الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي آل سعود

( أوائل العقد السابع من القرن ١٣هـ – ١٣٥٠هــ/١٩٣١م )

تنتمي الجوهرة من ناحية أمها إلى آل معمر، فوالدتها سارة بنت عبدالعزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر، أحد أبرز علماء نجد في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وقد تزوجت سارة من الإمام فيصل، بعد عودته من مصر عام ١٢٥٩هــ/١٨٤٣م؛ خلال إقامته في سدوس، قبل دخوله الرياض وفقًا لإحدى الروايات الشفاهية، و أنجبت له عدة أبناء ماتوا جميعًا، ماعدا الجوهرة، التي حظيت كما أخواتها الأخريات برعاية والدهن، الذي اشتهر بعنايته بالنواحي العلمية، والثقافية؛ كما أن نشأة والدتها في بيت علم، كان له دور واضح في تكوينها العلمي.  ويبدو ذلك جليًا في إلمامها ومعرفتها بالتاريخ والسِيَر، وحفظها للقران الكريم، واستيعابها لكثير من السنة النبوية، والاستنباطات الفقهية، واهتمامها بجمع الكتب، ووقفها على طلبة العلم، التي لا تزال محفوظة في بعض المكتبات إلى اليوم؛ مثل نسخة كتاب ” حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن قيم الجوزية “، عليها النص التالي: ” وقفته الفقيرة إلى الله سبحانه الجوهرة بنت الإمام فيصل، على من ينتفع به من المسلمين لوجه الله تعالى ( فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم ) وصلى الله على محمد و آله وصحبه وسلم، جرى ذلك في ١٣١٨هــ “.

تزوجها طلال بن عبدالله بن رشيد، أمير حائل خلال الفترة من ١٢٦٣هــ/ ١٨٤٧م إلى ١٢٨٣هــ/١٨٦٦م، وكان ذلك الزواج مظهرًا من مظاهر العلاقة الوطيدة بين الإمام فيصل بن تركي وآل رشيد. وفي رأي لأحد الباحثين: أن الدافع إلى هذا الزواج كان سياسيًا سعى من ورائه أبن رشيد إلى تثبيت نفوذه وتقوية مركزه؛ عن طريق مصاهرته لآل سعود.

ووفقاً للمعلومات المتاحة، فإنها لم تنجب أولادًا لابن رشيد، الذي توفي عام ١٢٨٣هــ/١٨٦٦م.

وتزوجت الجوهرة للمرة الثانية. وكان زوجها هو سعود بن جلوي بن تركي( ت ١٣٠٦هــ/١٨٨٩م )، وتفيد رواية شفاهية: بأنها طلبت منه الطلاق عندما تزوج بأخرى.

وشهدت الجوهرة عن قرب ذلك النزاع؛ الذي كان بين أخوتها بعد وفاة والدها عام ١٢٨٢هــ/١٨٦٥م، وقد آلمها الضعف الذي حل ببيت آل سعود، فكان أن عملت على تنمية روح العزيمة، ودفع الملك عبدالعزيز إلى استعادة ملك آبائه وأجداده. وعن هذا الفضل يتذكر الملك عبدالعزيز من فترة طفولته، أن الجوهرة كانت الوحيدة من بين أفراد عائلته التي تعرف القليل مما كان يعتمل في فؤاده المتحمس، ويصف مشاعره تجاهها، ودورها في شحذ همته، وجعله يستعد لما هو قادم بالقول :” لقد كانت تحبني فيما أعتقد أكثر مما كانت تحب أولادها أنفسهم، كانت عندما تنفرد بي تضعني في حجرها وتنبئني بالأمور العظيمة التي كان عليّ أن أحققها إذا ما كبرت، كانت تقول لي:” عليك أن تحيي عظمة بيت ابن سعود “.

وكانت الجوهرة تؤكد على عبدالعزيز، وترسخ في ذاته ركائز و أسس الحكم، كما سار عليه أسلافه من آل سعود؛ ومن ذلك أن يسعى إلى رفع شأن الإسلام والمسلمين ببث الدعوة السلفية، ثم هي ترسخ في ذاته، أنه ذلك القائد الذي سوف تجد معه شبه الجزيرة العربية كل عزة وتمكين، فكانت تردد على مسمعه:” لا تكون عظمة بيت ابن سعود غاية مساعيك، إن عليك أن تجاهد لعظمة الإسلام، إن قومك لفي أمسّ الحاجة إلى قائد يرشدهم إلى طريق النبي الكريم، وإنك أنت ستكون ذلك  القائد “.

وقد كان لهذه التوجيهات أثر عميق في نفس الملك عبدالعزيز، يؤكد على ذلك ما نقله محمد أسد عن لسانه:” لقد بقيت كلماتها هذه ولا تزال في قلبي دائمًا “. وظل الملك عبدالعزيز طوال حياته يؤكد بأنها المرأة الوحيدة التي كان لها تأثير قوي في مسار حياته.

