صاحب الرحلة هو المهندس الزراعي السوري أحمد وصفي زكريا (1306-1384هــ/1889-1964م)، وُلد في دمشق ونشأ بها، وبعد إتمام دراسته الثانوية، سافر إلى استانبول، والتحق بالمدرسة الزراعية العليا، وتخرج فيها مهندسًا زراعيًا عام 1330هـ/1912م، وعمل بعد تخرجه في مناصب متعددة تتعلق بمجال الزراعة، ولم يقتصر عمله على سوريا وحدها، فقد عمل أيضًا في العراق، ولبنان، وفلسطين، والأردن، واليمن.

في عام 1355هــ/ 1936م، اُنتُدب أحمد وصفي زكريا إلى اليمن في مهمة رسمية؛ حيث عُيَّن مستشارًا فنيًا، لدراسة الأوضاع الزراعية في اليمن، واقتراح سبل تطويرها، ومكث في اليمن مدة ستة أشهر، عمل خلالها على إدخال زراعة أشجار متنوعة لم تعرفها أرض اليمن من قبل، جلبها من سوريا، ومصر، وإيطاليا، كما عمل على تأسيس مدرسة زراعية، علَّم فيها بعض شباب اليمن فنون الزراعة الحديثة. وكتب كثيرًا من المقالات في موضوعات الزراعة الحديثة، التي تفيد اليمن وأهلها. استفاد من فترة بقائه في صنعاء، والمناطق المجاورة التي زارها، للتعرف إلى المعلومات الجغرافية، والتاريخية، والعمرانية، والاقتصادية، وغيرها، ونشر هذه المعلومات بعد عودته في عدد من المجلات العلمية السورية والمصرية.

جمع أحمد غسان سبانو بعضًا من مقالات أحمد وصفي زكريا عن مشاهداته في اليمن، وأضاف إليها نصوص بعض الرسائل التي كتبها إلى المسؤولين اليمنيين، خلال فترة عمله في اليمن، ونُشرت في كتاب حمل عنوان ” رحلتي إلى اليمن “؛ نشرته دار الفكر في دمشق عام 1406هــ/1986م.

تناولت فصول الرحلة، مقدمة عن تاريخ اليمن قبل الإسلام، وتاريخ اليمن في العصر الإسلامي، منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم تناول تاريخ اليمن في عهد العثمانيين في دوريَّه الأول الذي بدأ عام 1041هــ/ 927م، والثاني 1289هــ/ 1871م.

كما كتب عن جغرافية اليمن، وحدودها، وأقسامها، ومساحتها، وسكانها، وتضاريسها، وطرق المواصلات بها، القديمة والحديثة، ووسائل النقل، ومناخها، وأشجارها. ثم فصَّل الحديث عن الزراعة في اليمن، وأهم محاصيلها: البن اليماني، وتحدث عن أضرار القات المخدر، وآثاره السيئة على أهل اليمن صحيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا. وتحدث أيضًا عن تجارة اليمن، وصناعاتها اليدوية البسيطة. وكتب مشاهداته عن مباني اليمن، سواء في المدن أو القرى، وأنواعها، ومواد البناء المستخدمة. ووصف ملابس رجال اليمن ونساءها.

أفرد فصلًا عن التعليم في اليمن، وأشار إلى أنه في مجمله تعليم على النظام القديم، يركز على تعلم القراءة والكتابة، والقرآن الكريم، ورغم ذلك، أوضح أن لهذه المدارس دور في نشر معرفة القراءة والكتابة بين السكان بشكل كبير، إضافة إلى حلقات التعليم في الجوامع، والمساجد، التي لا يخلو مسجد منها. أما التعليم الحديث، فتحدث عن مدرسة صنعاء الابتدائية، ودار المعلمين بها، والمدرسة العلمية التي شبهها بالأزهر، يدرس فيها الطلاب ما بين سبع إلى عشر سنين، علوم الدين واللغة.

قدم كذلك وصفًا لمدن اليمن، ومنها صنعاء، ففصل الحديث عنها، وعن معالمها، ومناخها، وسكانها والأقضية/ المناطق التابعة لها، ومنها: حراز، حجة، عمران، ذمار، تعز، إب، وأعطى ملخص لموقع وأهمية وبعض المعلومات المختصرة عن هذه الأقضية.

عكست مدونات زكريا عن رحلته اهتمامه باليمن، وتأسفه على أحواله السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية المتدهورة آنذاك، فيقول: “فإنك لو هبطت اليوم اليمن، لرجعت حالًا القهقرى، ووجدت نفسك أمام مشاهد تاريخية،، وأوضاع اجتماعية قديمة، تعود إلى ما قبل قرن أو قرنين، فكل شيء هناك لا يزال من الطراز الذي أكل عليه الدهر وشرب…”. محمّلًا الإمام يحيى حميد الدين (1322-1367هــ/1904-1948م)، مسؤولية هذا التدهور، مرجعًا ذلك الوضع إلى خلو اليمن من المدارس العصرية، والمعامل، والمصانع، وعدم وجود أطباء بشريين، أو بيطريين، وندرة وجود المستشفيات والصيدليات.

ورغم الانتقادات الكثيرة التي وجهها إلى الإمام المتوكل ونظامه، نجده يثني على شعب اليمن ويعدد محاسنه، فوصفه بأنه شعب لطيف ذكي، لديه الاستعداد للتطور والتقدم؛ وهم من أشجع الناس، وأصبرهم على تحمل المشاق والصعاب، والخبرة بفنون القتال، ويذكر في أكثر من موضع بأن: “اليمن  قطر عربي عزيز قابل لكل عمران وازدهار، لو وجد عقولًا نيّرة، ونوايا خيّرة”.

ضم الكتاب أيضًا بعضًا من خطابات أحمد وصفي الدورية، الموجهة إلى المسؤول عن الزراعة في اليمن، وهو السيف بن الإمام يحيى، فيما يتعلق بطبيعة عمله؛ اشتملت على تقارير دورية عن عمله. ويلمس القارئ فيها الجهود والأعمال التي قام بها، ومنها زراعة الأشجار والبذور، والكشف عن الأوبئة والآفات التي تصيب المحاصيل، وكتابة مقالات ملخصة عن كيفية زراعة بعض المحاصيل، وعن طرق وأساليب مكافحة الأمراض والأوبئة التي تصيب الأشجار، وطرق التسميد. تكفلت الحكومة اليمنية بطباعتها.

كما تعكس مدى المعاناة التي واجهها، والضغوط التي وقعت عليه، والمعوقات التي حالت دون إنجازه لعمله بالشكل المطلوب، ومنها ما يتعلق بالطلاب، ومنها ما يتعلق بالموظفين الذين عملوا تحت إشرافه، ومنها ما يتعلق  بالإدارة التي عمل تحت إشرافها.

وبشكل عام، تقدم هذه الرحلة وصفًا حيًا لليمن، وأحوالها خلال عهد الإمام يحيى حميد الدين، سجَّل فيها أحمد وصفي زكريا مشاهداته الشخصية، وأضاف إليها ما يثريها من مقالاته ودراساته، بشكل عكس حبه لليمن وتعلقه بها.

المصادر:

  • زكريا، أحمد وصفي، رحلتي إلى اليمن، دمشق، دار الفكر، 1406هــ/1986م.

http://www.arab-ency.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D9%88%D8%AB/%D8%B2%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%8A