أُجْريَ الحوار التالي مع عبدالله بن خميس عام 1397هـ/1976م، وسُجِّل في محطة تلفزيون الرياض، ضمن برنامج “شريط الذكريات”، من إعداد وحوار عبدالرحمن الشبيلي. ولأهمية هذه اللقاءات وما تضمنته من معلومات ثمينة؛ فقد أصدر الشبيلي سلسلة من الكتب، وثق بها المقابلات التلفزيونية المحفوظة لديه. والحوار التالي هو مقتطفات من ذلك اللقاء:

يا شيخ عبدالله، الذي أعرفه أنكم نشأتم بين قرى وادي حنيفة، فأين كان مولدكم؟

ولدت في قرية (الملقى) شمال الدرعية، وتبعد عنها حوال سبعة أو ثمانية كيلومترات.

إذًا لم تكونوا أساسًا من الدرعية؟

بلى، كان والدي يسكن في ضرما، فلقد انتقل هو والأسرة من الدرعية بعد تخريبها عام 1233هــ/1818م إلى ضرما، ومن هناك تفرقت الأسرة في ثرمداء، وحريملاء، وفي وادي الدواسر، وفي الأحساء، لكن جدي، ووالدي، وجزءًا من أسرتي بقوا في ضرما، وبعدما عادت الأمور إلى مجاريها، عاد والدي إلى بلدته الأصل: الدرعية.

ما الذي ذهب به بعد ذلك إلى بلدة الملقى؟ أم أنها تعد منطقة واحدة؟

هي على كل حال منطقة واحدة؛ وإنما بحكم أن لوالدي صلة تامة بالإمام عبدالرحمن الفيصل، وكان ممن أخلصوا للكيان السعودي، هو، وآباؤه، وأجداده منذ عصر الدرعية، وبقي في ضرما حتى عهد ابن رشيد، وكان بعض الناس في ذلك الوقت- ليس خاصًا ببلد دون بلد، أو قبيلة دون أخرى- بين من يوالي وينحاز إلى ابن رشيد، وبين من يميل إلى آل سعود.

والوالد معروف بأصالة ميله إلى هذه الأسرة، فاستلحقه الإمام عبدالرحمن وجعله في قرية الملقى، وكانت في ذلك الوقت مع العمارية، والوصيل، وما حولها، فلاة (مرعى) للجيش الملقية والخيل خيل اللوازم التي تستعمل للوازم، فكان عليها الوالد في ذلك الوقت، وهذا الذي جعله يمكث في الملقى، لكن صلته بالرياض والدرعية ظلت مستمرة.

لعلكم شيخ عبدالله تعطون المشاهدين فكرة عن جغرافية وادي حنيفة وامتداده وطرفيه.

وادي حنيفة، يبدأ من أعلاه باتجاه شعاب تسمى الخُمر، وأبالهشم، وبويضة، مما يلي وادي سدوس، ووادي حريملاء، ومما يلي رأس قمة طويق من الناحية الغربية، ويأخذ منحدرًا تصب فيه روافد كثيرة، وأول ما يرد يصل إلى العيينة، ثم الجبيلة، ثم الوصيل، ثم الملقى، ثم العلب، ثم العودة، ثم الدرعية، ثم عرقة، ثم الرياض، ثم الحائر، فالخرج، ثم يفضي إلى السهباء، ثم يستمر إلى البجادية؛ حيث ينتهي إلى نفوذ الدهناء.

وكان في سابق العصر يخترق الدهناء، ويمر بما يسمى الآن وادي حرض، ويشق الصلب وينتهي بالبحر بجوار قطر، كان ذلك في الماضي، وربما مرت جدوب وأحوال جوية جعلت الرمال تحجز بينه وبين المضي نحو البحر، فصار يقف في البجادية هناك مما يلي السهباء.

إذا ذكرنا وادي حنيفة، ما هي، شيخ عبدالله، المدن والقرى الأخرى التي تقع عليه؟

هي كما ذكرت آنفًا، العيينة، والجبيلة، والملقى، والعلب، والعودة، والدرعية، وعرقة، والرياض، والحاير، والخرج، وكلها على وادي حنيفة.