ويبرز محمد جلال كشك دور الجوهرة السابق بالقول :” حمّلته عمته الرسالة، ولقنته وهو طفل مسؤولياته في إعادة ملك آل سعود وفي نشر الإسلام “.

والجدير بالذكر؛ أن الجوهرة بقيت في الرياض في أعقاب موقعة المليداء عام ١٣٠٨هــ/ ١٨٩١م، ولم تغادر إلى الكويت مع أخيها الإمام عبدالرحمن، وكانت إقامتها آمنة من مضايقات رجال محمد بن عبدالله بن رشيد (١٢٨٩-١٣١٥هــ/١٨٧٢-١٨٩٧م)؛ نتيجة لطلب عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ من رجال ابن رشيد عدم التضييق عليها، في الوقت الذي غادرت فيه أختها نورة الرياض إلى الدرعية خوفًا منهم.

وفي فترة بقائها داخل الرياض، كانت تعيش بالقرب منها أبنة أخيها سارة بنت الإمام عبدالله بن فيصل؛ حيث تولت رعايتها وتربيتها، ويبدو أن الجوهرة شعرت بشيء من الخطر على ابنة أخيها من رجال ابن رشيد، فانتهزت قدوم الملك عبدالعزيز إلى الرياض في عام ١٣١٨هــ/١٩٠١م؛ بهدف استعادتها، تلك المحاولة التي لم يكتب لها النجاح كما هو معروف تاريخيًا، فأشارت عليه أن يعقد على سارة، ويحملها معه إلى الكويت. واستجاب الملك عبدالعزيز لطلبها، وكأن الجوهرة بعملها ذلك أرادت منه حماية سارة وربطها بأسرتها، خاصة أبرز أعضاء الأسرة في تلك الفترة، الملك عبدالعزيز.

ومع بدء مرحلة التوحيد، كان منزل الجوهرة مقصدًا لأفراد من أسرة والدتها، يلجؤون إليه في وقت الملمات، ويدل على ذلك إقــامة  عبدالرحمن بن محمد بن معمر فيه، عندما أصيب في هجوم عبد العزيز بن متعب بن رشيد (١٣١٥-١٣٢٤هــ/١٨٩٧-١٩٠٦م) على الرياض عام ١٣٢١هــ/١٩٠٣م، بحكم أنه من آل معمر، أخوال الجوهرة. 

وقد أدت الجوهرة دورين مهمين في تلك المرحلة، أحدهما على المستوى الشخصي لحياة الملك عبدالعزيز، والآخر على المستوى العام:

فالأول: أن الملك عبدالعزيز كان يعتمد عليها في تثقيف وتعليم النساء في قصره.

والثاني: أن الملك عبدالعزيز كان يستشيرها ويصغي لنصحها في بعض شؤونه.

وأمام هذين الدورين ومكانتها في نفس الملك عبد العزيز، فإننا لا نعجب من حرصه على زيارتها يوميًا، وكانت تلك سنة حسنة للملك عبدالعزيز في صلة الرحم، لا يتركها مع كثرة اشغاله ووفرة أعماله، فكان يقرن زيارتها بزيارة والده، ومن جانب آخر كانت الجوهرة تحرص على زيارة أخيها الإمام عبدالرحمن يوميًا مدللةً على عمق صلتها وقوة عاطفتها نحو أخيها.

ومن إسهامات الجوهرة الخيرية، أنه كان لها وقف لزينة العروس؛ يتمثل في تقديم ثوب وبعض القطع الذهبية للمقبلات على الزواج، ثم قصرت هذا الوقف على أدوات الزينة من حناء، وطيب، وديرم وغيرها.

وصنيع الجوهرة هذا يدلل على حس اجتماعي، ووعي بأهمية الإسهام في جوانب من حياة المجتمع في ذلك الحين؛ إذ من المؤكد أن غالبية النساء كن يفتقرن حال زواجهن إلى الملابس، و أدوات الزينة المناسبة.

وإضافة إلى ذلك، كان للجوهرة مسقاة ماء بجوار سور دخنة، كانت تعد من أشهر مساقي الرياض في وقتها، ومن المرجح أنها كانت تابعة لمنزلها ونخيلها، وأن أناسًا كثيرون انتفعوا بها. 

وتوفيت الأميرة الجوهرة في عام ١٣٥٠هــ/١٩٣١م، بعد أن شهدت تحقيق توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز.

المصدر:

  • الحربي، دلال بنت مخلد: نساء شهيرات من نجد، الرياض: دارة الملك عبدالعزيز، ١٤١٩هـ.