في المحرم من عام 1355هــ/ مارس 1936م، وبناءً على دعوة رسمية من الملك عبدالعزيز، وصل العقير السير جورج رندل Sir George Rendel، رئيس الإدارة الشرقية في الخارجية البريطانية، المملكة العربية السعودية، ومعه زوجته السيدة جيرالدين رندل Geraldine Rendel، ومن العقير انتقل الضيوف إلى الرياض؛ حيث استقبلهم ولي العهد، الأمير سعود بن عبدالعزيز، ثم بالطائف؛ حيث قابلوا الملك عبدالعزيز.
وأوردت جيرالدين رندل تفاصيل رحلتها، في مقال نُشر في المجلة الجغرافية The Geographical Magazine، بعنوان “رحلة عبر المملكة العربية السعودية Across Saudi Arabia “، ثم قام أ. د. جمال محمود حجر بترجمته إلى العربية، ونشرته مجلة الدارة في العدد الأول، للسنة التاسعة والعشرين1424هـ. كما يحفظ أرشيف مركز الشرق الأوسط، في كلية سان أنتوني في أكسفورد السجل المصور لهذه الرحلة؛ حيث التقطت السيدة رندل العديد من الصور وثقت بها هذه الرحلة.
وصلا إلى العقير في المحرم 1355هــ/ الموافق لشهر مارس 1936م؛ حيث كانت السيارات بانتظارهما، وفي العقير استبدل الزائران ملابسهم الأوربية بملابس عربية؛ فارتدت السيدة جيرالدين عباءة سوداء، مصنوعة من وبر الجمل، مزينة بخيوط ذهبية، وأسدلت خمارًا يغطي وجهها، ومن العقير غادرا في سيارات الفورد متجهين إلى الغرب في طريقهم إلى الرياض، مرا خلال الرحلة إلى الرياض بالأحساء؛ حيث نزلا ضيوفًا على أميرها. وزارت السيدة جيرالدين خلال إقامتها في الأحساء السوق. وذكرت في سياق حديثها عن سوق الأحساء: ” … وأهل الأحساء يبيعون ويشترون بشكل طبيعي كجزء من حركة حياتهم اليومية… كانت النساء المتسوقات في السوق مهتمات جدًا بي شخصيًا، فقد اكتشفن بسرعة أنني لست منهن، وأنني أجنبية، وأحاطوني من كل جانب، وهن يتمعنَّ في وجهي المغطى بالنقاب، ومعظمهن يرتدين عباءة سوداء شفافة، خفيفة وباردة أكثر من تلك التي كنت أرتديها، وقد طلبت أن أرتدي واحدة مثلهن، ولكنهن أفهمنني أن السيدات ذوات المكانة المتميزة لا يحسن بهن أن يرتدين شيئاً خفيفًا كهذا…” كما زارت البساتين، وعيون الماء. ونزلا ضيوفًا بأحدها، وفي ذلك قالت جيرالدين: “وبعض البساتين فيها استراحات صيفية، وفي إحدى هذه الاستراحات تمت استضافتنا بكرم وافر…” .
” وكان رحيلنا من الأحساء أشبه ما يكون بالزفة، فقد تجمع عدد كبير من الناس خارج قصر الأمير؛ ليروا أمتعتنا وقد وضعت على الشاحنات، وزودنا مضيفنا ببعض الأثاث؛ لتحقيق قدر أكبر من الراحة، مثل طاولة كبيرة للطعام، وستة كراسي…”.
خلال مسيرهما إلى الرياض توقفا أكثر من مرة للراحة، وقضاء الليل، وقابلا خلال إحدى مراحل التوقف بعض النساء البدويات، زارتهما في خيميتهما، واستوقفها البرقع الذي ترتديه المرأة البدوية “…لحظت أن المرأة البدوية ليست مغطاة الوجه تمامًا كما هو شأن المرأة في المدينة، هي تضع قناعًا بدلًا من الغطاء، تاركة عينيها مكشوفتين، وهذا يعينها على مساعدة زوجها في العمل، وحين تتعامل مع الحياة الصعبة في الصحراء”. وقضيا ليلتهم الثانية في مخيم الأمير سعود بن عبدالعزيز، ولي العهد في الرمحية، “وصلتنا رسالة الأمير سعود ولي العهد تقترح أن نقضي الليلة في مخيم صيده في الرمحية، على بعد خمسة عشر ميلًا من موقعنا، قبل أن نواصل الرحلة إلى الرياض، كانت زيارتنا لهذا المخيم ممتعة للغاية، فقد أقمنا في مكان فخم، عبارة عن صيوانين كبيرين يتبعان الأمير سعود، تأخذ بخيال الواحد منا إلى تلك الصور الخيالية أيام هارون الرشيد، مبطنة بقماش أحمر وذهبي، ومغطاة بالسجاد العجمي الفاخر، وعلى أرضية خيمة النوم مخدع أو سرير عليه وسائد حريرية”.
ثم سجَّلت لحظات اقترابهم من الرياض “…وأخيرًا بدا خط باهت من الأسوار والأبراج في الصحراء، وحزام أخضر وسط الصحراء، كما لو كان رسمه فنان، …إنها بساتين النخيل في واحة الرياض”. وكان دخولهم من باب الثميري، وقالت: “الرياض محاطة بسور مبني من الطوب اللبن، وعليه أبراج على مسافات متباعدة، ودخلنا المدينة من باب الثميري”.
وعندما وصل رندل وزوجته الرياض نزلا في قصر البديعة، واستضافهم الأمير سعود بن عبدالعزيز ولي العهد آنذاك، وتمكنت السيدة جيرالدين وزوجها من زيارة بعض معالم الرياض؛ فزارا قصر الملك عبدالعزيز، والسوق الكبير، وأطلال الدرعية. وأعطت وصفًا لكل ما رأته. كما التقطت السيدة جيرالدين وزوجها عددًا من الصور المميزة، التي تعتبر جزءاً من السجل المصور لتاريخ الرياض.
غادر رندل وزوجته الرياض، مرورًا بالجبيلة، ثم العيينة، ثم مرات، وقضيا ليلتهم في ضيافة أمير قلعة الدوادمي. وفي اليوم التالي وصلا إلى عشيرة؛ حيث أمضيا ليلة هنيئة في مخيم تم تجهيزه لاستقبالهما، وذكرت جيرالدين ذلك بقولها: “..وبعد الظهر وصلنا عشيرة إحدى المناطق التي يفضل الملك عبدالعزيز أن يقيم فيها أثناء رحلاته، وهي خضراء، وفيها أشجار، وبها بئران جيدان، مغطيان بحجر ضخم، مسجل عليه إشارة تقول: أنه أعيد بناؤهما في عهد الملك عبدالعزيز…”. وفي اليوم التالي غادرا إلى الطائف. وعادا إلى عشيرة مجددا فيما بعد، ومنها انطلقا إلى جدة.
كانت جدة نهاية مطاف الرحلة، وفيها ارتدا الضيفان زيهما الغربي، ومنها غادرا المملكة.

من صور رحلة آل رندل، (المصدر: وليم فيسي، الرياض المدينة القديمة، ترجمة: عبدالعزيز الهلابي، الرياض، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، 1419هــ/1999م)

سوق الرياض

                                  سوق الرياض

خارج

                           قصر البديعة من الخارج

داخل

                            قصر البديعة من الداخل