الفكرة الخاطئة

الحقيقة
تبعية جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى  غير واضحة، والحق العربي أو الحق الإيراني محل جدل وخلاف بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية.

طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى جزر عربية تابعة للإمارات العربية، احتلتها إيران عسكريًا في نهاية عام 1391هــ/1971م.

في البداية لا بد من التعرف أكثر على موقع هذه الجزر الثلاث وأهميتها، وبالنظر إلى الخريطة، يتضح أن هذه الجزر تقع عند مدخل الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز، وتتبع جزيرة أبو موسى لإمارة الشارقة، وتتميز بطبيعة سواحلها الملائمة لرسو السفن، وصيد الأسماك واللؤلؤ. أما جزيرتا طنب الكبرى، وطنب الصغرى،  فتتبعان لإمارة رأس الخيمة. وسكان هذه الجزر عربٌ ينتمون إلى القبائل التي تسكن ساحل الإمارات العربية.

تميزت هذه الجزر بأهمية استراتيجية كبيرة؛ نتيجة قربها من مضيق هرمز، وموقعها على الممر الملاحي الذي تعبر منه السفن عند مدخل الخليج العربي، ويمثل هذا الطريق الشريان الذي تمر فيه ناقلات النفط، والسفن المحملة بمختلف البضائع التجارية؛ فالسيطرة عليها تعني السيطرة على حركة السفن الداخلة إلى الخليج العربي، والخارجة منه. كما أن هذه الجزر تصلح أن تكون نقاط مراقبة لمتابعة ما يجري على سواحل المناطق المجاورة.

 ومما يميز هذه الجزر أيضًا، أن طبيعة سواحلها وموقعها يجعلانها ملائمة لأن تكون ملاجئ للسفن عند الضرورة، وفي الأجواء العاصفة، ومما يؤكد ذلك؛ أن الحكومة البريطانية سبق لها وأن أقامت فنارًا على جزيرة طنب الكبرى، بعد مراسلات أجرتها لهذا الغرض مع شيخ الشارقة  عام 1330هــ/1912م.

وإلى جانب أهميتها الاستراتيجية، فإن لهذه الجزر أهمية اقتصادية؛ تتمثل في احتوائها على بعض الثروات المعدنية، مثل النفط، والأوكسيد الأحمر؛ الذي يُعد مادة ضرورية لطلاء السفن.

وعلقت وكالة الأنباء الفرنسية على أهميتها الاستراتيجية بقولها: “إن موقع هذه الجزر يفوق في أهميته موقع جزيرة هرمز، التي تطل على ساحل المضيق المسمى مضيق هرمز, والجزر الثلاث لا تقل في أهميتها الاستراتيجية عن طنجة، وجبل طارق في مدخل البحر المتوسط، أو عن عدن في مدخل البحر الأحمر…”.

وأشار أحد الباحثين إلى أهميتها الاستراتيجية بقوله: “… إن إيران تقترب من كونها المسيطر على كل شحنات النقل في الخليج العربي، ومن مواقع مدافعها الساحلية الجديدة المتمركزة في جزر أبو موسى، وطنب الكبرى، يقوم الإيرانيون بمراقبة لاسلكية على بواخر الشحن المارة بالمنطقة…”.

وتؤكد المعلومات التاريخية تبعية هذه الجزر للقواسم، الذين برز دورهم في المنطقة مع تراجع سيطرة يعاربة عمان على السواحل المطلة على مدخل مضيق هرمز، وأصبح القواسم القوة البحرية العربية الجديدة التي ملأت الفراغ السياسي، الذي نجم عن انحسار النفوذ العماني، وأثبت أسطول القواسم أنه القوة البحرية الرئيسية في مياه الخليج العربي منذ القرن الثاني عشر الهجري/ منتصف القرن الثامن عشر.

تركزت قوة القواسم في الساحل الجنوبي للخليج العربي، وكانت أبرز مدنهم رأس الخيمة، والشارقة. ثم هاجر فريق منهم بدعوة من حاكم هرمز إلى الساحل الشمالي من الخليج، واستقروا في منطقة لنجة. وبدأ الفرع الجديد من القواسم في ممارسة استقلاليته في تلك المنطقة، ومد نفوذه الى الجزر والساحل المحاذي للخليج.

وتذكر المعلومات التاريخية وجود اتفاق يعود إلى ما قبل عام 1251هــ/1835م، قُسِّمت بمقتضاه تبعية جزر الخليج بين فرعي القواسم؛ بحيث أصبحت جزيرتا سري، وهنجام، تتبع لقواسم لنجة، بينما تتبع جزر أبو موسى، وطنب الكبرى، والصغرى، وصير بو نعير، لقواسم رأس الخيمة والشارقة.

