مدينة تاريخية، يحدد موقعها على خرائط اليوم إلى الجنوب الشرقي من تبوك، في شمال غرب المملكة العربية السعودية. ولتيماء أهمية تاريخية وحضارية منذ القدم، فهي موطن استقرار قديم؛ نتيجة موقعها في واد تجتمع فيه المياه من الأودية المجاورة، فتمتعت بذلك بأرض زراعية خصبة، كما كانت في الماضي مركزًا حيويًا على الطريق التجاري الممتد من جنوب شبه الجزيرة العربية إلى شمالها، ثم يتفرّع منها إلى العراق، والشام، ومصر.  وإلى جانب هذه المزايا كان لتيماء موقع استراتيجي مهم بين القوى السياسية التي كانت تسيطر على العالم القديم آنذاك، فامتلكت بهذا مقوّمات الازدهار الحضاري، الذي سجلته آثارها وحفظت به جزءًا هامًا من دورها التاريخي. وجمعت آثارها كتابات بلغات قديمة متعددة، وورد ذكر تيماء في الكتابات السومرية، والبابلية، والنبطية، والآرامية، كما أشارت إليها نصوص التوراة.

كان من الطبيعي أن تجذب مدينة بهذه المقومات أنظار القوى المحيطة بها، فتعرضت للغزو بهدف الاستيلاء عليها، والاستفادة من خيراتها وموقعها، فغزاها الملك البابلي نابونيد عام 552ق.م، واستولى عليها، بعد قتل أميرها، وأقام بها فترة من الزمن بنى خلالها قصرًا، وسوّرها بسور لا تزال آثاره باقية حتى اليوم.

ووردت في كتب الأدب العربي معلومات تشير إلى تعرض تيماء إلى غزو الملكة الزباء؛ خلال حملة قامت بها على دومة الجندل وتيماء في القرن الثالث الميلادي تقريبًا، ولم يُكتب لهذه الحملة النجاح، فقالت الزباء في ذلك:  “تمرّد ماردٌ وعزّ الأبلق” فغدا قولها مثلًا.

استمر دور تيماء وأهميتها، فتكرر ذكرها في الشعر الجاهلي، ومن الشعراء الذين أشاروا إليها امرئ القيس، والنابغة، والأعشى. وقبيل ظهور الإسلام كانت تيماء خاضعة لنفوذ الغساسنة في الشام، ولكنها مع ذلك تعرضت لتدخل المناذرة ملوك الحيرة على حدود العراق، وارتبط تدخل المناذرة في تيماء بحدث يعكس القيم العربية الأصيلة، وحفظه التراث العربي، ويتمثل في قصة السموأل، وهو عربي من أزد قحطان، يهودي الدين، استودعه امرؤ القيس سلاحه ودروعه وما بقي له من إرث أبيه، وتعهد السموأل بحمايتها، ورفض تسليمها إلى جيش المناذرة الذي حاصره في قصره المعروف بالأبلق في تيماء، وأسر المناذرة ابن السموأل لمقايضته بوديعة امرئ القيس، فتمسك السموأل بموقفه، ولما يئس المناذرة من السموأل غادروا تيماء بعد أن قتلوا أسيرهم، وحفظ السموأل الوديعة حتى سلمها إلى ورثتها، فأوفى بما وعد، مفضلًا التضحية بابنه على الغدر بالعهد الذي قطعه، وغدا موقفه هذا مضرب الأمثال في الوفاء بالعهد عند العرب.

وفيه قال الأعشى:

