قامت دارة الملك عبدالعزيز ضمن مشروعها العلمي لتوثيق الروايات الشفوية، وضمن نشاط مركز التاريخ الشفوي، بمقابلة صاحب السمو الأمير فهد الفيصل الفرحان آل سعود، وتسجيل شهادته للتاريخ في 13 ذي القعدة 1417ه/ 21 مارس 1997. والأمير فهد من الذين شاركوا في الكثير من أحداث المملكة العربية السعودية؛ إذ شارك في عدد من معارك التوحيد، كما تسنّم مناصب قيادية في الدولة،  نقدم الحوار كما نشرته مجلة الدارة، العدد الثاني، السنة السابعة والعشرون، 1422ه، ص 179-193 .

تحدث الأمير فهد عن نشأته قائلًا:

 بدأت حياتي بداية صعبة؛ ففي ذلك الوقت كان الملك عبدالعزيز منشغلًا بالغزوات، وأنا وُلدت يتيمًا، فقد قُتل والدي في إحدى المعارك، وولادتي كانت في الرياض سنة 1330هــ/ 1912م، وبقيت في حضانة أمي – رحمها الله – حتى ترعرعت، وكان الملك –رحمه الله- يوصي بنا؛ لأننا أيتام، ويجمعنا كل يوم خميس مع أبنائه مثل خالد، ومحمد رحمهم الله. وكان يوصي بنا أحد رجاله الذين كانوا معه في الكويت، واسمه مطلق بن عجيبان. وكان مطلق هذا في غزواته هو المسؤول عن التموين، وهو من الرجال الشجعان الذين هجموا على المصمك مع عبدالله بن جلوي، والآخرين الذين دخلوا معه من الباب الصغير، فقد دخل هو وفتح الباب الكبير؛ ليتمكن الباقون من الدخول.

فبقينا في حالتنا مثل غيرنا في ذلك الوقت، حتى بدأنا نعرف شيئا من الحياة، وكان الملك –رحمه الله- حريصًا عليّ، وأول معركة أشتركت فيها مع الملك عبدالعزيز –رحمة الله- هي معركة السبلة سنة 1347هــ/ 1928م.

وعن مشاركته في حرب اليمن قال:

ربما سمعتم عن خروج المتوكل الإمام يحيى، واسيلائه على بلد يقال لها: “حبونا”، وعلى جبال كانت هي من حدود المملكة، عندها أمر الملك الإخوان وأهل نجد بالمسير، سرنا على الإبل من الرياض، ووصلنا خميس مشيط بعد خمسة عشر يومًا، وكان قائدنا فيصل بن سعد – رحمه الله- هو الذي يحمل البيرق (الراية). مكثنا حوالي واحد وعشرين يومًا، وسكنَّا في منطقة (خميس مشيط)، بقينا فيها حوالي ستة أشهر؛ إذ كانت هناك مفاوضات بين الملك عبدالعزيز ورئيس اليمن، وكان رئيس الوفد المفاوض الملك خالد رحمه الله، ومن المفاوضين فؤاد حمزة من الجانب السعودي، وآخر يُدعى عبدالله بن الوزير من الجانب اليمني، خاله الإمام يحيى، وبعد سبعة أشهر أو ستة، جاءنا الأمير سعود وتسلم القيادة. ثم رحلنا من خميس مشيط ونزلنا الظفير، وفي ظهران وادعة انقسمنا قسمين: قسم مع فيصل بن سعد، وقسم مع خالد بن محمد بن عبدالرحمن؛ فقد اتجه خالد إلى القرى الواقعة على الحدود التي في منطقة يقال لها: “نقعة”، ومحلٌ يقال له: “وعار”. أما فيصل بن سعد فاتجه إلى بلدة يقال لها: “باقم وحاصرة”، وهناك انهزم جيشه، وجاء إلينا، وسكن في المخيم الذي كان يقيم فيه الأمير سعود، وقمنا بالاستعداد لقتال هاتين القريتين، ونحن مازلنا في منزلنا، ثم جاءنا الأمر بالتوجه إلى نجران. سرنا نحن والأمير سعود إلى نجران، وصلنا نجران، فوقع قتال هناك، وأسرنا حوالي ثلاثمئة جندي من جنود الإمام يحيى، وبقينا حتى تم الصلح، أما فيصل فقد سار حتى وصل الحديدة، وتسلمها، وسارت بعض السرايا التي كانت مع الأمير فيصل -رحمه الله- إلى زبيد، وتوقفت هناك، وطلب الإمام يحيى من العالم الإسلامي أن يقوموا بالواسطة لدى الملك عبدالعزيز، ثم جاؤوا إلى الملك في الطائف، وقبل وساطتهم بشروط، أما نحن فبقينا في نجران حتى تم الصلح؛ إذ قبل الإمام يحيى الصلح بينه وبين فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله. وكانت الحركة في تهامة بالسيارات. وقد استغرق مسيرنا من الرياض ثم عودتنا إليه سنة كاملة، وقد ظفرنا بحمد الله؛ ولكن مرت علينا أيام لا نجد فيها ما نأكله. لا نجد إلا زرعًا استوى في النقعة التي أخذناها، أو سنبلًا نشويه ونطحنه؛ حتى نطبخه، ولم يكن لدينا حتى الدهن لنضعه معه، ومع ذلك كنا صابرين.

