معركة بسل ١٢٣٠هـ/١٨١٥م

دخل الحجاز تحت نفوذ الدولة السعودية الأولى عام ١٢٢٠هـ/١٨٠٥م، وأثار ذلك حفيظة  الدولة العثمانية لأنه يعني ببساطة خسارة المكانة الدينية التي تحظى بها الدولة العثمانية أمام العالم. فقررت استعادة الحجاز وإنهاء وجود الدولة السعودية الأولى. وكلّفت واليها على مصر، محمد علي باشا بهذه المهمة.  فسيّر محمد علي حملات ثلاث، مثلت كل منها دورًا من أدوار الحرب، وكانت الأولى بقيادة ابنه طوسون باشا، والثانية بقيادة محمد علي نفسه، أما الأخيرة فقادها ابنه إبراهيم باشا. وخلال الأدوار الثلاثة تعددت المواجهات بين جيش محمد علي، وجيش الدولة السعودية الأولى في مواقع كثيرة؛ تأتي في الأهمية موقعة بسل وتفصيل ذلك.

مع نهاية الدور الأول من أدوار الحرب عام ١٢٢٨هـ/١٨١٣م، بين الدولة السعودية الأولى، والحملة العثمانية المصرية، استرد العثمانيون الحجاز؛ بينما اتخذ جيش الدولة السعودية الأولى من تربة مركزًا عسكريًا مجهزًا، تحت قيادة فيصل بن سعود، أخو الإمام عبدالله بن سعود. وتمكنوا من إنزال هزيمة كبيرة بحملة قادها مصطفى بك، فأرسل طوسون بعدها إلى والده، يخبره بأمر الهزيمة في تربة، ويشكو إليه الوضع الصحي، والمعيشي، السيء الذي أضحت عليه قواته.

فصمم محمد علي الخروج بنفسه إلى شبه الجزيرة العربية، وقيادة قواته هناك، ومنذ وصوله إلى جدة عام 1228هـ/1813م، بدأ التخطيط العسكري لمواجهة جيش الدولة السعودية الأولى المرابط في تربة، وحسم الأمر في معركة فاصلة. فأرسل قوة عسكرية إلى كلاخ؛ التي أصبحت مركزًا لقيادته، وبذل كل ما في وسعه لدعم قواته بالجند المدرّب، والمؤن، والعتاد، كما عمل على تأمين طرق المواصلات، وتحييد القبائل المحيطة بالمنطقة بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة أخرى؛ كما شجّع جنوده، ورفع من معنوياتهم استعدادَا لهذه المعركة الكبيرة؛ التي أدرك أهميتها لتقرير مصير حملته وسمعته في شبه الجزيرة العربية، وبشكل خاص أمام الدولة العثمانية.

أما في تربة، فقد استنفر فيصل بن سعود القبائل الموالية للدولة السعودية الأولى، وخرج فيصل بمن معه، وعددهم حوالي العشرة آلاف إلى غزايل؛ لملاقاة قبائل المنطقة التي استجابت إلى ندائه، ووفدت إليه للوقوف إلى جانبه. وحسب ما ذكر محمد علي في إحدى رسائله إلى السلطان العثماني، فقد وصل القائد العسيري طامي بن شعيب مع عدد كبير من أفراد القبائل، وفهاد بن سالم بن شكبان من بيشة، وابن دهمان من غامد، ومسلط بن قطنان من رنية، وابن حطامل من شهران، وبخروش بن علاس من زهران، وجاسر بن محيي، وغيرهم من القواد الصغار والكبار…” وقدرت هذه القوات بحوالي العشرين ألفًا.

وبعد التشاور مع قادة الجيش، استقر رأي فيصل بن سعود على المبادرة بالهجوم؛ رغم أن البعض كانوا يرون أن الأفضل هو البقاء في تربة المحصّنة. فتحركت قوات  فيصل بن سعود من غزايل إلى بسل، وسيطروا على قمم الجبال والتلال؛ حيث حشدوا أحمالهم، وذخائرهم، وقطعوا المواصلات بين كلاخ والطائف. وحصلت مواجهة عنيفة بين الطرفين، قُتل فيها من القوات العثمانية المصرية عدد كبير. وبقدوم محمد علي بتعزيزاته في اليوم التالي، تغير الموقف إلى صالحه؛ وكان في خطته أن يتجه مباشرة إلى تربة، ولكن لما علم أن قوات الدولة السعودية الأولى تتمركز في بسل، زحف إليهم لملاقاتهم، ووصل محمد علي إلى كلاخ ليقود الجيش. ووصف أحد المؤرخين المعاصرين خطة محمد علي قائلًا:  “..اتضح أن محمد علي رأى خلال المناوشات؛ أنه لن تكون أمامه فرصة للنجاح ما بقي العدو مقيمًا فوق الجبال، وعرف أيضًا أنه لو نجح في اليوم التالي، فإن من المحتمل أن تنتهي مشكلاته في كل من الحجاز ومصر إلى الأبد…” فوضع خطته لاستدراج جيش فيصل بن سعود إلى السهل؛ حيث تظاهرت قواته بالانسحاب؛ لتنزل قوات الدولة السعودية الأولى إلى السهل لتتبعها، وكان ذلك ما حدث،  ودارت معركة قوية انتهت بانتصار محمد علي.

وانسحب جانب من جيش فيصل بن سعود إلى تربة، فيما تفرّق الباقون، وعادوا إلى مناطقهم، وتتبعهم جيش محمد علي إلى تربة؛ وحين علم فيصل بذلك، انسحب منها إلى رنية، ومنها إلى نجد؛ فيما تابع محمد علي زحفه، فأخضع  تربة، ورنية، وبيشة، وعسير.

أما عن نتائج المعركة، فقد تكبد جيش الدولة السعودية الأولى خسائر جسيمة، ما بين خسائر بشرية كبيرة، وخسائر مادية؛ تمثلت في استيلاء الجيش المنتصر على عدته، وخيامه، ودوابه، وأمتعته ؛ فضلًا عن نتائجها السياسية والعسكرية؛ فهي تعد من أكبر المعارك التي خاضتها الدولة السعودية الأولى ضد  الحملة العثمانية المصرية، وحسب ما أشارت بعض الوثائق: “تمكن محمد علي من النيل من المكان الذي قاومه لوقت طويل” واعتبرها محمد علي من أعظم وأهم انتصاراته. وأشار بعض المؤرخين إلى أن هذه المعركة “من أهم المعارك في تاريخ مصر الحربي”؛ أما النتيجة الأصعب عسكريًا بالنسبة للدولة السعودية الأولى، فإنها حولت موقفها من الهجوم، إلى موقف الدفاع عن نجد.

المصادر:

  • ابن بشر، عثمان: عنوان المجد في تاريخ نجد، ج1، تحقيق: محمد بن ناصر الشثري، الرياض، دار الحبيب، ١٤٢٠هـ/١٩٩٩م.
  • الحربي، دلال، غالية البقمية، حياتها ودورها في مقاومة حملة محمد علي باشا على تربة، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، ١٤٣٤هـ/٢٠١٣م.
  • عبدالرحيم، عبدالرحمن، الدولة السعودية الأولى، ط5، القاهرة، دار الكتاب الجامعي، ١٤٠٧هـ/١٩٨٧م.
  • الأطلس التاريخي للمملكة العربية السعودية، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، ١٤٢١هـ/٢٠٠٠م.