ارتبطت قناة السويس باسم المهندس الفرنسي فرديناند دي ليسبس الذي أشرف على حفرها، منذ حصوله على امتيازها عام ١٢٧٠هــ/١٨٥٤م؛ وفكرة المشروع فكرة قديمة تعود إلى أيام الفراعنة، الذين فكروا في شق قناة تربط بين البحرين المتوسط والأحمر؛ ففي عهد الملك سنوسرت الثالث، من الأسرة الثانية عشرة، حفرت في عام ١٨٨٧ ق.م. قناة مائية امتدت من النيل إلى البحيرات المرّة، ثم إلى البحر الأحمر، ولمّا كانت هذه القناة تخترق الصحراء، فسرعان ما تطمرها الرمال حين تتعرض للإهمال؛ فلذلك تعاقب تجديد هذه القناة خلال العصور التالية، فجددت في عهد الأسرة التاسعة عشرة، ثم السادسة والعشرين، ثم تابع الفرس، ثم اليومان، فالرومان تجديدها كلما دعت الحاجة إليها.

رممت هذه القناة مجددًا في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه (١٣-٢٣هــ/٦٣٤-٦٤٤م)، وأطلق عليها اسم “خليج أمير المؤمنين”؛ وكان السبب في ذلك، كما ورد عند أحد مؤرخي العصر الإسلامي: “أن الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة عمر عام الرمادة[عام ١٧هــ/٦٣٨م]، فكتب إلى عمرو بن العاص وهو بمصر: سلامٌ عليك، أما بعد، فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه ثم يا غوثاه. … فبعث إليه بعيرٍ عظيمة، كان أولها بالمدينة وآخرها بمصر، يتبع بعضها بعضًا…” ثم طلب عمر بن الخطاب من عمرو أن يقدم عليه في المدينة، فلما قدم قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص: “يا عمرو إن الله قد فتح على المسلمين بمصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقي في روعي –لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين التوسعة عليهم- أن أحفر خليجًا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة…فانصرف عمرو …ثم احتفر الخليج، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى فرغ وجرت فيه السفن، فنفع الله بذلك أهل الحرمين، وسمي خليج أمير المؤمنين”، واستمر استخدامه طريقًا للمواصلات بين مصر والحجاز حتى “ضيّعه الولاة بعد ذلك، فترك وغلب عليه الرمل فانقطع…” على حد تعبير أحد المؤرخين المسلمين.

وفي العصر الحديث أعيد التفكير في المشروع مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر ١٢١٢هــ/ ١٧٩٨م، التي كان لها أهداف استعمارية ارتبطت بمنافستها مع بريطانيا في تلك الفترة، ففكر نابليون بونابرت في حفر قناة تربط بين البحرين المتوسط والأحمر، لتكون تحت سيطرة فرنسا؛ لتسهل لها ضرب السيطرة الاستعمارية البريطانية على البحار، وكلف أحد المهندسين الفرنسيين بوضع دراسة علمية لهذا المشروع؛ ولكن ظروف فرنسا السياسية في تلك الفترة، وخروج مصر من السيطرة الفرنسية عام ١٢١٥هــ/ ١٨٠١م، حالت دون تنفيذ المشروع آنذاك.

عادت فرنسا للتفكير مجددًا في هذا المشروع، وفي عام ١٢٦٢هــ/ ١٨٤٦م تشكلت جمعية الدراسات الخاصة بقناة السويس في باريس، وأوفدت خبراء متخصصين لمسح المنطقة. ولما عرض المقترح على محمد علي باشا رفضه قائلًا: ” لا أريد أن تكون مصر بسفورًا آخر” في إشارة إلى تخوفه من  أن تكون هذه القناة مدخلًا للدول الأوروبية للسيطرة على مصر.

