحلة كارستن نيبور Carsten Niebuhr ـ ([3]) ، الذي تميز من بين الرحالة الذين وصلوا شبه الجزيرة بدقة الملاحظة،  ووفقاً لرأي جاكلين بيرين([4])، يعد النموذج الكامل للرائد العالم ذي النزعة الإنسانية، وقد قدم لنا نيبور وصفًا شاملًا، لم يقتصر على اليمن وحدها، بل لقسم كبير من شبه الجزيرة، خاصة القسم الشرقي، وكانت لملاحظات نيبور وآرائه في بعض المسائل الخاصة، مثل حقيقة عروبة الخليج العربي، والدعوة السلفية، أثرًا في تبصير الفكر الاوروبي، وتصحيح رأيه اعتمادًا على الأدلة والشواهد التاريخية، فعن الأولى ” عروبة الخليج العربي ” أكد نيبور خطأ الجغرافيين الأوروبيين في اعتبار سواحل الخليج تابعة لملوك الفرس، موضحًا أن هذه السواحل تحت سيطرة العرب من مصب نهر الفرات، إلى مصب نهر الاندس، وأن  المستوطنات العربية على الساحل الفارسي مستقلة تمامًا عن فارس، ويستخدم أفرادها اللغة العربية، كما أن عاداتهم وتقاليدهم عربية صرفة.

منذ السنوات الأولى من القرن الثالث عشر الهجري/التاسع عشر الميلادي، نشطت حركة الارتياد الاوروبي لشبه الجزيرة العربية، و أصبحت مركزة بالدرجة الأولى على وسط وغرب شبه الجزيرة؛ لعدة اعتبارات مهمة، أولها أن بلاد جنوب شبه الجزيرة، غدت شبه معروفة بعد رحلة كارستن نيبور، وثانيها النجاح الذي حققته الدعوة الإصلاحية سياسيًا، ودينيًا في المنطقة؛ مما كان لهما أثرهما البالغ في شد الانتباه إلى ما يجري في المنطقة، وثالثها أثر الحملة الفرنسية على مصر؛ من حيث تأكيدها لبريطانيا بصفة خاصة الاهمية السياسية، والاستراتيجية، لشبه الجزيرة وسواحلها لإمبراطورتيها في الهند؛ وبالتالي أصحبت شبه الجزيرة منطقة تحظى باهتمام دولي، وعلى الأخص فيما يتعلق بالتنافس الاستعماري الذي كان قائمًا بين بريطانيا وفرنسا.

ويمكننا إضافة اعتبار رابع لما سبق، وهو الدافع الشخصي الذي دفع وحفز الكثير من الرحالة والمغامرين في تحقيق قصب السبق، والريادة في الوصول إلى أجزاء من شبه الجزيرة لم تصلها قدم أوروبي من قبل، ومن المرجح أن يكون رينود Reinaud مساعد الوكيل البريطاني في البصرة أول من حقق هذا السبق؛ عندما أوفد من قبل حكومته إلى الدرعية عام 1214هـ/1799م؛ بهدف تحسين علاقات بريطانيا بالسلفيين، وأثناء لقاء رينود بالإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، حاول الحصول منه على وعد بتأمين بريد الشركة أثناء نقله على الطريق بين البصرة وحلب، والذي يمر بمناطق تقطنها قبائل تدين بولائها للدرعية، ومن المرجح أن رينود قد فشل في مهمته السياسية، إلا أنه نجح في أن يكون الاوروبي الوحيد الذي التقى بالإمام عبد العزيز؛ حيث وصفه بأنه على خلق رفيع.

وفي عام 1221هـ/ 1807م، وصل إلى جدة بادياي ابليش Padiay Iblich ـ ([5]) مبعوثًا من قبل نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا، وكان من بين الأهداف التي أرسل من أجلها؛ التعرف على موقف سكان المشرق العربي من الدعوة السلفية، وعلاقتها بمخططات نابليون في بلاد الشام، ومصر، وقد ادعى ابليش الإسلام، و أسمى نفسه علي بك، وظهر في الحجاز بمظهر رفيع الشأن كونه أحد سلالة العباسيين، ومكنته الطريقة التي كان يتكلم بها اللغة العربية في عدم الشك في أمره، وقد قدم ابليش وصفاً دقيقاً للمدينتين المقدستين مكة والمدينة، والطريق بينهما، ووصف مناسك الحج وصفًا تفصيليًا، إضافة إلى نجاحه في تحديد موقع مكة بصورة صحيحة بالنسبة لخطوط العرض، مستعيناً بالأرصاد الفلكية، كما وصف التكوين الجيولوجي للجبال التي اجتازها بين المدينة وينبع.