كن كالسموأل إذ طاف الهمام به        في جحفل كسواد الليل جرّار

فقال: غدر وثكل أنت بينهما            فاختر وما فيهما حظ لمختار

فشك غير قليل ثم قال له:               اقتل أسيرك، إني مانع جاري

بالأبلق الفرد من تيماء منزله           حصنٌ حصينٌ وجارٌ غير غدار

مع ظهور الإسلام صالح أهل تيماء الرسول صلى الله عليه وسلم على أداء الجزية، ثم دخلوا في الإسلام بعد ذلك، وولى الرسول صلى الله عليه وسلم يزيد بن أبي سفيان (ت 18هــ/639م) إمارتها. ومع اتساع الدولة الإسلامية، تغيّر مسار طرق التجارة، وفقدت تيماء مكانتها التجارية. وخفت ذكرها في المؤلفات التاريخية التي دُونت في العصر الإسلامي، ويعلق أحد الباحثين على ذلك قائلًا: “…وتختفي أخبار هذه البلاد كغيرها من أنحاء الجزيرة، إلا حينما تجتاح البلاد القريبة منها إحدى الجوائح العظيمة، فإن اسم تيماء يرد عرضًا في زلزال عام 552هــ/1157م، الذي عم الشام وشمال الجزيرة…”، ومقابل قلة ذكر أخبارها لدى المؤرخين المسلمين، فإن تيماء كان لها حضورها في كتب الجغرافيين المسلمين مثل: ابن خرداذبّه (ت 299هــ/912م)، والهمداني(ت 336هــ/947م)، والاصطخري(ت 346هــ/957م)، والمقدسي (ت 380هــ/991م)، وياقوت الحموي(ت 622هــ/1225م).

تألق اسم تيماء مجددًا في العصر الحديث، وأصبحت مقصدًا للعديد من المستكشفين الأجانب الذين زاروها بداية القرن الرابع عشر الهجري/ الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي؛ بهدف استكشاف آثارها، وكان لهم الفضل في الكشف عن الكثير منها، ونُقلت كثير من قطعها الأثرية إلى المتاحف الأجنبية، ومن أشهر هؤلاء المستكشفين: تشارلز داوتي Doughty الذي زارها عام 1294هــ/1877م، وجورج أوغست والّين Wallin الذي زارها عام 1301هــ/1884م، وشارل هوبر Charles Huber وجوليوس أوتنغ Julius Euting اللذيْن زاراها عام 1301هــ/1884م، وارتبط اسمهما بقصة مغامرة مثيرة، استهدفت الكشف عن “حجر تيماء” الشهير وتهريبه إلى فرنسا، ثم ضمه إلى مقتنيات متحف اللوفر حتى هذا اليوم. وهو عبارة عن حجر رملي عليه نقش باللغة الآرامية يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويعرف أيضًا بمسلّة تيماء.

وفي القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي كانت تيماء مقصدًا لبعثة استكشافية فرنسية جاء على رأسها العالمان أنطونين جوسين Jaussen، ورافاييل سافينياك Savignaic في رحلات متتالية ما بين عامي 1325-1328هــ/1907-1910م، كما مر بها الرحالة النمساوي ألويس موزل Alois Musil  عام 1335هــ/1917م، وكان لتيماء نصيب كبير من اهتمام المستكشف هاري سنت جون فيلبي Harry St. John Philby (الذي عرف بعد إسلامه عبدالله فيلبي)، الذي زارها عام 1370هــ/1951م، وكتب عنها وعن تاريخها وآثارها في ثنايا كتابه “أرض مدين”، الذي ضم العديد من الصور الفوتوغرافية لمعالمها ونقوشها، كما زارتها بعثة أمريكية استكشافية عام 1382هــ/1962م. وحاليًا هي ميدان لعمل بعثة استكشافية سعودية ألمانية تستهدف الكشف عن المزيد من آثار المنطقة.

أما أهم آثار تيماء التي بقيت حتى اليوم فهي:

قصر الرضم، الذي يعود تاريخه إلى الألف الأول قبل الميلاد، وهو مربع الشكل تقريبًا، وفي وسطه بئر، وجدرانه مشيدة من الحجارة المصقولة.

السور الأثري الكبير، الذي بني في القرن السادس قبل الميلاد، ويحيط بالمدينة من جهات ثلاث، بينما تحميها المرتفعات من جهة الشمال، ويمتد السور أكثر من 10 كيلومترات، وهو مشيد من الحجارة، واللبن، والطين، ويتراوح ارتفاعه ما بين العشرة أمتار والمتر الواحد في بعض الجهات.