إقليم اليمامة:

إذا أردنا شيخ عبدالله التفريق بين مسمى اليمامة، ومسمى طويق، ومسمى العارض، ماذا يكون الفرق جغرافيًا بين الأسماء الثلاثة؟

وادي حنيفة جزء صغير من مسمى اليمامة، اليمامة تمتد من نفود الثويرات شمالًا فيما يلي الزلفي، وتأخذ مقبلة نحو الجنوب باتجاه الربع الخالي، بمسافة تقدر بنحو ألف كيلومتر، وتنتظم جانبًا من وادي الدواسر، والسليل، وجزء من الأفلاج، والحوطة، والحريق، والخرج، والرياض، ونواحيها، والمزاحمية، والشعيب، والمحمل، وسدير طويق، والغاط، والزلفي.

بعض هذه البلدان يضمها جبل اليمامة؛ الذي هو جبل طويق في جوفه، وبعضها تنتشر شرقًا وغربًا حوله، وتنحدر أودية طويق لمسافة طويلة على هذه المدن والقرى. وعلى كل حال، الاسم الحقيقي الأول له هو اليمامة، يقول عمرو بن كلثوم:

فأعرضت اليمامة واشمخرّت     كأسياف بأيدي مصلتينا

ويسمى أيضًا طويق، ويسمى العارض، ولو أن هناك تقسيمات ربما تكون حديثة وهي: العارض، والعِرض، والعويرض، وما إلى ذلك.

طويق والعارض:

هل يمكن استعمال تعبير طويق رديفًا لاسم اليمامة أو جزء منها أو بديلًا؟

لا، هي جزء من اليمامة، ولا أعتقد أن كلمة العارض كلمة أثرية قديمة، وإنما هي كلمة حديثة تطلق على منطقة الرياض، والشعيب، والمحمل، والدرعية، وضرما، والخرج.

ما هو السبب في رأيكم في تسمية العارض؟

لعله من باب تسمية الكل باسم الجزء والبعض، ويمكن أن يكون العارض هذا الجبل المعترض على مسافة ألف كيلومتر في جزيرة العرب، والممتد من الشمال إلى الجنوب.

ولا شك أنه معترض وعارض، فلعله كما ذكرت من باب تغليب الجزء على الكل، ولا أجد له تعليقًا أو تفسيرًا أو تعليلًا أكثر من هذا.

بداية التعليم في الرياض:

طال عمرك بالنسبة للحركة التعليمية في منطقة  الرياض والدرعية قبل 40 سنة، وأعني الحركة التي عشتموها أنتم أو عاصرتموها؟

في الحقيقة لم يكن يومئذٍ حركة تعليمية بالمعنى المفهوم اليوم، الذي كان سائدًا  في البلاد أو غير هذه البلاد، كان التعليم حينئذ على قسمين، قسم يتألف من الكتاتيب، وكانت هناك ثلاثة كتاتيب في الرياض، واحد للمفيريج؛ كان يؤتى بالأطفال عنده لتعليمهم الخط والقرآن الكريم، وكان هناك ابن مرزوق، وابن حيان، وكان عندنا شخص في الدرعية الله يوفقه ويحيينا وإياه حياة طيبة، وهو عبدالرحمن الحصان؛ وهو موجود الآن، وهو من علمنا في كتاتيب الدرعية، نشيط ولا يزال عنده استعداد وقوة والحمد لله.

وكذلك حمود بن حمود في الدرعية، وإبراهيم الطويل، كانوا يعلموننا على نحو ما يعلم غيرهم من أصحاب الكتاتيب، لوح، وشعر، ومبادئ الكتابة، وحفظ القرآن (جزء عمّ) حفظًا، وبقية الأجزاء مجرد قراءة من المصحف.

لا أنسى أيضًا أن هناك المجال الآخر، مجال المشايخ، إذ يندر أن توجد بلدة في نجد إلا ويوجد شيخ يقضي من ناحية، ويعلم من ناحية أخرى، وكان لآل الشيخ هنا في الرياض، وآل عتيق مواقف مشرفة في تعليم الكثير من أهل نجد، وكذلك آل سليم في القصيم، وهم الآن لا يزالون ولله الحمد يتمتعون بالعلم والفضل، أنجبوا علماء وفضلاء، ويشكرون على مواقفهم.