و أمام طموح نابليون ( الذي استمر بالرغم من فشل حملته على مصر ) في الوصول إلى الهند، والسيطرة على الطرق المؤدية إليها؛ بهدف تسديد ضربة للنفوذ البريطاني، مع رغبته في وراثة الدولة العثمانية في المناطق التي كانت تسيطر عليها، لم يكن بمقدوره تجاهل قوة الدولة السعودية الأولى، فبعث دي لاسكارس De Lascaris إلى الدرعية؛ لمقابلة الإمام سعود بن عبد العزيز، لبحث سبل التعاون بين الدولتين في ضرب الدولة العثمانية، وتسهيل مرور الجيش الفرنسي إلى الهند.

وتعد رحلة جون بوركهارت Burckhardi .J  من أشهر الرحالات الاوروبية التي تمت إلى شبه الجزيرة العربية في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر، ونشر بوركهات خلاصة ما وقف عليه في تلك الرحلة التي تمت في عام 1229هـ/1814م في كتابين، الأول Travels in Arabia ( رحلات في الجزيرة العربية) الذي طبع في لندن عام 1244هـ/ 1829م، والآخر Notes on the Bedouins and wahabys ( ملاحظات على البدو والوهابيين )، وطبع في لندن عام 1246هـ/ 1831م، وقد ضمنهما معلومات ذات أهمية بالغة عن الحجاز، والدولة السعودية الأولى؛ بحيث يعدان أهم ما كتب عن المنطقة وقبائلها في تلك الفترة، ففي الكتاب الأول على سبيل المثال، وصف بوركهارت ميناء جدة، وسكانها، وأحيائها، وأسواقها، والحركة التجارية فيها، كما تطرق للنظام الاداري فيها، ووصف الطريق بين جدة والطائف والمشاعر المقدسة، موضحًا ذلك بخريطتين لعرفات و وادي منى، وقدم وصفًا دقيقًا لمكة، ومسجدها، وسكانها. والمدينة وأبرز معالمها.

ويلاحظ الكثرة العددية لرحالة القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، الذين وصلوا شبه الجزيرة وتوغلوا في جهاتها الأربع، وتزايد الاهتمام واستمراره إلى السنوات الأولى من الرابع عشر الهجري/ القرن العشرين؛ حيث ظهرت أسماء مثل سادلر([6]) Sadleir عام 1234هـ/ 1819م، الذي يعد أول رحالة يحقق قصب السبق في قطع شبه الجزيرة من شرقها إلى غربها، وموريس تاميزيه Maurice Tamisier ـ([7])  1250هـ/ 1834م، الذي رافق الحملة المصرية إلى بلاد عسير ضمن الطاقم الطبي، فسجل ملاحظاته وانطباعاته في مجلدين، اختص ثانيهما بعسير، قدم فيه معلومات عن طبيعة البلاد، وقبائلها، وقراها، علاوة على حديثه عن حملة محمد علي على الأقاليم، والظروف السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، التي تزامنت مع الحملة، والضابطان  ولستد Wellsted ـ ([8])، وكروثندن  Cruthenden ـ 1251هـ/ 1835م اللذان قاما بأول محاولة لاجتياز حضرموت. و أدولف فون وردى Adolf Von Werde 1259هـ/ 1843م، الذي توغل في حضرموت، خاصة واديها الشهير وادي دوعن. ووالين Wallin ـ ([9]) 1261هـ/1845م، الذي زار منطقة حائل، وقابل أميرها عبد الله بن رشيد. و بلجريف Palgrave ـ ([10])  1279 هـ/ 1862م، و رحلته المشهورة إلى نجد، والاحساء؛ حيث وصف العادات، والقيم الأخلاقية للسكان، كما رصد التطورات التاريخية، والعلمية. ودوتي Doughty ـ ([11]) 1294هـ/ 1877م، الذي زار الأجزاء الغربية، والشمالية، من شبه الجزيرة، ويمتاز مؤلف دوتي بالمعلومات القيمة، بجانب أسلوبه ولغته الشاعرية. وهوبرHuber ـ ([12]) (1295-1299هـ/1878-1882م)، والذي قضى مدة في وسط شبه الجزيرة، وتمكن من زيارة المناطق الشمالية منها، وكذلك زار الحجاز، ويعد كتابه تسجيلًا للحياة الاقتصادية، والدينية، والاجتماعية لسكان المناطق التي وصل إليها.