وتحدث عن نيابته لإمارة القصيم قائلًا:

كنت نائبًا عن أمير القصيم، أخي عبدالله الفيصل الفرحان منذ سنة 1354هــ/ 1935م إلى سنة 1366هــ/1947م، ولم تكن هناك مطارات، بل كنا نحضر للطائرات. فنزيل الحصا عنها، ونجهز مكانها، وقد ذهب الملك عبدالعزيز إلى القصيم مرتين، مرة جاء على السيارة، ومرة على الطائرة، وقد كان أبرز علمائها آنذاك الشيخ عمر بن سليم رحمه الله.

أما عن فترة عمله في إمارة الباحة فقال:

بعد ذلك انتقلت مباشرة من القصيم إلى الباحة، أما أخي عبدالله فقد بقي في القصيم، وعندما مرض أخي عبدالله، طلب مني الملك عبد العزيز –رحمه الله- الرجوع بسرعه فعينني مكانه، وهذا من منطلق حرصه على تلك المنطقة، وبعد ستة أشهر رجع أخي عبدالله من رحلة العلاج. وقد أمضيت في الباحة سنة ونصف أو ما يقاربها، ثم رجعت إلى القصيم.

وعن أبرز الأعمال في الباحة أو الظفير، تحدث قائلًا:

كانت الظفير لما جئت إليها هي والقرى التي حولها، مثل قرى غامد وزهران أودية بين الجبال، وكانت زهران في جهة، وغامد في الجهة الاخرى، وكان لكل قرية واد يتبعها، وهو بمثابة الحمى لها لا يتعدى عليه أحد، فحدث من جراء ذلك أن يُقتل كل يوم رجل، أو يضرب حتى تتكسر عضامه، أو تقطع ألسنة البهائم وأذنابها؛ والسبب أنهم تعدوا الحمى.  فكتبت إلى الملك عبدالعزيز –رحمه الله- شارحًا له الحال، وطلبت منه أن يأذن لي بإعداد نظام يحد من هذه الظواهر المزعجة، ثم قمت بوضع نظام من ثمان مواد اشتركت مع رؤساء القبائل في وضعه، وطلبت منهم التوقيع عليها، ثم قمت بإرسال تلك المواد إلى الملك عبدالعزيز، فلمل قرأها فرح بها، وطلب إرسالها إلى الأمير فيصل في الحجاز؛ إذ كان نائبًا عنه هناك، وطلب من الأمير فيصل إحالتها على مجلس الشورى، وهذا يدل على عناية الملك عبدالعزيز بالشورى وبالمجلس أيضًا، فهو الذي أعاد الشورى في هذا البلد من تلقاء نفسه. وقد كان الوضع في الباحة صعبًا؛ إذ إنه لا أحد يستطيع الوصول إليها بسهولة، فلا توجد فيها طرق، ولا تستطيع الوصول إليها إلا عن طريق البغال، التي تقوم بسحب الأشخاص بصعوبة بالغة. أما المساكن فكانت بيوتًا صغيرة، وكانت أحوال أهلها صعبة جدًا؛ إذ كانوا على فطرتهم وعلى فقرهم، وقد كانت بلادهم في ذلك موبوءة، وكان البعوذ منتشرًا بصورة ظاهرة، ولم يكن مثل بعوض اليوم، بل هو أسود اللون يمشي على الأرض، ويسمى القذ، وكنت لا أنام إلا على سرير معلق بحبال في السقف، ولا مبيدات حشرية لدينا نكافح بها هذه الحشرات.