الرياض القديمة:

لو نظرنا إلى العمران في مدينة الرياض، هل تذكرون حدود الرياض؟ 

في الحقيقة هي إلى زمن قريب منذ نحو 40 سنة حال الرياض، لا يكاد يتصورها متصور كما هي الآن، كانت محاطة بسور، وكان لها أبواب: باب الثميري، وباب القري، وباب الظهيرة، وباب آل السويلم، وباب المذبح، وباب دخنة، وباب البطيحاء، وباب القري الآن مقابل للمعهد العلمي، ودروازة الثميري بجوار مبنى بنك الرياض أمام البلدية، وباب الظهيرة أقرب المقبرة التي في شارع الملك فيصل، وكانت الصفاة، والمقيبرة، تمثلان قلب الرياض، ولا تكاد أي دروازة تبعد عنهما أكثر من مئات الأمتار. وكانت الصفاة مجلب الإبل، وكان الضيوف والمراكيب الذين يأتون إلى الملك عبدالعزيز، يجتمعون في الصفاة،  ومجلب الإبل، وتنام الخيل التي تأتي من قريب وبعيد، وفيها السوق، والصناعات، وكثافة البيوت كانت في الظهيرة، والمعيقلية، ودخنة، والحلة الداخلية. والمياه كانت تنقل بواسطة القرب على الظهور وتزود بها البيوت، وكانت المياه تأتي من الآبار الموجودة المحفورة في الرياض، وتسمى المساقي، وتحمل أسماء مثل فضة، وفلانة، وفلانة. كان السقاة يسحبون المياه بالدلاء، ويوزعونها على البيوت، ويقوم السقاة بهذا العمل.

الشعر الشعبي (النبطي):  

طال عمرك من أقدم شعراء العامية في نجد؟

في الحقيقة، الشعر النبطي لعب دورًا عظيمًا في جزيرة العرب، منذ القرن السابع الهجري تقريبًا، وأخذ ينحدر منذ ذلك العهد منذ تبناه بنو هلال بن عامر، لأن الذي نقل لنا من هذا الشعر هو من بني هلال، وقد تعرض لهذا ابن خلدون في مقدمته، وأعطى شيئًا من الدروس وسماه شعرًا ملحونًا. وهو في الحقيقة مزيج من الشعر العربي والشعر العامي، إلا أنه إلى الشعر العامي أقرب، ولكن إذا أردت أن تأخذ منه نماذج وتعيدها إلى الشعر العربي، عاد معك، وهكذا انجر الشعر النبطي منذ ذلك العهد إلى هذا العهد.

إنما حصل عبر هذه الأزمنة شعراء مبرزون في الحقيقة، أعطوا هذا المجال صفة وقوة ومكانة؛ بحيث نستطيع  أن نقول أنه حل محل الشعر العربي الفصيح في الأزمنة القديمة، فهو في الحقيقة لسان الأمم ولسان القبائل، وهو أيضًا منطلق مجدها، وتاريخها، وتراثها، وعاداتها، وتقاليدها، بل ولغتها. فأذكر مثلًا: راشد الخلاوي، الذي ألفت عنه، وكذلك أبو حمزة العامري، رميزان التميمي، ابن سيار، حميدان الشويعر، ابن عشبان، محسن الهزاني، ابن عرفج.

طال عمرك حبذا لو تصفهم لنا، لا على أساس نوعية الشعر ولكن على أساس القرون؟

كما قلنا، أنا متدرج حسب التسلسل التاريخي، لأن أول ما عثرنا عليه من الشعر شعر أبو حمزة العامري، وشعر قطن بن قطن، وشعر ابن عشبان، ثم حميدان الشويعر، ثم رميزان التميمي، ومحسن الهزاني، ثم ابن عفالق، ثم ابن ربيعة، وابن لعبون، ثم القضاة (القواضا)، ثم ابن عرفج، ثم ابن سبيل، ثم حنيف بن سعيدان، ثم العوني، ثم العريني، ومشعان بن هذال، والصعيفيق، وتركي بن حميد، وراكان بن حثلين، وابن هادي، جمع كثير لا تسعفني الذاكرة، يحتاج شعرهم إلى تصنيف في موسوعات؛ لتسهم في تدوين الشعر النبطي، وهذه مهمة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار ولا تهمل، ففي هذا الشعر تراث وفيه اللغة.

هل كتبت في الشعر العامي؟

أنا كتبت في الشعر العامي في كتاب أسميته: “الأدب الشعبي في جزيرة العرب” يقع في 400 صفحة منذ نحو 22 سنة، ولكن هذا لا يكفي، أنا أعطيت نماذج ودراسات أولية وإلمامات تبين حقيقة هذا الشعر، وحالته، وواقعه، ولكن الأمر يحتاج إلى وضع موسوعة كبيرة عن هذا الشعر.

المصدر:

  • الشبيلي، عبدالرحمن، عبدالله بن خميس في حوار تلفزيوني توثيقي، المؤلف، الرياض، 1429هــ/2008م.