الفكرة الخاطئة الحقيقة

ترك السلطان سليمان القانوني رئاسة الديوان الهمايوني، وانشغل عنه نتيجة انشغاله بزوجته روكسلانا الروسية.

انشغل السلطان سليمان القانوني عن رئاسة الديوان الهمايوني، بأحداث عسكرية وإدارية كبيرة شغلت معظم فترة حكمه.

كان الديوان الهمايوني في الدولة العثمانية بمثابة مجلس وزراء موسع، وكان السلاطين العثمانيون  يحضرون جلساته، ويرأسون اجتماعاته، واستمر هذا التقليد متَّبعًا حتى عهد السلطان سليمان القانوني (٩٢٦-٩٧٣ هــ/١٥٢٠-١٥٦٦م)، الذي تخلف عن حضور جلساته، وترك رئاسة هذا الديوان للصدر الأعظم، واكتفى بالاستماع إلى المناقشات التي تدور في الاجتماع، من وراء ستار، أو نافذة تطل على غرفة الاجتماعات.

كان تخلي السلطان عن رئاسة الديوان، مدعاة لتساؤل العديد من الباحثين الذين كتبوا عن تاريخ الدولة العثمانية، وتعرض السلطان سليمان لنقد شديد من الكتاب اللاحقين على هذا التصرف، خاصة وأن سلاطين الفترة الثانية من الدولة العثمانية قد اتخذوه تقليدًا التزموا به، واعتزل معظمهم الحياة العامة. وعزاه بعض الكتاب لزواجه من روكسلانا الروسية، ونسجوا العديد من القصص حول هذه الشخصية ودورها في حياة السلطان، ومدى تأثيرها عليه، وهي في معظمها قصص لا تستند إلى حقائق تصمد أمام البحث التاريخي.

والحقيقة أن الكتاب الذين ربطوا بين زواج السلطان سليمان القانوني من روكسلانا، وابتعاده عن رئاسة الديوان الهمايوني، قد غابت عنهم حقيقة مهمة عن عهد السلطان سليمان، الذي كان مضطرًا لذلك؛ حيث كان حضور جلسات الديوان المطولة، يتعارض مع المهام الأخرى التي كان السلطان يواجهها، خاصة وأن حكمه كان حافلًا بأعمال حربية مصيرية، وحملات عسكرية عديدة شهدها عهده، قاد معظمها بنفسه، سواء على الجبهة الشرقية في صراعه مع الصفويين، أو على الجبهة الأوروبية وما خاضته الدولة العثمانية من معارك ضد الامبراطورية الرومانية المقدسة. كما انشغل بإنجازات تشريعية وإدارية كبيرة. ومن ناحية أخرى، كانت طبيعة عمل الديوان الهمايوني تتطلب عقد جلسات مطولة أربعة أيام من كل أسبوع، تمتد طوال اليوم، وتستغرق وقتا يتراوح بين سبع وثماني ساعات؛ فبالتالي كان من الصعب على السلطان أن يجمع بين كل هذه المهام في وقت واحد، ومع ذلك فقد كان السلطان يتابع أعمال الديوان؛ حيث تُعرض عليه قرارات الديوان فيوافق عليها، أو يطلب إعادة النظر فيها. وهذا يوضح الأسباب الحقيقية التي جعلت السلطان سليمان القانوني يتخلى عن رئاسة الديوان الهمايوني، وهي أسباب تتعلق بانشغاله بأمور أخرى مهمة وحاسمة لمصير الدولة العثمانية آنذاك.

 

المصادر:

  • الشناوي، عبدالعزيز، الدولة العثمانية دولة إسلامية مفترى عليها، ج١، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، د.ت.
  • لامب، هارولد، سلطان الشرق العظيم سليمان القانوني، ترجمة، شكري نديم، الدار العربية للموسوعات، ٢٠٠٧م.