من رجال القرنين التاسع والعاشر الهجريين/ الخامس عشر الميلادي، وكنيته شهاب الدين، ظل اسمه على ألسنة البحَّارة في خليج عمان، والبحر الأحمر، والمحيط الهندي، قرونًا عديدة بعد وفاته؛ باعتباره من كبار ربابنة العرب، ومن علماء الملاحة، وممن كان له تأثير عميق على البحّارة، وفِي هذا الصدد نشير إلى ملاحظة البريطاني ريتشارد بورتون Richard Burton ، في كتابه ” الخطوات الأولى في شرق أفريقيا First Footstep in ” East Africa ، أنه لما أبحر من عدن في عام 1270هـ/ 1854م، تلا البحَّارة سورة الفاتحة قبل الإقلاع؛ ترحمًا على روح أحمد بن ماجد.
ونتيجة لتلك المكانة؛ عُرف أحمد بن ماجد بألقاب عديدة منها: المعلِّم، وأسد البحر، وابن أبي الركائب، والسائح ماجد، كماا ذُكر في حقه بأنه ” القبس الذي كان يضيئ مجاهل المحيطات والبحار؛ بما كان يتوفر عليه من خبرة ودراية “.
وعن ولادته ونشأته، يُرجّح البعض أنه وُلد في عام 835هـ/1432م، ولا تعطينا المصادر معلومات مؤكدة عن مكان ولادته،، فمنهم من يقول أنه ولد في نجد، ومنهم من يقول أنه ولد في جلفار، وهي مدينة كانت قائمة بالقرب من رأس الخيمة، في إمارة رأس الخيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة في يومنا هذا، ولم يعد لها أثر ظاهر الآن. وما تبقى  لذكر أبن ماجد هناك؛ هو تل يقع في منطقة (الندود)، أي التلال الموجودة بالقرب من رأس الخيمة وتحت أحد هذه التلال، يُعتقد أنه يوجد ركام منزل أحمد بن ماجد.
ووفق هذه المعلومة، يمكن القول أن أحمد بن ماجد النجدي الأصل، يعود إلى أسرة هاجرت من نجد إلى ساحل عُمان، ونشأأ في بيئة اشتغلت بالبحر؛ إذ تفيد معلومة أن والده وجَدَّه ممن برزوا في فن الملاحة نظريًا وعمليًا، ووضعوا المؤلفات في علم البحار، وأن أحمد تسلّم قيادة إحدى السفن بصحبة والده في السادسة عشر من عمره .
أما العصر الذي كان فيه أحمد، فقد كان العصر الذهبي للملاحة والتجارة العربية في الخليج، وكان العرب والمسلمون سادةة على التجارة في المحيط الهندي، والمتحكمين في طرق التجارة، وفي الوساطة التجارية بين الشرق والغرب.
ولذلك، كان محيط الأسرة والمحيط العام مساعدًا لأحمد بالنبوغ؛ إذ أظهر براعةً في مجاله، و طوَّر فن الملاحة، واخترعع  مرشدات بحرية، ودرس الممرات المائية وغيرها من شئون البحار، وقدَّم حصيلته العلمية القائمة على الدراسة والنقد في أكثر من خمسة وثلاثين كتابًا،  كما عُرف عنه أنه كان ينظم الشعر؛ إذ ترك قصائد على شكل ( أراجيز) لا تخضع لقافية واحدة.
وقد أُتهم ابن ماجد بأنه كان:
وراء تحطيم السيادة الإسلامية على المحيط الهندي؛ عندما أرشد البرتغاليين في الوصول إلى الهند.
تقول التهمة: ” كان البرتغاليون يحرصون على التخلص من الوساطة الإسلامية في تجارة الشرق، ونجحوا في اكتشاف طريقق آخر غير مطروق بين أوروبا والشرق؛ إذ تمكنوا من الدوران حول الطرف الجنوبي من القارة الأفريقية، وصولًا إلى شرقي أفريقيا؛ لكنهم توقفوا بسبب عدم معرفتهم كيفية الوصول إلى الهند، لولا مساعدة وإرشاد أبن ماجد لهم. وبذلك، فإن إبن ماجد قلب كل الموازيين السياسية التي كانت سائدة في العالم آنذاك، وجعل من البرتغال أكبر دولة استعمارية عرفها العالم عدة قرون من الزمان تقريبًا.
هذه التهمة هي التي سيطرت على تاريخ ابن ماجد، وهي التي ألقت بظلالها على تاريخه، وعلى كل التراث الضخم الذيي تركه.
وكان مصدر هذه التهمة في البداية المؤرخ قطب الدين محمد النهروالي(ت 990هـ/1582م)، في كتابه:” البرق اليماني فيي الفتح العثماني “؛ حيث ذكر: أن الذي دلَّ البرتغاليين للوصول إلى الهند هو أحمد بن ماجد؛ حيث صحب قائد الأسطول البرتغالي فاسكو دا غاما، وفي ذلك يقول النهروالي:” … فلا زالوا يتوصلون إلى معرفة هذا البحر، إلى أن دلهم شخص ماهر يقال له: أحمد بن ماجد، صاحبه كبير الفرنج وعاشره في السكر، فعلمه الطريق في حال سكره … “.