قصر الحمراء، الذي يقع في الجهة الشمالية من تيماء، وهو مشيد من الحجارة، ويقسم إلى ثلاثة أقسام ،أحدها استخدم للإمارة، والآخران لخدمة سكان القصر، ويعود تاريخ بنائه إلى القرن السادس قبل الميلاد.

بئر هداج، وتعتبر من أعظم آبار الجزيرة العربية، بل وأشهرها، ويعتقد أن تاريخ حفر وبناء جدران هذه البئر يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويقال إن هذه البئر تعرضت للطمر حينما أصيبت تيماء بكارثة الفيضان، وبقيت مطمورة عدة قرون، حتى أُعيد حفرها مجددًا.

تل الحديقة، والذي يقع وسط المدينة السكنية الحديثة، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني قبل الميلاد تقريبًا، وقد تم الكشف عن بعض أجزائه، وعثر فيه على كمية كبيرة من الفخار، تشير إلى الكثافة السكنية وازدهار صناعة هذه المادة المهمة.

حصن السموأل، الذي يعرف بالأبلق، لم يكشف عن القصر حتى الآن بشكل كامل، ولا يزال مطمورًا تحت الأنقاض عدا بعض أجزائه العلوية ،التي توضح أن جدران القصر شيدت من الحجارة، وذُكر هذا الحصن في عدد من المصادر العربية القديمة، كما جاء في الكثير من القصائد التي تحدثت عن روعته، وشكله، وأسلوب بنائه.

قصر البجيدي، والذي اكُتشف عام 1412هــ/1991م، وهو مربع الشكل تقريبًا، وفي أركانه أبراج دائرية، وكُشف خلال عمليات التنقيب فيه عن نقوش إسلامية مبكرة، تشير إلى أن الموقع يعود إلى العصر الإسلامي المبكر.

ومن الآثار التي اُكتشفت مؤخرًا قرب تيماء، نقش هيروغليفي، يحمل إشارة إلى رمسيس الثالث ملك مصر (1192-1160 ق. م.)، ويؤكد هذا النقش الأهمية التجارية لتيماء، وصلاتها التجارية بمصر، وتأتي أهمية هذا النقش كونه أول نقش هيروغليفي يُعثر عليه في المملكة، حسب ما ورد في موقع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.

وخلال السنوات الأخيرة، بذلت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، جهودًا كبيرة لإعادة إحياء مدينة تيماء؛ من خلال الكشف عن آثارها وتأهيلها لتكون مزارًا سياحيًا،  وأوضحت الدراسات التي أعدتها الهيئة، الأهمية الحضارية والاقتصادية لمركز مدينة تيماء التاريخي، بوصفه نموذجًا لمراكز المدن التاريخية بالمملكة، وصنفته في قمة المواقع المحتملة للجذب السياحي، وتم اختياره كأحد المشاريع الوطنية التجريبية؛ ليتم تنفيذه وفق المعايير العالمية لإحياء مركز المدينة التاريخي، ولحماية المواقع التراثية، وإعادة تأهيلها. ويهدف هذا المشروع إلى إعادة تأهيل مركز مدينة تيماء التاريخي، وتنميته اقتصاديًا واجتماعيًا وسياحيًا، واستعادة الشخصية العمرانية التي يتميز بها وسط المدينة القديم، وإعادة تأهيله؛ ليصبح مركزًا تاريخيًا للمدينة، مع توظيف التراث الثقافي به. ومن المأمول أن يكون لهذا المشروع دور كبير في التعريف بتاريخ هذه المدينة العريقة وحضارتها.

المصادر:

  • الجاسر، حمد، في شمال غرب الجزيرة، د.م.، د. ن.، 1390هــ/1970م.
  • التيمائي، محمد بن حمد، منطقة رجوم صعصع بتيماء- دراسة اثرية ميدانية، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1426هــ/2005م.
  • مراكز المدن التاريخية في المملكة العربية السعودية، الرياض، الهيئة العامة للسياحة والآثار الرياض، 1431هــ/2010م.
  • Philby, H. St. J. The Land of Midian, London: Ernest Benn Ltd., 1952.
  • https://scth.gov.sa/AntiquitiesMuseums/ArcheologicalDiscovery/Pages/ramses3_info.aspx