استمرت سيادة قواسم الساحل الفعلية، والقانونية، على الجزر المذكورة سابقًا بشكل لا ينازعها فيه أحد. بل إنه في عام 1281هــ/1864م، أرسل حاكم قواسم الساحل رسالة رسمية إلى المقيم البريطاني، يعلمه فيها بتبعية جزر أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى، وصير بونعير له منذ أجداده الأوائل، فكان هذا الخطاب أول توثيق كتابي لملكية هذه الجزر للإمارات وتبعيتها القانونية لها. بل إن السيادة لم تقتصر على مجرد إشعارات خطابية، بل تعدت ذلك إلى صور احتجاجية من قواسم الساحل، لأي تدخل في الجزر وانتهاك للاتفاق من قبل قواسم لنجة، أو الإمارات المجاورة. وأصبحت أبو موسى منذ نهاية القرن الثالث عشر الهجري/سبعينات القرن التاسع عشر الميلادي مقرًا زراعيًا واستراحة لحكام القواسم في الشارقة. وأقر حكام لنجة مثل هذه التبعية خطابيًا.

ومع اتساع  أطماع الإمبراطورية الفارسية في بداية القرن الرابع عشر الهجري/ أواخر القرن التاسع عشر، قامت الجيوش الفارسية بغزو لنجة عام 1304هــ/1887م، وطردت حكامها من القواسم بعد حكمهم لها لما يزيد على القرن وربع القرن من الزمان، ومن ثم واصلت مسيرتها، فاحتلت جزيرة “سري” لتبعيتها لقواسم لنجة. ومن الجدير بالملاحظة أن قائد الحملة الفارسية لاحتلال الجزيرة ذكر في عداد تقرير له: أن القواسم يستوطنون أبو موسى التي أكد تقريره أنها قاعدة لهم.

طوال فترة الوجود البريطاني في الخليج العربي، كان المقيم البريطاني يتبادل الرسائل مع حكام الشارقة، ورأس الخيمة؛ التي توضح تأكيد القواسم على ملكيتهم للجزر، واعتراف بريطانيا بذلك،  ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أرسل حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن صقر القاسمي (1249هــ – 1283هــ/ 1833م – 1866م ) في ديسمبر عام 1281هــ/1864م رسالة الى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي أشار فيها بوضوح الى تبعية جزر أبو موسى، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى له منذ أيام أجداده، أما ابنه الشيخ سالم بن سلطان (1285هــ – 1300هــ/ 1868م – 1883م) ، فقد كتب إلى الوكيل السياسي البريطاني في الشارقة رسالة في رمضان عام 1288هــ/ ديسمبر 1871م، أبلغه فيها بأنه سوف  يمارس سيادته على جزيرة أبو موسى، ويمنع أي شخص من استخدامها. كما أن هناك وثائق ومراسلات أخرى بشأن جزر طنب الكبرى، وطنب الصغرى، تؤكد بأن حاكم ميناء لنجة، الشيخ خليفة بن سعيد، قد اعترف بسيادة حاكم رأس الخيمة الشيخ حميد بن عبدالله القاسمي (1286هــ – 1318ه /1869م – 1900م ) عليها.

كانت الأطماع الإيرانية تدور حول هذه الجزر منذ استيلاء الإيرانيين على لنجة، فطالبت الحكومة الايرانية بجزر طنب في عام 1304هــ/1887م، وعندما أرادت حكومة الهند البريطانية أن تتحرى الأمر، أبرقت إلى المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي، والوزير البريطاني المفوض في طهران، تسألهما عن مدى شرعية الادعاءات الإيرانية في تلك الجزر. وجاء رد كليهما: بأن هذه الجزر تعود إلى شيوخ العرب القواسم, الذين يسكنون الساحل الغربي من الخليج العربي، ويشاركهم في السيادة عليها أقرباؤهم الذين يسكنون الساحل الشرقي منه. وفي وقت لاحق من العام نفسه، أرسل المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي تقريرًا آخر إلى حكومة الهند البريطانية، ذكر فيه أن هذه الجزر عربية، تتبع عرب القواسم. وعزز تقريره بخطاب من الشيخ علي بن خليفة حاكم لنجة الى حاكم رأس الخيمة، يعود تاريخه إلى عام 1294هــ/1877م، ويؤكد فيه صراحة بأن جزر طنب تتبع القواسم، وليس لإيران أي حق في السيادة عليها، أو التدخل فيها، إلا بموافقة حاكم رأس الخيمة.

وفي مقابل هذه الإثباتات وغيرها عن عروبة هذه الجزر، فإن الحكومة الإيرانية اعتمدت في مطالبتها بالجزر على هذه الحجج هي:

الادعاء بأن شيوخ القواسم في لنجة؛ والذين كانوا يحكمون جزر أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى، قبل انتهاء حكمهم في 1304هــ/1887م، كانوا من رعايا الحكومة الإيرانية. وفي هذا تجاهل للحكم العربي لهذه الجزر منذ القرن الثاني عشر الهجري/منتصف القرن الثامن عشر.

