باحث، ومفكّر، وأديب، ومثقف عربي، تميّز بسعة أفقه، وتمكنه العلمي، ومنهجه الفكري المتميز، واهتمامه بالتراث العربي والإسلامي، وهو إلى جانب هذا، صاحب حس وطني عربي إسلامي تجلى في بحوثه ومقالاته.

وينتمي رشدي بن صالح ملحس، إلى عائلة نابلسية فلسطينية، ورجَّحت المعلومات مولده في نابلس عام 1314هــ/1896م، وهناك قضى أيام صباه، فنشأ في بيئة إسلامية محافظة، ثم سافر فأكمل دراسته في إستانبول؛ خلال الفترة بين 1330-1334هــ/1912-1916م، وأثرت هذه الفترة التي قضاها هناك في شخصيته؛ فقد تزامن وجوده في إستانبول مع مرحلة مهمة من مراحل تطور الحركة القومية العربية، وشهد عن قرب الصراع بينها وبين الحركة القومية التركية؛ مما نتج عنه تشكيل عدد من الجمعيات والأحزاب، وتأسيس عدد من الصحف والمجلات؛ التي تبنت الدعوة إلى استقلال العرب. واندمج رشدي في هذا المحيط، فأسهم في تحرير مقالات أصدرتها المجلات العربية هناك، والتحق بـ”جمعية العهد العربية”. واختلفت المصادر حول تحديد دوره بشكل أكيد، فمنها ما أكد على توليه أمانة سر هذه الجمعية، ومنها ما أشار إلى أنه كان عضوًا فيها.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى اتجه إلى فلسطين، ثم إلى دمشق، فتابع نشاطه من هناك، فأصدر جريدة “الاستقلال العربي”، كما شارك في إرسال رسالة بعثها وجهاء فلسطين إلى وزارة الخارجية البريطانية؛ للاحتجاج على مساعدة الإنجليز لليهود. واستمر نشاطه ضد الاحتلال الأجنبي من خلال جريدته، وانضم كذلك إلى الحركة السرية لمقاومة الاحتلال الفرنسي؛ مما هدد حياته فاتجه إلى نابلس؛ حيث أسس “النادي العربي” ورأسه مدة ثلاث سنوات، وخلال هذه المرحلة، ألف كتاب “سيرة الأمير محمد عبدالكريم الخطابي”، الذي عكس شخصيته ومبادئه في رفض الاحتلال ومقاومته؛  مما جعل  سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين تغلق هذا النادي، فاتجه إلى الحجاز عام 1345هــ/1926م. وقد كان توجهه أمرًا طبيعيًا في ظل ظروف تلك الفترة، فقد كانت بلاد الشام في تلك الفترة تعيش ظروفًا صعبة تحت الاحتلال الأجنبي الفرنسي والبريطاني؛ مما دفع رشدي ملحس وغيره من المثقفين إلى البحث عن موطن آمن يستقبلهم، ولم يكن هناك غير شبه الجزيرة العربية، التي برزت فيها جهود الملك عبدالعزيز في تكوين دولة قوية ومستقلة، فكان الملاذ الآمن لكل من التحق به . ومن المعروف أن الملك عبدالعزيز في بداية نشأة المملكة؛ ومن أجل الاستفادة من خبرات وتجارب الآخرين في إدارة الدولة، استعان بعدد من المثقفين العرب لتسيير الشؤون الإدارية والدبلوماسية في الدولة.

كان أول عمل مارسه رشدي ملحس بعد وصوله إلى المملكة، هو مساعدته ليوسف ياسين في الإشراف على جريدة “أم القرى” وتحريرها، وحسب تعبير أحد الباحثين: “ظل رشدي يعمل في جريدة أم القرى فترة، تبيّنت خلالها قدراته وتجلت فيها جهوده، وهو الأمر الذي تكشفت معه مواهبه وثبتت عليه كفاءته”. ثم كُلِّف برئاسة تحرير الجريدة خلال الفترة 1347-1349هــ/1928-1930م ، تميزت الجريدة خلالها بنشر الموضوعات التاريخية القوية التي تهتم بروح العروبة والإسلام.