كما أذكر أنه كان معنا (أخويا) فقط، وكان قاضينا هو محمد بن هليل رحمه الله، وكان المسؤول عن المالية والد الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر.

وتطرق الحوار إلى توليه أمانة مدينة الرياض، فتحدث قائلًا:

أنا الذي أسست الأمانة في سنة 1373هــ/ 1954م بعد وفاة الملك عبدالعزيز –رحمه الله- بشهرين، وقد تسلمتها وهي عبارة عن مكتب تنظيفات فقط، ليس فيه أي إمكانات، فبدأت العمل فيها حسب الصلاحيات التي أعطاني إياها الملك سعود؛ لأني لم أكن في يوم من الأيام أتوقع أن يكلفني بالبلدية التي لا أعرف عنها أي شيء، ولم يسبق لي دخولها، ولم يكن لي أي اهتمام بها؛ لكنه رأى أن أتسلمها لأطور المدينة. فلما دعاني أبلغني بالطلب، وقال:”اطلب”. فقلت:”لم أرها حتى أطلب أطال الله عمرك، فأنا لا أعرف شيئا عن مكتبها ولا إمكاناتها، لكني أطلب منك الآن إذا كنت مصرًا فأنا جندي مسير لا مخبر بالنسبة لأوامركم، فإذا كنت مكلفا ببلدية الرياض فأنت تعرف طبيعة الرياض”. فقال لي:”ماذا تريد؟” فقلت:” أريد أن تعطيني صلاحيات مطلقة، هذا ما أريده، أما الأشياء الأخرى فأخبرك بها فيما بعد”.

ومن هنا بدأت العمل بها، وقمنا بشق الشوارع، ولم يكن لدينا اعتماد لها، وكان المهندسون يمسحون الطرق والشوارع، وتتبعهم الهيئة فيدخلون البيوت التي سيمر منها الشارع، ويقدرون ثمنها، ويقولون لصاحب المنزل:” ليس لدينا الآن مال نعوضك به، لكن عليك أن تنفذ الأمر بالخروج من منزلك، ولك مهلة ثلالث أيام”. لقد ساعدني أهل الرياض في هذا العمل؛ إذ كانوا لا يسألوني عن الثمن، ولا يترددون في تنفيذ الأوامر الموجهة إليهم مني، لقد ساعدوني مساعدة لا أنساها أبدًا، وقد كانوا يأخذون ما نعطيهم من نقود كل سنة دون أن يبحثوا عنها، لكنهم –والحمد لله- أخذوا ما يرضيهم لقاء حقوقهم.

وقد قمنا بشق الشوارع، ثم شرعنا في التفكير في تجميل المدينة، وذلك حين رأيت شوارعها خالية حتى من الماء، وكان السقاء يقرع بابك ويصيح قائلا:” سقاء “. ومعه إناء معدني (تنكة) أو إناءان، أو يحمل قربة على ظهره، وليس لدينا ماء أبدًا إلا بهذه الطريقة، والشوارع لم يسفلت منها ولا شبر واحد، ولم يكن بها مرافق أخرى مثل الحدائق.

وكان الماء يجلب إلى الرياض من الحاير، كانت تجلبه شركة عن طريق وزارة المالية. وقد كان الأمر مشكوكًا في نجاحه، فقد قال خبير مصري:” إن الحاير منخفض فكيف يصل الماء إلى الرياض؟! والأمير عبدالله بن عبدالرحمن لن يوافق عليه”. وما لبثنا إلا أن اتصل بي الملك سعود، وطلب مني البدء بالمشروع، وبعد أربعة أشهر أو ثلاثة أحضرنا (ماكينة) ماء، واستخرجنا الماء ووضعناه في الخزانات.

