تقع العُلا اليوم في الجزء الشمالي الغربي من المملكة العربية السعودية، وسط وادٍ يُعد من أشهر الأودية التاريخية في شبه الجزيرة العربية، وهو وادي القرى، المعروف بغزارة مائه وكثرة بساتينه وخيراته. وتشتهر العلا وما حولها بالآثار الكثيرة التي وثقت إنجازات الإنسان العربي القديم، في ميادين الفن، والنحت، والعمارة، والحضارة. فضلًا عن المعالم الطبيعية؛ المتمثلة في كثير من المظاهر الشكلية الجميلة، التي تشكلت بفعل عوامل التعرية والرياح، على سلسلة المنحدرات الصخرية التي تحتضن العلا وبساتينها.

خلال العصر القديم، كان الوادي الذي تقع عليه العلا ممرًا هامًا وحيويًا للتجارة بين جنوب الجزيرة العربية وشمالها. ودلّت المصادر التاريخية على أن منطقة العلا كانت مركزًا حضاريًا وتجاريًا في شمال الجزيرة العربية، على الطريق التجاري الرئيسي الذي يربط جنوب الجزيرة العربية، مع بلاد الشام، وما حولها، وتمر من خلاله تجارة البخور والتوابل وغيرها من المواد التجارية؛ مما جعل العلا التي عرفت آنذاك باسم “ديدان” تتبوأ مركزًا حضاريًا مهمًا في العالم القديم، وانعكس ازدهارها السياسي والاقتصادي على ضخامة المنشآت المائية والعمرانية التي تركها ساكنوها في ذلك الوقت.

تشتمل منطقة العلا على ثلاثة مواقع أثرية رئيسة وهي: الخريبة في الشمال الشرقي للعلا، والحجر (مدائن صالح)، شمالها، والمابيات جنوبها. ودلت البقايا الأثرية على أن هذه المواقع كانت مركزًا سياسيًا، وتجاريًا، وحضاريًا مهمًا لكل من الديدانيين، واللحيانيين، والمعينيين، والأنباط، ونشأت في هذا الموضع مدينة مهمة هي ديدان. ومع مرور الزمن، أفل نجم حضارة ديدان، ثم لحيان، وتحول الطريق التجاري عن ديدان، فخلت من السكان، وتحولت إلى خرائب عرفت فيما بعد باسم الخريبة، وانتقل مركز الثقل إلى مدينة أخرى تطل على وادي القرى اسمها “قرح”، وازدهرت هذه المدينة وأصبحت سوقًا تجارية مشهورة في الجاهلية، واستمرت في النمو خلال العهد الإسلامي حتى عدها المقدسي في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، من المدن الكبرى في الحجاز، واستمرت كذلك حتى نهاية القرن الخامس الهجري تقريبًا/الحادي عشر الميلادي، ثم بدأت في الاضمحلال تدريجيًا خلال القرن السادس الهجري/الثاني عشر الهجري؛ نتيجة سوء الأحوال الاقتصادية، فتناقص عدد السكان تدريجيًا حتى أفلت المدينة، وفي ذلك ذكر أحد الباحثين أنه: “أصبح عدد السكان في تناقص مستمر حتى هجرت المدينة كليًا، وأفلت مع أفول القرن السادس الهجري، بينما بدأ نجم العلا في الظهور”، والعلا التي تقع في أضيق نقطة في الوادي وأعلاها، وبُنيت منازلها حول هضبة صخرية يسهل الدفاع عنها، وبُني في أعلى الهضبة قلعة؛ مما وفر للبلدة حماية طبيعية من الغزاة أو السيول.

وخلال العصر الحديث، برزت العلا بصفتها واحة زراعية، وسوقًا تجارية للقبائل القاطنة حولها، وعرفت بأنها محطة مهمة على طريق الحج الشامي، تستقبل قوافل الحجاج، وتزودهم باحتياجاتهم، وتبتاع منهم، وازدادت أهميتها مع مد خط حديد الحجاز، من دمشق إلى المدينة المنورة، فأصبحت العلا إحدى محطات هذا الخط، الذي وصل إليها في عام 1325هــ/ 1907م؛ ونتج عن هذا الحدث ازدهار اقتصادي شهدته المدينة، حتى وصفها أحد العلماء الأجانب الذي زارها في تلك الفترة بقوله: “العلا بلد الحليب والعسل” في كناية عن رغد العيش.

وخلال تلك الفترة، جذبت العلا العديد من الرحالة والباحثين الأجانب، ومنهم تشارلز داوتي، الذي زارها عام 1293-1294هــ/ 1876-1877م، وشارل هوبير عام 1297هــ/1880م وعام 1884م، وعالما الآثار الفرنسيان جوسين، وسافينيياك اللذيْن زاراها في رحلات متتالية خلال الفترة 1325-1328هــ/ 1907-1910م، وقام الأخيران بدراسة البقايا الأثرية والكتابات الباقية في المنطقة، واعتبر المجهود العلمي الذي بذلاه في دراسة هذه الآثار بمثابة اللبنات الأولى للأبحاث الأثرية التي أجريت عليها.

وصفها حاجُّ عثماني زارها خلال رحلة الحج في القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي بقوله: “العلا بلدة تقع بين جبلين فيها مياه جارية، وكرم ونخيل تمر، ويكثر بها أشجار البرتقال، والليمون، والبطيخ، والخيار، وقد بنى السلطان سليمان خان حصنًا في وادي العلا”، وقال عنها داوتي: “ظهرت أزقة المدينة الضيقة نظيفة جدًا، ولكنها مظلمة؛ بسبب وجود غرف مبنية فوق الأزقة بسبب ضيق المساحة، وعند كل بيت توجد دكة بنيت من الطين على الطراز العربي، يجلس عليها أصحاب البيوت، والمارة، لتبادل الأحاديث الودية…”.

فقدت العلا أهميتها كمركز إداري هام في شمال غرب الجزيرة العربية، مع افتتاح الطريق المعبّد الذي يربط بين المدينة المنورة وتبوك، ويمر عبر خيبر وتيماء، وهبطت العلا إلى مستوى المدن الصغيرة، ولكن ثراء المدينة الأثري، وأهميتها التاريخية فرضت حضورها، وبدأت المدينة تستعيد الاهتمام الذي جسدته العديد من المشروعات، والخدمات، التي استهدفت تنمية العلا كغيرها من أجزاء الوطن الغالي، وبصفتها مقصدًا سياحيًا مهمًا، وأثمرت تلك الجهود عن موافقة لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو، على إدراج الحجر (مدائن صالح) ضمن القائمة العالمية للتراث الثقافي في عام 1429هــ/ 2008م، كأول موقع سعودي يسجل في تلك القائمة، كما افتتح مطار داخلي في العلا، أطلق عليه اسم مطار الأمير عبدالمجيد بن عبدالعزيز، ووصلت أولى الرحلات إليه في يوم الاثنين الموافق 4 من ذي الحجة 1432هــ/ 31 أكتوبر 2011م، وكان على متنها صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان، رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، في رسالة تحمل الكثير من المعاني عن أهمية العلا السياحية.

المصادر:

  • نصيف، عبدالله آدم، العلا، دراسة في التراث الحضاري والاجتماعي، المؤلف، 1416هــ/1995م.
  • وصول أول رحلة إلى مطار العلا للخطوط السعودية، جريدة اليوم، الاثنين الموافق 31 أكتوبر 2011 العدد 14017.

http://whc.unesco.org/en/list/1293