استخدمت الأمم في الماضي أدوات عدة للكتابة عليها، ومن بينها الحرير، والجلود، والبردي، والطوب، والخزف. واخترع الصينيون الورق، عام 105م، وصنعوه من ألياف الأشجار، والحشائش، وبعض الأقمشة.

وبالنسبة للعرب، فقد استخدموا الرق؛ وهو الجلد، والعسب؛ وهو جريد النخيل، واللخاف؛ وهو الحجارة البيضاء الخفيفة، والخزف، والأقمشة، وأكتاف الإبل. ولما فتح العرب المسلمون مصر استخدموا البردي، ثم تعرفوا على الورق وصناعته، فأنشأوا له معامل في بغداد والشام وغيرها من عواصم البلاد الإسلامية، ومن خلالهم انتشرت صناعة الورق في العالم.

وكانت سمرقند هي المحطة التي انتقلت منها هذه الصناعة إلى العرب، ويذكر لنا التاريخ أن الجيوش الإسلامية بدأت في غزو بلاد ما وراء النهر منذ عهد معاوية بن أبي سفيان (41-60هـ/661-680م)، وفي عام 87هــ/706م عبر قتيبة بن مسلم (49-96هــ/669-715م) النهر وغزا بخارى، ودخل سمرقند، المتاخمة للصين، فنشأت علاقات سياسية بين المسلمين وبين الصينيين، انتقلت على إثرها بعض العلوم إلى العرب، ومن بينها صناعة الورق. وذكر رأي آخر أن سمرقند قد عرفت صناعة الورق قبل وصول المسلمين، فلما دخلوها فاتحين نقلوها منهم. ورأي ثالث يذكر أن المسلمين، وخلال حرب بينهم وبين الصينيين على تخوم وسط آسيا، وقع في أيديهم أسرى صينيين على معرفة بهذه الصناعة، فانتقلت منهم إلى العرب، والرابط المشترك  بين هذه الآراء أنها جميعًا اشتركت في أن صناعة الورق قد انتقلت من الصينيين إلى العرب عبر سمرقند خلال عهد الأمويين.

وأشارت معلومات أخرى أن العرب بعد أن تعلموا هذه الصناعة في سمرقند، نقلوها إلى الحجاز في أول الأمر، فأسس يوسف بن عمرو المكي أول معمل لصناعة الورق في الحجاز في نهاية القرن الأول الهجري، ورجحت بعض المعلومات أن مكة المكرمة كانت مقر هذا المعمل؛ ونظرًا لأن الورق الذي صنع في سمرقند كان يصنع من الحرير، فقد طور يوسف بن عمرو صناعته لتتواءم مع الإمكانيات المتوافرة آنذاك، فصنع الورق من القطن بدلًا من الحرير. وأشار أحد المؤرخين المسلمين إلى ذلك فقال: “بعد الفتح بثلاث سنوات نقل يوسف بن عمرو صناعة الورق إلى مكة المكرمة، وأذاع صناعتها بين العرب، وقد استنبط صناعتها من القطن بدلًا من الحرير؛ نظرًا لفقدان الحرير في الحجاز”.

وذكر القلقشندي أن: “الصحابة قد أجمعوا على كتابة القرآن في الرق لطول نقائه، أو لأنه موجود عندهم، وبقي الناس على ذلك إلى أن ولي الرشيد الخلافة، وقد كثر الورق وفشا عمله بين الناس، فأمر أن لا يكتب الناس إلا في الكاغد”. وبذلك توسع العباسيون في صناعة الورق، وحدث في عهدهم تطور كبير في صناعته، وتأسست له المعامل والمصانع اللازمة في العراق والشام، فانتشر ورخصت أسعاره، وأشارت المعلومات إلى أن سمرقند ظلت المركز الرئيس لصناعته، وذكر أحد المؤرخين المسلمين انتشار صناعة الورق بقوله: “عطلت كواغيد (أوراق) سمرقند قراطيس (برديات) مصر، التي كان الأوائل يكتبون عليها؛ لأنها أحسن، وأنعم، وأرفق، وأوفق”، وداعب أحد الكتاب المسلمين صديقًا له تأخر في الكتابة إليه فتساءل هل بعدت سمرقند عنه؟ أم عزّ الكاغد عليه؟!

وكانت الأندلس هي المحطة التي انتقلت منها إلى الغرب، ونقل موسى بن نصير صناعته إلى هناك مع الفتح الإسلامي، واستخدم لصناعته الكتان والقنب المتوفر في بلاد المغرب.

ونتج عن شيوع صناعة الورق وانتشارها، أن انتشرت معها صناعة الكتب، وهذا ما أدى إلى انتشار المعرفة وتأصلها عند العرب، وعبَّرت عن ذلك إحدى الباحثات الغربيات بقولها: “كم رزم من الأوراق، وليترات من الحبر استهلكتها الأيدي الدائبة على الكتابة في كل عام، فأصبحت تجارة الكتب هدية قدمها العرب للبشرية”.

المصادر:

  • يوسف بن عمرو مؤسس أول معمل للورق في الحجاز، جريدة أم القرى، الأعداد: 437، 431، 436، السنة 9، 22 شوال، و20 ذو القعدة، و26 ذو الحجة، 1351هــ/17 فبراير، و17 مارس، و21 أبريل 1933م.
  • هونكه، زيغريد، شمس العرب تسطع على الغرب، ط8، ترجمة، فاروق بيضون وكمال دسوقي، بيروت، دار الجيل ودار الآفاق الجديدة، 1413هـ/1993م.
  • متز، آدم، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري،مج2، ط5، ترجمة، محمد عبدالهادي أبو ريدة، بيروت، دار الكتاب العربي، د. ت.