في عام 1277هــ/ 1861م كان الضابط والمهندس المصري محمد صادق (1238-1320هــ/1822- 1902م)، مكلفًا بمهمة عسكرية، وهي إعداد مسح لطريق الحج  من السويس إلى المدينة المنورة، ورسم خارطة للحرم النبوي الشريف. واكتسبت رحلته هذه قيمة تاريخية كبيرة، فقد حمل معه في رحلته هذه أدوات المسح المعتادة وإلى جانبها آلة جديدة وهي آلة التصوير الفوتوغرافي، والتقط بها صورة  للمدينة المنورة التي لا زالت إلى اليوم أقدم صورة معروفة للمدينة المنورة.

لم تكن هذه هي الرحلة الوحيدة لمحمد صادق إلى الأماكن المقدسة، فقد تكررت رحلاته إليها، في عام 1297هـ/1880م  والتقى خلالها ببعثة عسكرية عثمانية كان من ضمن أفرادها المصور العسكري العثماني علي بك، وعام 1302هــ/1885م والتقى خلالها بالطبيب والمصور المكي السيد عبدالغفار،  و1304هــ/1887م، وكان في كل مرة يكلف بعمل يرتبط بتخصصه، ومن المهام التي كلف بها في هذه الرحلات: مسح طريق الحج، وإعداد الخرائط اللازمة له، ومرافقة المحمل المصري أمينًا للصرة، ولم تكن هذه الأعمال وحدها هي السبب في الشهرة التي حققها، ولكنه نال شهرته بصفته صاحب أول صور فوتوغرافية التقطت للأماكن المقدسة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة. ونالت صوره تلك التقدير، وحصل على ميدالية ذهبية في المؤتمر الدولي الثالث لعلماء الجغرافيا، الذي أقيم في مدينة البندقية عام 1298هــ/1881م.

أما تفاصيل رحلاته، فيجدها القارئ في مؤلفاته الآتية: “نبذة في استكشاف طريق الأرض الحجازية، من الوجه، وينبع البحر، إلى المدينة النبوية؛ وبيان خريطتها العسكرية، القاهرة، مطبعة عموم أركان الحرب، 1294هــ/1877م”، و”مشعل المحمل، القاهرة، مطبعة وادي النيل، 1298هــ/1881م”، وهي رسالة في سير الحاج المصري برًا، من يوم خروجه من مصر، إلى يوم عودته، وهي تسجيل لرحلته للحج عام 1297/1880م إلى مكة المكرمة، والمدينة المنورة، برفقة المحمل المصري. و”كوكب الحج في سفر المحمل بحرًا وسيره برًا، القاهرة، مطبعة بولاق، 1303هـ/1885م”، و”دليل الحج للوارد إلى مكة والمدينة من كل فج، القاهرة، مطبعة بولاق، 1313هــ/1896م”.

وقد حملت هذه الكتب معلومات جغرافية قيمة عن المناطق التي مر بها في الحجاز، فذكر أسماء النباتات، وأنواع الصخور، والجبال، وطبيعة الأرض بشكل عام، كما رسم الخرائط التي تبين الأماكن، ومحطات التوقف، وخط السير للقوافل. وهو ما أكد  عليه المؤلف بقوله: “…إذ أن المقصد هنا ذكر الاستكشافات العسكرية، واللوازم السفرية، وتشخيص الأماكن، والمناخات، وتعيّن الطرق، والمحطات”.

وهذه المؤلفات قام بجمعها محمد همام فكري في كتاب واحد في طبعة حديثة، تيسر للباحثين، والقراء، الاطلاع على ما تركه صادق من معلومات، ويعلق فكري على أهمية مؤلفات صادق بقوله عنه أنه :”.. يذكر الزمن بالدقائق، والمسافات بالأمتار،  ومعالم الأماكن، بلغة دقيقة لا تخلو من البلاغة المتعمدة، فقد كان ذو ميل خاص إلى الأدب العربي نثرًا، ونظمًا”. كما حدد معالم الطريق، ومسافاته المترية بدقة لم يسبقه إليها أحد؛ مستعينًا في ذلك بما حمله معه من معدات، وأجهزة علمية، وآلات القياس.

وإعادة طبع مؤلفات صادق تسهم في تسليط الضوء على كتب قيمة، لم تنل حظها من الشهرة، رغم الصيت الذائع الذي حققته الصور الفوتوغرافية التي التقطها صادق للأماكن المقدسة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة.

المصادر:

  • صادق، محمد، الرحلات الحجازية، تحرير: محمد همام فكري، بيروت، بدر للنشر، 1999م.
  • مرزا، معراج بن نواب، وشاووش، عبدالله بن صالح، الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، ط2، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، 1427هــ.