لم يكن الحجاز هدفًا للدولة السعودية الأولى، التي انشغلت منذ تأسيسها بتثبيت مركزها في نجد؛ وهو الأمر الذي استغرق منها حوالي الأربعين سنة، وتبع ذلك اتجاهها إلى ضم المنطقة الشرقية؛ مما أدى إلى اتساع حدودها، وازدياد قوتها؛ وهو الأمر الذي لم يستقبله حكام مكة المكرمة من الأشراف بالترحيب.

دخلت العلاقات بين أشراف مكة المكرمة، والدولة السعودية الأولى، مرحلة جديدة في عام 1205هـ/1790م، بعد الحملة التي أرسلها الشريف غالب بن مساعد (1201-1227هـ/1787-1811م) ضد الدولة السعودية الأولى، ووصلت الحملة إلى منطقة السر، وعلى الرغم من  فشل هذه الحملة، إلا أنها أثرت بشكل كبير في تطور العلاقات بين الطرفين.

استهدف الشريف غالب القبائل التي أعلنت انضمامها إلى الدرعية، فأرسل عام 1210هـ/1795م حملة ضد بادية قحطان؛ التي كانت تقيم عند ماء “ماسل” في عالية نجد، ودار قتال شديد بين الطرفين، انتهى بانتصار الشريف غالب؛ مما شجعه على تجهيز حملة أخرى لم يكتب لها النجاح؛ حيث وصلت أنباء هذه الاستعدادات إلى الإمام عبدالعزيز بن محمد (1179-1218هـ/1765-1803م) ،  فأمر القبائل التابعة له بالانضمام إلى هادي بن قرملة زعيم قحطان عند ماء يسمى “الجُمانية”؛ حيث تقابل جيش الدرعية، وجيش الأشراف في معركة كبيرة، انتهت بانتصار جيش الدولة السعودية الأولى.

صعّد الشريف الوضع باستمراره في سياسة الهجوم على القبائل، والمناطق التي تنضم للدرعية، فهاجم بيشة، ورنية، فأمر الإمام عبدالعزيز بالتصدي لهذه الهجمات، فتصدى لها جيش كبير مكون من القبائل التابعة للدولة السعودية الأولى في المنطقة، فانتصروا على جيش الشريف في الخرمة عام 1212هـ/1797م، وقد وكان لهذا الانتصار نتائج سياسية مهمة، فالقبائل التي كانت على الحدود بين الطرفين أخذت في الانضمام إلى جانب الدولة السعودية الأولى، ومن أبرزها: قبائل عتيبة، والبقوم، ، مما شكل خسارة كبيرة لنفوذ الأشراف، ولما لم يبق للشريف غالب طاقة لمواصلة القتال، ولم يجد من العثمانيين أي مساعدة تُعزز موقفه، طلب الصلح، فعقد صلح بين الطرفين عام 1213ه/1798م، كان من أهم بنوده إيقاف الحرب، وتحديد القبائل التابعة لكل طرف، والسماح لأهل نجد بالحج.

وخلال السنوات التي تلت عقد الصلح، ازداد موقف الدولة السعودية الأولى قوة مع انضمام المزيد من القبائل، والمناطق إليها، وأصبحت سندًا قويا لها؛ فأصبح الشريف غالب محاطًا بأتباعها من كل الجهات، ولذلك سعى لتجديد الصلح، فأرسل وفدًا إلى نجد، برئاسة عثمان المضايفي؛ ولكن لم يحقق الشريف غالب هدفه من وراء هذه البعثة؛ حيث انشق المضايفي عنه، وذكر ابن بشر ذلك في أحداث عام 1217هـ/1801م: “…وفارق الشريف وزيره عثمان بن عبدالرحمن المضايفي، وخرج من مكة، وترك الشريف ونابذه، ووفد على عبدالعزيز، وبايعه على دين الله ورسوله، والسمع والطاعة، ونزل بلدة العبيلا، القرية المعروفة بين تربة، والطائف”،  فأصحبت العبيلاء مركزًا متقدمًا لنفوذ الدولة السعودية الأولى في الحجاز؛ حيث انضم أتباعها هناك إلى المضايفي،  ومن هناك زحفوا إلى الطائف، ثم دخلوا مكة المكرمة، بقيادة الأمير سعود بن عبدالعزيز، بعد انتهاء موسم الحج، ورحيل الحجاج، في محرم 1218ه/1803م، وحاصر جيش الدولة السعودية الأولى الشريف غالب في  جدة، ثم انسحبوا، وعاد الأمير سعود إلى نجد؛ ولم يلبث أن عاد الشريف غالب إلى مكة المكرمة. ولكن لم تكن عودته سوى مرحلة مؤقتة؛ فما إن علم الإمام سعود بن عبدالعزيز(1218-1229هـ/1803-1813م) بذلك، حتى استعد للمسير إلى مكة المكرمة، وأمر ببناء حصن قوي في وادي فاطمة، وحاصرت قواته مكة المكرمة مجددًا عام 1220هـ/1805م، فأعلن الشريف غالب استسلامه على أن يبقى أميرًا لمكة المكرمة تحت سيادة الدولة السعودية الأولى، وفي العام نفسه تقدمت قوات الدرعية فدخلت المدينة المنورة.

كان ضم الحجاز إلى الدولة السعودية الأولى ذو نتائج مهمة، حيث ازدادت أهمية الدولة السعودية الأولى، واتسعت رقعتها، فأصبحت تسيطر على معظم أجزاء الجزيرة العربية، وفقدت الدولة العثمانية بخسارتها الحرمين الشريفين مكانتها، وزعامتها الروحية في العالم الإسلامي؛ مما جعلها تتخذ موقفًا متشددًا من الدولة السعودية الأولى، وتقرر مواجهتها عسكريًا.

المصادر:

  • ابن بشر، عثمان: عنوان المجد في تاريخ نجد، ج1، تحقيق: محمد بن ناصر الشثري، الرياض، دار الحبيب، 1420هـ/1999م.
  • العثيمين، عبدالله الصالح، تاريخ المملكة العربية السعودية، ج1، ط15، الرياض، المؤلف، 1430هـ/2009م.
  • أبو علية، عبد الفتاح، محاضرات في تاريخ الدولة السعودية الأولى، ط2، الرياض، دار المريخ، 1411هـ/1991م.