ولم يخفت السعي الفرنسي لهذا المشروع، وكتب له أن يظهر للوجود في عام ١٢٧٠هــ/ ١٨٥٤م؛ وذلك حين منح والي مصر محمد سعيد باشا  (١٢٧٠-١٢٧٨هــ/١٨٥٤-١٨٦٢م) امتياز إنشاء قناة السويس إلى المهندس الفرنسي دي ليسبس؛ الذي كان قبل ذلك يعمل نائبًا للقنصل الفرنسي في الإسكندرية، وتمكن من الاطلاع على الدراسات الفرنسية السابقة الخاصة بمشروع القناة، فجذبه المشروع، وتفرغ له يدرسه ويخطط له، وساعده في تحقيق مشروعه صداقته للوالي الجديد؛ الذي سرعان ما اقتنع، وأعطى دي ليسبس امتياز إنشاء وإدارة شركة تقوم بحفر القناة، وتشغيلها لمدة تسعة وتسعين عامًا، تبدأ من تاريخ افتتاحها. وتمتعت هذه الشركة بكثير من الامتيازات التي ضمنها لها الامتياز، مثل: الإعفاء الجمركي على جميع الآلات المعدات التي تستوردها من الخارج، وأن تستخرج بدون مقابل جميع المواد اللازمة لأعمال القناة والمباني التابعة لها من المناجم، والمحاجر المجاورة المملوكة للحكومة، كما منحت الشركة مساحات شاسعة من الأراضي في منطقة القناة لتنفيذ المشروع.

ارتبطت القناة بقضايا إنسانية، واقتصادية، تأثرت بها مصر في تلك الفترة، فمن جهة، اعتمدت الشركة الفرنسية في حفر القناة على المصريين؛ الذين عملوا بنظام السخرة والإكراه على العمل، وتتالى إرسال الفلاحين المصريين إلى موقع العمل دون مراعاة للمواسم الزراعية، كما لم تراع موافقتهم أو رفضهم للعمل، وكان المتبع هو جمعهم وترحيلهم قسرًا إلى ساحات الحفر، تحت حراسة مشددة؛ منعًا لهربهم، وفرضت عليهم غرامات مالية، وعقوبات متعددة في حال الهروب، أو التقصير في العمل. وعملوا في ظروف معيشية ومناخية صعبة، فواجهوا نقصًا شديدًا في مياه الشرب، حتى مات الكثيرون عطشًا، وفتكت بهم أوبئة مثل: التيفوئيد، والجدري، والكوليرا، والدوزنتاريا. ولم تسهم الشركة بأي دور في التخفيف عنهم، بل أرهقتهم بعمل يدوي مضنٍ، ولم تزود المشروع بأي معدات أو آلات ميكانيكية تخفف عنهم عبء العمل إلا بعد تولى الخديوي إسماعيل( ١٢٧٩-١٢٩٦هــ/ ١٨٦٣-١٨٧٩م) ولاية مصر، فأبدى الاهتمام بتطوير الزراعة المصرية، ومن ثم أنقص تباعًا عدد العمال الذين يرسلون لحفر القناة، ثم أوقف إرسال العمال من منتصف ١٢٨٠هــ/ ١٨٦٤م، وانصرف العمال المصريون إلى الزراعة، وخاصة زراعة القطن، وهنا اضطرت الشركة لتعويض هذا النقص بتوفير الآلات. وعلى حد تعبير أحد الباحثين المعاصرين: فقد حُشدت مصر كلها لخدمة شركة القناة، وتمكن دي ليسبس من الضغط مرارًا على الوالي محمد سعيد لبذل المزيد من التسهيلات لهذه الشركة.

