الفكرة الخاطئة الحقيقة
كان ساحل الخليج العربي مركزًا لعمليات القرصنة ضد السفن الأجنبية، فقد احترف السكان المحليون الاعتداء على السفن ونهبها، فعملت بريطانيا على مواجهتهم؛ للحد من خطرهم على التجارة. كان سكان ساحل الخليج تجارًا مسالمين، قامت بريطانيا بالسيطرة على مناطق سيادتهم بالقوة، وعاملتهم بقسوة شديدة، واتهمتهم بالقرصنة؛ لتبرر العدوان عليهم.

يتميز الخليج العربي بموقع استراتيجي مهم، فهو طريق رئيسي للمواصلات، والتجارة العالمية، هذه الأهمية جعلته محطًا لاهتمام القوى الكبرى منذ القدم. ومع مطلع العصر الحديث، أصبح الخليج العربي هدفًا للسيطرة الاستعمارية الأوربية، فوصل البرتغاليون منذ مطلع القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، ثم تبعهم، والفرنسيون، ثم الإنجليز الذين امتد نفوذهم إلى الخليج منذ القرن الثاني عشر الهجري/ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وكان للخليج العربي مكانة خاصة لديهم؛ حيث شكل جزءً مهمًا من حلقة المواصلات البرية، والبحرية إلى الهند، كما كانت عائدات التجارة في الخليج هدفًا من أهدافهم؛ مما جعل بريطانيا تخطط لجعل الخليج قاعدة مهمة لها في المنطقة. وسعت بريطانيا إلى فرض سيطرتها، وإبعاد القوى الأوربية المنافسة لها، حتى أصبحت القوة الكبرى في الخليج؛ وخلال ذلك اصطدمت بريطانيا بالقوى المحلية في الخليج، وعلى رأسها القواسم الذين كانوا مستقرين على السواحل الجنوبية للخليج العربي المطلة على خليج هرمز، الذين هبوا لمقاومة السيطرة البريطانية الاستعمارية، التي هددت سيادتها، وثرواتها.

كانت بريطانيا مصرّة على السيطرة على الخليج وتجارته، وكانت تعلم أنها ستواجه معارضة ضارية، خاصة من القواسم، الذين كانت سواحلهم ومراكزهم خاصة في قشم، ولنجة، هدفًا لبريطانيا، لذلك شنت بريطانيا هجومًا عسكريًا، ومعنويا ضدهم، فوصفتهم بالقرصنة، واختلقت القصص لتشويه صورتهم؛ وحسب تعبير أحد الباحثين: ” وعلى هذا النحو، تم تدبير استراتيجية الأكذوبة الكبرى. وبين عشية وضحاها أصبحت كلمة القواسم مرادفة لكلمة قراصنة، بل إن بلاد القواسم صارت تسمى ساحل القراصنة، بدلاً من الساحل العربي”. ثم لجأت بريطانيا إلى أساليب العنف والقوة في مواجهة المقاومة العربية، فجردت ضدهم حملات عسكرية متتالية بدءًا من عام 1224هــ/ 1805م، حتى انتهى الأمر بتحطيم قوتهم في عام 1235هــ/ 1819م.

أما عن انتشار هذه الفكرة المغلوطة، فقد تبنى الكتاب الانجليز هذه التسمية، التي شوهت عن عمد تاريخ الخليج العربي، وانتشر هذا التعبير من خلال المؤلفات التي تتناول تاريخ المنطقة، ومن أشهر هذه المؤلفات:  ج.ج. لوريمر J. G. Lorimer (1287-1332هــ/1870-1914م) الموظف في الحكومة البريطانية في الهند، الذي جُمعت تقاريره التي أعدها عن الخليج في كتاب حمل عنوان دليل الخليج، وهو الدليل الذي اشتهر، ونقل عنه الكثير من المؤلفين.

المصادر:

  • القاسمي، سلطان بن محمد، القواسم والعدوان البريطاني (1797-1820م)، الشارقة، منشورات القاسمي، 2012م.
  • العابد، فؤاد سعيد، سياسة بريطانيا في الخليج العربي خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، الكويت، منشورات ذات السلاسل، 1404هــ/1984م.