وتناول الحوار موضوع مرافقته للملك عبدالعزيز في الحج، فقال:

الملك عبدالعزيز –رحمه الله- تاريخه عظيم، وطويل، وغزير، فهو بحر لا ساحل له. كنت معه –رحمه الله- في ثاني حجة حجها، وكنا على الركائب ومعنا البيرق (الراية)، كان ذلك –والله أعلم- في عام 1345هــ/1926م، وكان ذلك  أول حج لنا. نزلنا في منى، ثم ركبنا الركائب إلى عرفات، وعند الظهر نبهونا، وقالو:” اركبوا وشاهدوا”؛ ولم يكن حينئذ ماء، ولا ظل، ولا مكيف، كٌل على مطيته، ومن أراد الظل استظل براحلته، يقرأ القرآن أو يدعو، والملك عبدالعزيز جالس، يقرأ منسكه، ويراقب الناس، ولا يسمح للناس بالانصراف إلا بعد مغيب الشمس. ثم انصرفنا نحن والملك عبدالعزيز، وبتنا في مزدلفه، وعندما أذن الفجر صلينا معًا، ثم ركبنا الركائب، ووقفنا عند المشعر الحرام نذكر الله بأصوات مرتفعة، حتى طلعت الشمس ونحن أمام المشعر الحرام، ثم انصرفنا إلى منى.

وقد كان للملك عبدالعزيز خطاب يلقيه على الحجاج، يأمرهم فيه بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحث المسلمين على جمع كلمتهم، وكان هو أول من طلب تأسيس منظمة للمؤتمر الإسلامي.

أما طريقه إلى مكة، فقد كان يبيت في مراة إذا كان قادمًا من الرياض؛ حتى لا يضطر إلى اجتياز النفود ليلًا، وينام في الظهر، وإذا كان ذاهبًا إلى الحج ينزل في الدوادمي ليلة، ثم ينزل في الدفينة، ومن الدفينة ينزل في عشيرة، ومنها يدخل الرياض بعد أربعة أيام أو خمسة.

وبمناسبة الحديث عن الدوادمي، فإن لقصْرها قصة؛ إذ لم يسبق التفكير في بنائه. وقد عدنا قبل وصول الملك عبدالعزيز إلى الرياض، وكان معنا قافلة كبيرة من السيارات، ونمنا في الدوادمي، بعض السائقين ذهب إلى الدوادمي، وحدث نزاع كبير فيما بينهم أغضب الملك عبدالعزيز، فبنى هذا القصر البعيد، ووضع فيه الإمارة، وعين سعيد الفيصل من خدم آل سعود الذي كان عند ابن جلوي –رحمه الله- أميرا على الدوادمي، وعتيبة، والقرى التي حولها، ووضع (البنزين) عندهم.

أما الحوية، فلم يكن هناك أحد فيها، لم يكن فيها إلا بئر واحدة اشتراها الملك فيصل رحمه الله، وبنى عندها بيتًا صغيرًا، ثم بنى بيتًا آخر، ثم وُضعت الخيام للملك فيها، ثم بُني فيها قصر كبير.

وتحدث عن برنامج الملك عبدالعزيز اليومي قائلًا:

برنامجه اليومي كالتالي: كان إذا صلى العشا جلس في مجلسه الذي حدثتكم عنه، وبعد الإنتهاء من القراءة يتكلم مع المشايخ، وكان يفتح لهم باب المناقشة رحمه الله، ويسعد كثيرًا بالكلام معهم، وقد كان فقيهًا مُلِمَّا بالمسائل الفقهية. فإذا انتهى المجلس انصرف إلى بيته، ونام أول الليل، وإذا كانت هناك اتصالات أو أمر مهم يُنهيها ثم ينام، لكن نومه لم يكن مثل نوم غيره. ويستيقظ قبل الفجر بساعة ونصف، يصلي فيها ويقرأ القرآن وهو ينظر في ساعته بين الفينة والأخرى، فإذا حضر وقت الصلاة نادى رجلًا يُقال له: سعد بن مشعان ليؤذن، ثم يصلي –رحمه الله- مع الجماعة، ويبقى في مكانه الذي صلى فيه يقرأ ورده حتى يقال له:”الشمس طلعت طال عمرك”، فيصلي ركعتين ثم يدخل بيته، ويتناول حليبًا وشيئًا معه، ثم ينام نصف ساعة أو ساعة، ثم يستيقظ من نفسه. وعندما يستيقظ يجد أمامه ابن عثمان رئيس الديوان، وابن دغيثر المسؤول عن البرقيات، فيبدأ العمل وهو لم يدخل القصر بعد. هذه كانت حياة الملك عبدالعزيز. وكان يقرر موعدًا للأجانب الذين يريدون السلام عليه، إما بعد صلاة العصر في المربع أو في الديرة، إذا ذهب إلى مكتب الشعبة السياسية الذي كان فيه خالد القرقني رحمه الله، وقد كان من الرجال الطيبين، وفيه أيضًا السنوسي، ويوسف ياسين، وآخرون يبلغونه بالبرقيات، وما يكتب في الصحف، ويسمى ذلك بالشؤون الخارجية.