أما جلاسر Glaser ـ (1299-1326هـ/1882-1908م)، الذي قام بأربع رحلات لليمن أستطاع من خلالها استكمال ما بدأه الرحالة المكتشفين يها، مثل نيبور، وهالفي، وغير هؤلاء كثيرون، ومما لاشك فيه أن كتابات هؤلاء الرحالة عن شبه الجزيرة، كشفت لدولهم عن أهميتها السياسية، والاقتصادية، وحققت لهم شهرة كبيرة؛ نتيجة لما كتبوه عنها.

وللمعلومة بقية.

[1] – ترك تفاصيل رحلته في كتاب باللغة الإيطالية، ترجم لاحقا إلى اللغة العربية، انظر: رحلات فارتيما، الحاج يونس المصري، ترجمة، عبدالرحمن الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م.

[2] Screen Shot 1438-04-27 at 9.01.41 PMMarco Eric. Yemen and the Western World. London: C. Hurst & Co.

[3] – ترك مؤلفين بالألمانية، هما: وصف الجزيرة العربية الصادر في كوبنهاجن عام 1772م، ورحلات إلى بلاد العرب وبلدان أخرى محيطة بها ونشر عام 1774م، وترجمت مؤلفاته إلى لغات عدة من بينها العربية. انظر: نيبور، كارستن، رحلة إلى شبه الجزيرة العربية والبلاد الأخرى المجاورة لها، ترجمة، عبير المنذر، مؤسسة الانتشار العربي، 2007م.

[4] -بيرين، جاكلين، اكتشاف جزيرة العرب، خمسة قرون من المغامرة والعلم، ترجمة، قدري قلعجي، دار الكاتب العربي.

[5] – عن رحلته: السنيدي، صالح، رحالة أسباني في الجزيرة العربية – رحلة دومنجو باديا (علي باي العباسي) إلى مكة المكرمة سنة 1221 هـ/1807 م، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، 1429هـ.

[6] – ترك مذكراته عن هذه الرحلة بعنوان: مذكرات عن رحلة عبر الجزيرة العربية من القطيف في الخليج العربي إلى ينبع على البحر الأحمر خلال عام ١٨١٩م، انظر:

Screen Shot 1438-04-27 at 9.05.41 PMSadleir, Dairy of a Journey across Arabia Screen Shot 1438-04-27 at 9.03.39 PM  , New York,

[7] – ترك كتابًا بعنوان: رحلة في بلاد العرب Voyage en Arabie. وعن الترجمة العربية انظر: تاميزييه، موريس، رحلة في بلاد العرب، ترجمة محمد آل زلفة، 1414هـ.

[8] – ترك كتابين هما: رحلات في الجزيرة العربية، نشر عام 1838م، والسفر إلى مدينة الخلفاء على طول شواطئ الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط ، نشر عام 1840م.

[9] – Wallin, Narrative of a  Journey from Cairo to Medina and Mecca by Suez, Araba, Tawila, al-Jauf, Jubba, Hail and Nejd in Screen Shot 1438-04-27 at 9.06.39 PM .

[10] – سجل بلجريف تفاصيل رحلته في كتاب:

Palgrave, W. G., Narrative of a Year’s Journey through Central

[11] – رحلات في صحاري العرب، نشر عام 1888م. والنسخة المترجمة انظر: داوتي، تشارلز، رحلات داوتي في الجزيرة العربية، ترجمة وتحقيق، عدنان حسن، دار الوراق، 2010م.

[12] – Screen Shot 1438-04-27 at 9.07.25 PM Huber, Journal d’ur Voyage en Arabia .