العنوان المجتمع العربي من سيادة العلم إلى وحل الخرافة.
المؤلف يحيى محمود بن جنيد.
مكان النشر تونس.
دار النشر دار الغرب الإسلامي.
تاريخ النشر ١٤٣١هــ/٢٠١٠م.

من كتاب ودورية

يأخذ الكتاب القارئ في رحلة عبر التاريخ، مستعرضًا ركائز الازدهار العلمي؛ التي أسهمت في تشييد الحضارة العربية الإسلامية، وباحثًا عن أسباب التخلف الذي يلحق بالعالم العربي والإسلامي؛ على الرغم من صلابة البناء الفكري والمعرفي الذي كان عليه، واستمر قرونًا طوالًا. ويؤكد أن الهدف من ذلك ليس التباكي على الماضي؛ ولكن للتذكير للرغبة في معرفة السبب؛ لأن يكون العالم العربي والإسلامي اليوم من العالم الثالث.

يركز الكتاب على إظهار الفرق بين حركة العلم التي قام عليها البناء الحضاري، وبين السقوط في أوحال التخلف، وإخماد جذوة العقل، والركون إلى النقل، وتصنيف أعمال عبثية لا فائدة من ورائها، والانسياق وراء نوعين من الغلاة، أولهما: الذين حجروا على المرأة وأغفلوا دورها، وأقفلوا باب الاجتهاد، ورفضوا الآخر، وتمسكوا بحرفية النصوص. وثانيهما: الذين انجرفوا وراء الفكر الغربي المتشكك في الإسلام ودوره في بناء الحضارة الإنسانية.

قسم الكتاب إلى قسمين، جاء الأول بعنوان: الارتقاء في سماء العلم والمعرفة، ويوضح هذا القسم من خلال العديد من الأمثلة، المسار الإيجابي الذي ارتبط فيه العلم بالرقي المجتمعي. فيؤكّد منذ البداية أن النقلة الحضارية لأي مجتمع ترتكز أساسًا على الجهد المعرفي المتطور، وأن هذه النقلة الحضارية المعرفية هي التي صنعت الفرق والهوة التي تفصل بين العالمين: النامي والمتطور، فالحاجز بين العالمين هو في الأساس حاجز معرفي.

ويمضي الكتاب موضحًا: أن حركة الانتشار العلمي كانت كبيرة وكاسحة منذ فجر التاريخ الإسلامي؛ استوعبتها حلقات الدرس في المساجد والجوامع، ثم جاء دور المكتبة لتكون مكانًا تتمركز فيه المعرفة، وحظيت المكتبات باحترام وعناية؛ في وضع يشبه كثيرًا الحال في الدول المتقدمة في عالم اليوم. فكانت المكتبات في العصر الإسلامي محور مجموعة من الأنشطة الثقافية، ساعدت على وضع أسس الإنتاج العلمي الغزير، ورسّخت البعد الحضاري للكتاب بوصفه ركيزة لبناء الثقافة العربية. ثم ظهرت المدرسة؛ وهي فكرة عربية إسلامية أصيلة، شهدت حركة علمية دؤوبة، وكانت مؤسسة علمية راقية لها نظمها الخاصة التي تسير عليها، وتقاليدها التي ترعاها، ومواردها المالية التي تعتمد عليها؛ وكان من نتاج ذلك أن اتسعت قاعدة التعليم النظامي في أنحاء العالم العربي والإسلامي، وبرز علماء أعلام أسسوا للبيئة العلمية الجديدة؛ التي شهدت علاقة وثيقة بين الأداء العلمي والسلوك الأخلاقي للعالم والمتعلم.

يناقش الكتاب ركيزة مهمة من ركائز الحضارة العلمية الإسلامية، وهي الاعتراف بالآخر، وإفساح المجال لكل موهوب، على نحو مشابه لما هو متبع لدى الأمم المتقدمة في عالم اليوم.