كان هذا المشروع محل رضا فرنسا؛ التي سرّها أن تحصل شركة فرنسية على امتياز ذو أهمية استراتيجية واقتصادية بالغة، في ظل التنافس الاستعماري بينها وبين بريطانيا في ذلك الوقت، وعبرت فرنسا عن سعادتها بهذا المشروع، فمنحت وسام الشرف الأكبر إلى محمد سعيد باشا بعد توقيع العقد بمدة وجيزة. كما حظي المشروع باهتمام الحكومة الفرنسية ورعايتها، فدعمت شركة القناة وعلى رأسها دي ليسبس دعمًا سياسيًا كبيرًا، وكانت سندًا قويًا لمطالبه المتكررة لمحمد سعيد بمزيد من التسهيلات للشركة، وتصدت الصحافة الفرنسية للدفاع عن الشركة، وعن القناة، أمام هجوم الصحافة البريطانية المناهضة للمشروع، فقد عارضت بريطانيا هذا المشروع؛ لأنها اعتبرته مخططًا سياسيًا فرنسيًا يهدف إلى ضرب الممتلكات البريطانية في الهند. وحين أقامت الحكومة الفرنسية معرضًا عالميًا في باريس عام ١٢٨٣هــ/ ١٨٦٧م، خصصت جناحًا من هذا المعرض لدي ليسبس، فعرض فيه نموذجًا بارزًا وكبيرًا لقناة السويس، ابتداءً من مدخلها الشمالي في البحر المتوسط، وانتهاءً بطرفها الجنوبي في البحر الأحمر؛ مشتملًا على مدن بور سعيد، والإسماعيلية، والسويس، وعرضت فيه كذلك مجسمات لآلات الحفر التي كانت تستخدمها الشركة في شق الأجزاء المتبقية، بعد إلغاء نظام السخرة في حفرها، ونماذج من تضاريس المنطقة.

انتهى العمل في القناة في عام ١٢٨٦هــ/ أغسطس ١٨٦٩م، والتقت مياه البحرين عبرها، ثم افتتحت رسميًا في شعبان عام ١٢٨٦هــ/ نوفمبر ١٨٦٩م، وشهد افتتاحها احتفالات باذخة كبّدت مصر ديونًا باهظة، كان لها تأثيرها على مستقبل مصر واستقلالها، وسرعان ما وقعت مصر ضحية للديون، فباعت أسهمها في شركة القناة لبريطانيا عام ١٢٩٢هــ/ ١٨٧٥م، فأصبحت القناة ملكًا لفرنسا ولبريطانيا؛ فمهد ذلك لاحتلال بريطانيا لمصر عام ١٢٩٩هــ/ ١٨٨٢م.

أما عن فوائد هذه القناة، فتعتبر قناة السويس شريانًا للمواصلات بين الشرق والغرب، واختصرت الطريق البحري الذي يربط أوروبا بالشرق، وأضاف حفرها  أهمية استراتيجية أخرى إلى العالم العربي؛ وأعادت إلى المنطقة أهميتها التجارية التي فقدتها باكتشاف طريق الرجاء الصالح، وتحول طرق التجارة القديمة عنها.

ومن جهة أخرى، كان المشروع ملهمًا لمهندسه دي ليسبس؛ للسعي لتحقيق نجاحٍ جديد في مكان آخر من العالم؛ فاتجهت أنظاره نحو بنما؛ التي تقع في المنتصف بين القارتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، فوضع دراسة لحفر قناة هناك تربط بين المحيطين الأطلسي والهادي، وهو المشروع الذي لم يقدر له أن ينجح على أيدي الفرنسيين، وكان وبالًا على فرنسا، تكبدت من ورائه خسارة مالية ومعنوية كبيرة، ثم تبنّت الولايات المتحدة المشروع فأنجزته عام ١٣٣٢هــ/ ١٩١٤م.

 

المصادر:

  • الشناوي، عبدالعزيز، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، ج٤، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ١٩٨٦م.
  • الشناوي، عبدالعزيز، السخرة في حفر قناة السويس، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ٢٠١٠م.
  • طه، جاد، معالم تاريخ مصر الحديث والمعاصر، د. م، دار الفكر العربي، د. ت.
  • السيوطي، جلال الدين، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق، محمد أبو الفضل إبراهيم، د.م.، دار إحياء الكتب العربية، ١٣٨٧هــ/١٩٦٧م.