إن هناك خارطتين رسمتا سنتي 1305هــ/1888م، و 1315هــ/1897م على التتالي من قبل الجهات المختصة في حكومة الهند البريطانية، ثبتت فيها ألوان هذه الجزر باللون الذي رسمت به إيران نفسه. علمًا بأن الحكومة البريطانية نفسها عدت أن ما ورد في تلك الخارطتين أمر غير مقصود, وبأنه لا يمكن اعتبار ذلك تصريحًا رسميًا من الحكومة البريطانية بشأن تبعية الجزر.

استمرت إيران في مطالبتها بالجزر الثلاث منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد صاحبت هذه المطالبة تجاوزات ايرانية كثيرة على هذه الجزر، وحقوق حكام الشارقة، ورأس الخيمة فيها.

كثفت الحكومة الإيرانية جهودها لتحقيق أطماعها التوسعية في الخليج العربي عمومًا, والجزر العربية الثلاث بصورة خاصة, بعد قرار الانسحاب البريطاني من الخليج العربي. ففي 16 شوال 1387هــ/16 يناير 1968م أصدرت الحكومة البريطانية إعلانًا بخصوص عزمها على سحب قواتها العسكرية من شرق السويس, أي المنطقة الواقعة بين عدن غربًا وسنغافورة شرقًا, في موعد لا يتجاوز نهاية عام 1390هــ/1971م. وكان هذا يعني انسحاب القوات البريطانية من منطقة الخليج العربي، وإنهاء التزاماتها السياسية كذلك, بما في ذلك شؤون الدفاع والعلاقات الخارجية, الواردة في معاهداتها مع إمارات المنطقة، والتي وقعت منذ القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي, أو بتعبير آخر إنهاء العلاقات التعاهدية بين بريطانيا وبين هذه الامارات.

حاولت إيران أن تقنع حالكم رأس الخيمة بالتوقيع على مذكرة ترتيبات، تتعلق بالسيادة على هذه الجزر،  وكانت بريطانيا وسيطًا فيها،  ولم يوافق حاكم رأس الخيمة على ذلك،  فما كان من الشاه إلا أن أمر بإنزال قوات عسكرية فيها. وبالفعل، قامت القوات العسكرية الإيرانية باحتلال الجزر الثلاث عسكريًا في 12 شوال 1391هــ/ 30 نوفمبر 1971م, أي قبل يوم واحد فقط من الانسحاب البريطاني من المنطقة. وقد تجاهلت إيران بهذا العمل جميع الأعراف، والقوانين الدولية، التي تؤكد عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة المسلحة.

جاء الاحتلال الإيراني للجزر الثلاث، في الوقت الذي كانت فيه إمارات ساحل الخليج تجري ترتيباتها لإعلان الاتحاد المرتقب بين إمارات: أبو ظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة، وهو الاتحاد الذي أُعلن قيامه رسميًا في الرابع عشر من شوال 1391هــ/ الثاني من ديسمبر 1971م، ثم انضمت إليه رأس الخيمة في شهر ذو الحجة 1391هــ/ فبراير 1972م؛ مما حوّل قضية الجزر إلى قضية وطنية أولاها الاتحاد أهمية كبرى، وبادر بعرض القضية على مجلس الأمن في شوال 1391هــ/ ديسمبر 1971م، احتجاجًا على الاحتلال الإيراني للجزر. ونتج عن هذا الاحتلال أن تأثرت العلاقات الخليجية الإيرانية، وازدادت شكوك الدول الخليجية العربية في أطماع إيران التوسعية في المنطقة. وبعث سقوط نظام الشاه الإيراني في عام 1400هــ/1979م، الأمل للوهلة الأولى في أن يكون ذلك بداية لصفحة جديدة في العلاقات بين دول الخليج العربية وإيران، وأن يبادر النظام الجديد في إعادة الجزر إلى الإمارات العربية، وهو ما لم يتم حتى الآن، فقد رفض النظام الجديد إعادة الجزر، وهو الذي أصبح أحد الأسباب لتوتر العلاقات بين الطرفين في الخليج العربي.

ونختم بتعليق لأحد الباحثين حول هذه القضية، فيقول: “إن قضية جزر “أبو موسى” و”طنب الكبرى” و”طنب الصغرى”، لهي تجسيد واقعي لاستمرار الخلافات التاريخية، وعدم اندثارها مع مرور الزمن، فالزمن كفيل بحل مشاكل عويصة، إلا تلك التي ينبني أساسها على موضوع السيادة والملكية. فالذاكرة لا يمكنها نسيان حقوق قانونية، تم الاعتداء عليها، فما بالك بحقوق تمت مصادرتها، والإجبار على التخلي عن جزء منها؟”.

الجزر الثلاث2

المصادر:

  • الركن، محمد عبدالله، البعد التاريخي والقانوني للخلاف بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران حول الجزر الثلاث، مجلة التعاون، ع 28، س 7، جمادى الآخرة 1413هــ/1992م، ص ص 13-28.
  • السعدون، خالد، مختصر التاريخ السياسي للخليج العربي منذ أقدم حضاراته حتى سنة 1971م، الكويت، جداول، 2012م.