وقد بقيت هذه المعلومة وحيدة حتى النصف الأول من القرن العشرين، عندما نفض عنها الغبار باحثون أجانب، أكدوها وو أضافوا إليها اعترافًا من ابن ماجد: بأنه دل فاسكو دا غاما إلى طريق الهند، بأبيات بلغت 106 بيتاً في أرجوزته الشهيرة ” ثلاث أزهار في معرفة البحار.
وتصدى عدد من الباحثين العرب لهذه التهمة، بالمعلومات المقارنة، والفحص، والتدقيق، وجدوا أن هذه التهمة باطلة؛ استنادًاا إلى قرائن عديدة منها:-
أن الأرجوزة التي تنسب إلى ابن ماجد عدد أبياتها 701 بيتًا، بينما الأرجوزة التي أستند إليها الباحثون الأجانب  تقع في 8077 بيتًا؛ مما يرجح أن الأبيات المضافة عددها 106، هي مدسوسة في الأرجوزة.
أن كل المصادر البرتغالية المعاصرة لحملة فاسكو دا غاما لم تذكر أسم أبن ماجد، حتى ولو بشكل محرَّف.
أن كل المصادر العربية والعثمانية المعاصرة للحدث، لم تتقول على أبن ماجد بتهمة النهروالي.
أن ابن ماجد عرف بالتدين والصلاح، ومعظم أشعاره تعكس ذلك، كما عُرف عنه أنه لا يترك وِرْده من الأذكار في كل خروج له،، وكان يحث من معه على ذلك، فكيف لرجل متدين يعرف حرمة الخمر في الإسلام، أن يكون على ما كان عليه؟ كما وصفه النهروالي، بل أن النهروالي جعل سكره في رمضان، ثم كيف يُقبل أن فاسكو دا غاما الذي يقود مهمة لبلاده، سيضع ثقته في رجل سكران.
إن أشعار أبن ماجد حملت وجعًا لحال المسلمين، وما آل إليه وضعهم في البلاد الإسلامية، كما كان يتحصن  ويتعوذ من “” القراصنة الكفار “، وكان كثير التحذير للمسلمين من الخطر المحدق بهم من الطامعين في خيراتهم.
وهو الأهم، أن يوميات فاسكو دا غاما إلى الهند، تنص على التفاصيل التي حدثت أثناء وصول البرتغاليين إلى ماليندي فيي شرق أفريقيا، وإبحارهم منها إلى الهند، وتنص اليوميات على: ” … في يوم الأحد التالي، صعد أمين سر الملك إلى ظهر السفينة، فقام القائد باعتقاله، وأرسل إلى الملك طالبًا منه إرسال المرشدين، وفور تسلم الملك للرسالة، أرسل له مرشدًا مسيحيًا، فأطلق القائد بعدئذ سراح الرجل النبيل الذي أحتجزه في سفينته، ولقد سررنا كثيرًا بالمرشد المسيحي الذي أرسله الملك لنا”. وهذا النص يذكر بشكل قاطع: أن المرشد الذي دل فاسكو دا غاما في رحلته من الساحل الأفريقي إلى الهند،  كان مسيحيًا كجراتيًا.
هذه سيرة رجل يعد مفخرة في تاريخ العالم العربي والإسلامي، جٌهل قدره، وألقي عليه اللوم في نكبة حصلت للعالمم الإسلامي بوصول المستعمر، وهو براء من ذلك، فعلينا أن نستحضره وهو يخاطب مواطنه بالأمس:
فــإن تجهــلوا قــدري فإنما               سيأتي رجال بعدكم يعرفوا قدري
عاش أبن ماجد بعد حادثة وصول البرتغاليين إلى الهند، وهناك خلاف على تحديد سنة وفاته، غير أن هناك إجماع أن وفاتهه بعد عام  ٩٠٤ هـ / ١٤٩٨م.

المصادر:
التازي، عبدالهادي، ابن ماجد والبرتغال، ط3، عمان، وزارة التراث والثقافة، 1426هـ/2005م.
حنظل، فالح، العرب والبرتغال في التاريخ، أبو ظبي، المجمع الثقافي، 1418هـ/1997م.
الخوري، إبراهيم ، أحمد بن ماجد: حياته، مؤلفاته، استحالة لقائه بفاسكو دي غاما، رأس الخيمة، سلسلة كتاب الأبحاث، مركز الدراسات والوثائق، 1423هـ/ 2002م.
الزركلي، خير الدين، الأعلام، ج1، ط7، بيروت، دار العلم للملايين، 1986م.
القاسمي، سلطان بن محمد ، بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد، الشارقة، المؤلف، 1421هـ/2000م.
النهروالي، قطب الدين، البرق اليماني في الفتح العثماني، الرياض، دار اليمامة للبحث والنشر والترجمة، 1387هـ/1967م.