ونظرًا لما حققه رشدي من نجاح في إدارة أم القرى، فقد اكتسب ثقة الملك عبدالعزيز، فانتقل عمله إلى مكان أكثر أهمية وأكثر قربًا من الملك، وهو الشعبة السياسية في ديوان الملك عبدالعزيز، وتمثِّل هذه الشعبة الجهاز الإداري في الديوان، الذي يعنى بتنظيم مسائل الشؤون الخارجية التي يتولاها الملك بنفسه،  وهناك عمل رشدي معاونًا  لرئيس الشعبة السياسية فترة طويلة، أثبت خلالها قدرة وجدارة، ثم عين رئيسًا للشعبة السياسية منذ 1366هـ/1947م حتى وفاته.

وخلال عمله في الشعبة السياسية، عهد إليه بمهمة أخرى وهي الإشراف على مدرسة الأمراء بالرياض، وهذا يشير إلى الثقة في شخصه، وفي علمه، وقدراته. كما تولى الإشراف على مكتبة قصر الحكم بالرياض.

تميز رشدي ملحس بأنه موسوعي الثقافة، واسع المعرفة بمصادر تاريخ الجزيرة العربية المطبوعة والمخطوطة. وعرّفه أحد الباحثين بقوله” فهو أديب جغرافي محقق وعالم مؤرخ، وكاتب صحفي، وباحث متتبع” ووصفه أخر بأنه باحث :”عُرف بالتخصص في تاريخ هذه البلاد قديمه وحديثه، فالقديم منه كان يحلله على ضوء العلم الحديث، والحديث منه كان يرده إلى مقوماته الأولى، بعد الفحص والتحليل، كل ذلك في بيان طابعه السهولة والوضوح والانسجام”.

برزت قدراته العلمية والبحثية، واهتمامه الفائق بتاريخ الجزيرة العربية وتراثها، وحوت كتبه الخطية معلومات تؤكد سبقه إلى دراسات في التاريخ والجغرافيا جديدة، لم تكن بلادنا تعرفها قبله،  ويعد عمله في تحقيق تاريخ مكة  للأزرقي ركيزة أولى من ركائز التحقيق العلمي الحديث في المملكة العربية السعودية، وهو من أوائل من اهتموا بالمخطوطات القديمة التي تعنى بتاريخ المملكة، ووضع منهجًا لفهرسة المخطوطات العربية، وله السبق في توجيه الأنظار إلى كثير من الموضوعات العلمية، والتاريخية، والجغرافية التي لم تكن تعرفها البلاد السعودية، وأول من عني بوضع معجم شامل لأماكن المملكة، ابتدأ ذلك من خلال كتابه “معجم البلدان العربية: قسم الحجاز ونجد وملحقاتها”، كما وضع كتابًا عن مسافات الطرق في المملكة هو الأول من نوعه، وهو صاحب فكرة تقويم أم القرى، التقويم الرسمي للدولة، بل ووضع حكمه وطرائفه طوال ربع قرن وربما أكثر. وهو أول من نبه إلى وجود جزء ثالث مفقود لكتاب عنوان المجد في تاريخ نجد، لابن بشر، ويعتبر أول من نبه إلى أهمية تكوين إدارة أو هيئة تسعى إلى إبراز تاريخ شبه الجزيرة العربية.

ونختم بما ذكره أحد الباحثين عن رشدي ملحس ودوره، فقال:

“أدى رشدي ملحس دورًا مهمًا في فترة الملك عبدالعزيز، وكذا في فترة الملك سعود، وبرهن على بعد نظر الملك عبدالعزيز عندما قرَّبه منه، واستعان به ضمن من استعان بهم من المستشارين العرب، وشهد له كل من عرفه بالإخلاص، والتفاني، والبعد عن الأضواء، مسخرًا كل قدراته لخدمة ما كان يكلف به من أعمال إدارية، وسياسية، وتعليمية”.

المصدر:

  • جنيد، يحيى بن محمود، رشدي صالح ملحس، مجلة الدارة، ع 3-4، س 24، 1419هــ، ص ص 281-303.
  • الرويس، قاسم بن خلف، رشدي ملحس من نابلس إلى الرياض، بيروت، دار جداول، 2011م.