ومن مميزات الكتاب أنه يعطي العديد من النماذج والأمثلة المأخوذة من التاريخ الإسلامي، التي تؤكد على المكانة العالية للعلم في الخطاب الديني الإسلامي، وتقديره للعلماء، وما تمخض عن ذلك من أخلاقيات وسلوكيات، اقترنت بها أساليب التعامل مع العلم والعلماء. وهي القيم التي شكلت الحافز الأساس للعطاء العلمي العربي، وأعطت أنموذجًا مثاليًا في التكامل، والتواؤم، والتوفيق، بين الفكر والتطبيق العملي لتلك العلوم.

أما القسم الثاني من الكتاب، فيتتبع العوامل التي أدت إلى الانهيار الفجائي، والانحدار في وحل الخرافة، بعيدًا عن القاعدة العلمية الراسخة، ويتناول المسار السلبي الذي أعطى الخرافة الدور الأكبر في الانحدار الأخلاقي للمجتمعات. ويرى الكتاب أن هذا المسار قاده غلاة التصوف، ودعاة الدروشة والشعوذة، ومدعي العلم؛ الذين راوحوا مكانهم باجترار القديم، والخوض في تأليف موضوعات هامشية لا نفع من ورائها. ومما ساعدهم في أداء مهمتهم؛ المجتمع الذي استكان لهم وانقاد لهم. ويحمّل العلماء والحكام المسؤولية؛ فيرى أنهم أخذوا موقفًا سلبيًا، ولم يؤدوا واجبًا حتميًا كان عليهم القيام به، وهو الإنكار بالقوة على هؤلاء الدجالين.

ويدلل بعديد من الأمثلة على أن الاستمرار في نشر كتب طبقات الصوفية والأولياء، والعمل على إشاعتها بين البسطاء من الناس، هو من أشد النكبات على الثقافة العربية الإسلامية؛ بل  وعقبة في وجه مسيرة العمل البنّاء، وتخليص العقل العربي من بشاعة الخرافة.

والسبب في ذلك- كما برهنت الأدلة التي قدمها الكتاب- أن كل هذا الغثاء من الخرافة تحول مع مرور الزمن إلى ثقافة مجتمعية، اتسعت صورها المزرية خلال القرون المتأخرة، وعمّق أفراده مفاهيم مخالفة للعقيدة، مناهضة للتوحيد، وأسسوا لأفكار دخيلة مبنية على الخيال؛ هدفها التأسيس للفكر الاسترخائي، وقتل روح الإبداع والابتكار. واستعرض الكتاب نماذج من التدهور الفكري؛ من خلال عناوين المؤلفات التي  تعكس ما وصل إليه الفكر العربي من تراجع.

ومن العوامل الأخرى للسقوط الفكري التي ناقشها الكتاب:

– توالي الضربات على العالم الإسلامي من الشرق والغرب؛ مما أدّى إلى تخريب بنية العقل العربي، وإحباط مساره الإبداعي، وترسيخ قيم غريبة من الدروشة،، والتصوف الخرافي والشعوذة والدجل، والإيمان بالسحر والطلاسم.

– الموقف السلبي من المرأة؛ بقمع نشاطها وإخماد جذوة مشاركاتها، وإغلاق منافذ العلم في وجهها، فخلت الساحة من أعلام النساء.

–  الجناية على التعليم باتباع نظام تعليمي اتكالي؛ يؤدي إلى عقم التجربة النهائية للطالب، فتنتهي صلته بالعلم فور حصوله على الشهادة.

– النقد السلبي للقيم الحضارية التي شيدها الأسلاف، دون الإلمام إيجابًا بمعطيات الحضارة الإنسانية الفاعلة.

يختم الكتاب بسؤال مهم، وهو: كيف النجاة من وحل التخلف؟ ويجيب على ذلك: بأن سبيل النجاة هو ببناء نظام تعليمي يرتقي بالسلوك، ويتخلص من التقاليد البالية، يأخذ من الماضي إشراقه وتفاعله وثراءه الفكري، وينغمس في مسارات العصر بروح إيجابية، ويلتزم نقاء العقيدة مبتعدًا عن مهازل الدروشة والخرافة والعبث واللهو، عازمًا أن يكون مشاركًا ومنتجًا في البناء الحضاري المعاصر.