الفكرة الخاطئة الحقيقة
أحرق طارق بن زياد السفن التي عبر عليها الجيش الإسلامي فور وصولهم إلى بر الأندلس عام 92هـ/711م. لم يثبت تاريخيًا أن طارق بن زياد أحرق السفن خلال فتح الأندلس.

ابتدأ فتح المسلمين للأندلس في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك (86-96هـ/705م-715م)؛ حين وافق على ما عرضه عليه والي أفريقيا موسى بن نصير (ت 97هـ/716م) من التوجه نحو الأندلس. وابتدأ الفتح بإرسال سرايا استطلاعية، عبرت البحر إلى شواطئ الأندلس، كان من أهمها سرية قادها طريف بن مالك عام 91هـ/710م، هدفت إلى جمع المعلومات، ودراسة الوضع. وبعد أن اكتملت الاستعدادات، عَهِد موسى بن نصير بقيادة الجيش المسلم إلى أحد قواده الشباب، طارق بن زياد،  الذي كان شجاعًا ومقدامًا، ومحل ثقته.

عبر طارق بن زياد المضيق الذي سمي لاحقُا باسمه، على رأس قوة بلغت سبعة آلاف رجل، ولما وصل شعر بالحاجة إلى مزيد من الرجال، فأرسل يطلب المدد من موسى بن نصير، فأمدّه بخمسة آلاف آخرين، حتى أصبح عدد جيش طارق اثني عشر ألف رجل تقريبًا، وخاض بجيشه معركة وادي لكّة التي وقعت عام 92هـ/711م، وسجل الجيش المسلم خلالها بسالة وشجاعة كبرى، وصمودًا أمام جيش القوط؛ الذي كان يفوقهم عددًا وعدة، ونتج عن هذه المعركة انتصار المسلمين.

وبعد مرور قرون على هذا الفتح، ذاعت قصة ارتبطت بفتح المسلمين للأندلس؛ وهي  قصة تتلخص في أن طارق بن زياد، وقبيل معركة وادي لكّة، أحرق جميع السفن التي حملت المسلمين إلى الأندلس، بهدف حث جنوده على الاستبسال والانتصار، وأضحت هذه القصة وكأنها حقيقة ثابتة، وتناقلها الكتاب منذ القدم، واعتُبرت مفخرة من مفاخر الفتوحات الإسلامية، وعملًا بطوليًا شجاعًا.

وتصدى عدد من الباحثين  لاستقصاء حقيقة هذه القصة، وخلصت آراؤهم إلى أن هذه القصة لا أصل لها ولم تحدث، ولم يحرق طارق سفنه، واستندوا في ذلك إلى عدد من الأدلة التي أثبتت بطلان هذه القصة، ومنها:

 أن هذه القصة لم تظهر إلا بعد مرور أربعة قرون ونصف من تاريخ الفتح الإسلامي للأندلس؛ حيث انفرد بها مؤلفان من القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي وهما: الإدريسي (ت 560هـ/1165م)، ومعاصره ابن الكردبوس؛ الذي لا يُعرف تاريخ وفاته على وجه التحديد؛ بينما لم يشر إليها أي من المؤرخين الأوائل، الذين كان لهم السبق في كتابة تاريخ الأندلس، فلم يذكرها مؤرخو القرن الثالث، والرابع، والخامس الهجرية/التاسع والعاشر والحادي عشر؛ الذين كتبوا عن تاريخ الأندلس، سواء المؤرخون المصريون مثل: ابن عبد الحكم، وعبدالملك بن حبيب (ت 238هـ/853م)؛ أو المغاربة والأندلسيون مثل: ابن القوطية (ت 367هـ/978م)، وابن الفرضي (ت 403هـ/1013م)، وابن حزم (ت 456هـ/1103م)، والقرطبي(ت496هـ/1164م)، والطرطوشي (ت 520هـ/1126مـ)؛  كما لم يشر إليها كبار مؤرخي القرنين السابع والثامن/الثالث عشر والرابع عشر مثل: ابن عذارى المراكشي، وابن الأبار (ت 658هـ/1260م). وليس من المعقول أن يتجاهل كل هؤلاء المؤرخين  أو يخفى عليهم هذا الخبر، فلا ترد  عندهم أي إشارة له.

أما من ناحية مضمون هذه القصة، فقد شكك فيها، ونفاها عدد من الباحثين في العصر الحديث؛ فيميل أحدهم إلى نفيها، ويعلق بأنها :”واقعة يغلب عليها لون الأسطورة”  فليس من المنطقي، ولا من الحنكة العسكرية،  تعريض جيش بأكمله للهلاك بقطع خط الرجعة، والتضحية بأسطول لا يمكن تعويضه.

أما الاعتماد على خطبة طارق بن زياد قبيل المعركة في إثبات قصة إحراق السفن، فأكّد الباحثون أنه لا يمكن من وجهة النظر التاريخية الاعتماد عليها، فليست الخطبة قطعية الثبوت، ونقلتها المصادر بصيغ مختلفة، وأضافت إليها كتب الأدب ما أضافت عبر العصور، وكانت باختصار تتلخص في عبارات “أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر”  بل إنها حتى لو ثبتت فإنها بعيدة كل البعد عن الدلالة المباشرة لإحراق السفن، فقدد كان من عادة قادة الجيوش الإسلامية أن تحفز جنودها بعبارة النصر أو الشهادة.

أما سبب انتشار هذه القصة؛  فقد علق على ذلك أحد الباحثين قائلًا: “وكان من الطبيعي أن يلهب هذا النصر الهائل الذي أحرزه طارق أخيلة المسلمين بعد ذلك، فإذا بهم يضيفون إلى رواية الفتح تفاصيل من صنع الخيال، حول أسبابه، وأحداثه، وشخصياته، وظلت هذه التفاصيل تتضخم جيلًا بعد جيل”

وخلاصة القول في هذه القصة، وحسب تعبير أحد الباحثين فإنها: ” أسطورة لا تاريخ!”

المصادر:

عويس، عبدالحليم، إحراق طارق بن زياد للسفن أسطورة لا تاريخ، القاهرة، دار الصحوة، 1416هـ/1995م.

عنان، محمد عبدالله، حول دول الإسلام في الأندلس، القاهرة، مطبعة الخانجي، 1969م.