جلسة الملك عبدالعزيز في العصر:

كان الملك يجلس في العصر بباطن الشعيب، وكان الباطن فيه بطحا طبيعية، ولم يكن الأسمنت قد وصل إلينا ولا العمارات، بُني له فيه مكان مرتفع من الطين، ووضعوا له عليه مساند عادية، وفرشوا له فيه، فكان يجلس فيه لمقابلة الوفود، أما أبناؤه فكانوا يركبون خيولهم أمامه. إذا أذن المغرب صلى في الشعيب، ثم يصعد درجًا من طين مثله مثل باقي من في القصر، ثم نصعد معه إلى السطح، ونجلس معه إلى أن يأتي العشاء في صحن من حديد له حلقتان، وعلى العشاء قطع من اللحم والدجاج، فيأكل بيده، ويضحك مع الذين يأكلون معه، ومنهم بعض مستشاريه، فإذا قام غسل يديه في إناء (طشت)، ثم ذهب إلى أهله، وهناك يكمل وِرْده، ويعمل في ليلته ما عمل في ليلته الماضية رحمه الله.

مجلس الملك عبدالعزيز العلمي:

إذا صلى الملك عبدالعزيز العشاء، جاء إليه العلماء في مكة المكرمة في قصر السقاف، ويُقرأ عليه فيه، وفيه جلسة العشاء، ويحضره عدد كبير من العلماء، منهم الشيخ عبدالله بن حسن آل الشيخ، والشيخ عمر بن حسن آل الشيخ إذا كان موجودًا، والشيخ عمر بن سليم، وغيرهم، كانوا يجلسون عنده، ويتكلم معهم بعد القراءة. يقرأ عبدالرحمن القويز في كتابين في السيرة النبوية وفي الحديث، ثم ينادون بالقهوة، ثم يقول له:”اقرأ”، ثم يقرأ في الكتاب الثاني، هذه كانت حياة الملك عبدالعزيز.

وتناول الحوار معه جانبًا من ذكرياته عن تعامُل الملك عبدالعزيز مع البادية، والحاضرة، ومع رؤساء الدول، فقال:

الملك عبدالعزيز له مواقف كثيرة. هو رجل عظيم، وحركته عظيمة. وفَّقه الله، وأعطاه زيادة على غيره في العلم، وفي الجسم، وفي الحكمة، والهيبة. الملك عبدالعزيز آية من الآيات في عبقريته وحكمته، وسأذكر لكم بعض القصص المشتهرة عنه، فمثلًا كان يجلس في قصره وعنده مكتب ابن دغيثر، ومكتب البرقيات في المربع، وقبل الربع عندما كان في الديرة، مثلًا كنا نحن في بريدة أو في الباحة نحس بأنه يجلس بجوارنا، تكتب له برقيه فيجيبك وأنت في مكانك لم تتحرك منه، وكأنه ليس عنده من المشاغل إلا هذا الأمر وحده، والمملكة واسعة الأطراف من الأحساء إلى الحجاز. في بعض الليالي عندما أكون نائمًا يأتي الموزع بالبرقية، فإذا نظرت فيها إذا هي مشفرة ليست مفتوحة، والشفرة هي أرقام لها فواصل مثل الحروف، لها فواصل مثل خمسة ستة عشر …، فيها رقم يسمى فاصلة، يعني كل اسم وكل كلمة لها معنى يضعون فيها رقمًا، وقد أتقنا قراءتها وكتابتها من كثرة عملنا فيها، فلا ننتظر وصول الكاتب ليكتبها، بل نكتبها نحن؛ لأن الملك عبدالعزيز –رحمه الله- يريدها بسرعة.
وعن أسلوب عمل الملك عبدالعزيز، قال:

كان ينادي ابن سليمان ويأمره بأن يعمل كذا وكذا، أو يسأله ماذا عنده من الأعمال؟ هذا وزير المالية؛ مهمته عمل الشعب، والجمهور، والبلاد، ما الذي يحدث لهم أو منهم؟ كان يوصي الأمراء بالرفق عندما يعينهم، وكذلك كان يفعل مع المسؤولين الآخرين، لقد كان للملك عبدالعزيز هيبة عظيمة، فقد كان معجزة من معجزات القرن العشرين رحمه الله، كان يهزم ويُهزم، ويكرّ ويفرّ، ومع ذلك لا يتأثر إذا هُزم، يسترجع قوته بسرعة فائقة، كان يملك إرادة قوية، وعزيمة صارمة، أسس هذا الملك العظيم من جازان إلى حدود الكويت والعراق، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، فهل يشك أحد في ذلك؟ هذا كله دليل على عظمته. كان الرجل يأتيه فيقول له:”ياعبدالعزيز، اتق الله، خف الله”. فيقف باكيًا، ثم يقول للناس:” ماذا عملت”؟ كان يتأثر بكلمة:”خف الله، اتق الله يا عبدالعزيز”.

تناول الحوار كذلك الحديث عن رحلة الملك عبدالعزيز إلى مصر ولقاؤه روزفلت، فقال الأمير:

حسب معلوماتي أنه وافق على لقاء روزفلت في الإسماعيلية، وقد رتب للقاء، فجهز له طراد حربي جاء إلى جدة، إلا أنه لم يقبل المكان الذي خصص له ليركب فيه؛ إذ كانت غرفة صغيرة. قال:”أقيموا لي خيمة”. وبالفعل نصبت له خيمة على ظهر الطراد، ثم سار الطراد حتى أقبل على روزفلت وهو ينتظره على باخرة. قال لي خير الدين الزركلي –رحمه الله- :”إن سكرتير روزفلت يقول: إنه لما أقبل الملك عبدالعزيز بالطراد قال روزفلت: انظروا إلى هذه الخيمة”. وبعد وصول الطراد، وُضع له جسر سار عليه الملك عبدالعزيز حتى وصل إلى الباخرة. فلما وصل، وتم الاستقبال وبدأت المفاوضات، نظر الملك إلى الساعة، وأظن أن الوقت كان يشير إلى دخول وقت صلاة المغرب أو العشاء، فقال:”اسمح لنا تريد أن نصلي”. قال روزفلت:”ماذا تصلي”؟ قال ذلك لأنه لم يكن قد سمع عن الصلاة. وكان معهم رجل يقال له”عيد السعد” من أهل حائل، وكان مرافقًا للملك عبدالعزيز منذ زمن بعيد، وهو مؤذن الملك في الأسفار. جهز المكان الذي سيصلي فيه، فقال الملك:”أين القويز”؟ قالوا:”هذا هو القويز”. فقال:”أذن يا عيد”، فأذن ورفع صوته، وعندما سمعه من كان في الباخرة مع روزفلت من الضباط والخدم، وقفوا كلٌ في مكانه مستغربين من الأذان، ثم راقبوا الملك عبدالعزيز وهو يؤدي الصلاة حتى فرغ. وبعد الصلاة أكمل الاجتماع، وكان من الأشياء التي عرضها روزفلت، وحاول أقناع الملك عبدالعزيز بها، أن يوافقه على بقاء اليهود في فلسطين، وكان من جواب الملك له:”إذا كنتم تعطفون على اليهود فأعطوهم من أراضيكم الواسعة، سواء في أمريكا أو في كندا، لماذا تضعونهم مع الفلسطينين المستضعفين”؟. وقال روزفلت بعد هذه المقابلة:”أنا لم أر رجلًا أعظم من هذا الرجل.