يرتفع الملك فيصل اليوم فوق كل مطمن، فهو في صمود مستمر، ويتمتع باحترام وإجلال الجميع … واستطاع إقامة الدليل على بعد نظره وحكمته، حين وقف يجابه المعارضة الضاربة التي كانت تحارب منهاجه القائل أن على العرب والمسلمين في أي مكان العودة إلى الايمان الحقيقي الذي يستطيع وحده أن يشق لهم الطريق نحو العالم المتحضر.

دافيد هيرست(1)

ريادتكم لدعوة المسلمين إلى التضامن لاشك أنها انطلقت من بواعث ومسببات ومبررات تتلائم وطبيعة دور البلاد المقدسة التي تتزعمون – أولا، والوضع الإسلامي العام الذي تشمرون بمسؤولياتكم الجسيمة لاصلاحه- ثانيا، والتخلف الذي يعانيه المسلمون كافة – ثالثاً، ولأسباب ومببرات أخرى..

كيف انطلقت هذه الدعوة ومادوركم في مسيرتها ثم ماالذي حرّض ويحرّض بعض القوى العربية والأجنبية على محاربتها و إتهامها بأنها حركة تهدف إلى إنشاء ما سمي بـ “الحلف الإسلامي” وهل تعتقدون أن المعسكر الشرقي هو رأس الحربة في محاربة هذه الدعوة ومعارضتها.

” أولاً وقبل كل شيء ليست الدعوة إلى التضامن الإسلامي ملكاً لفيصل ولا لأي كان فقد جاء بها محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه، فهي دعوة ليست خاصةً بفرد ولا وقفاً على شخص إنما واجب مفروض على كل مسلم ومسلمة. إن هذا الموضوع ليس في يدنا وحدنا، إنما هو في يد المسلمين جميعاً و أن الدعوة للقاء المسلمين والنظر في شؤونهم هي دعوة تقارب.

وإنني إذا كنت اتشرف و أعتز بأني أحد المسلمين الذين يدعون إلى تقارب المسلمين وتحابهم فأنا أعتبر هذا أعظم فخر وشرف لي.

وفيما يخصنا نحن في المملكة العربية السعودية فإن أساس كياننا قائم على الدعوة إلى تضامن المسلمين وتآلفهم.

لقد قامت هذه الدولة على أسس، أولها الأساس الإسلامي وتحكيم كتاب الله وسنة رسوله، وثانياً نشر العدالة بين المواطنين التي يتساوىفيها الملك وأصغر فرد من أبناء الشعب، وثالثاً نشر العلم الصحيح بين أبناء هذه الأمة للنهوض بها إلى المستوى اللائق.

الدعوة الإسلامية هي في دمنا وأعناقنا منذ ولدتنا أمهاتنا، لأنها تنبثق من صميم عقيدتنا الراسخة والتي كرسنا لها حياتنا واتخذناها مثالاً أعلى.

لقد حرصت الدولة العربية السعودية منذ تأسيسها على أن تخوض بكل جد وقوة معركة بناء هادفة، ومرت سنين طويلة من العرق والدم سار خلالها المغفور له الملك عبدالعزيز – رحمه الله- في طريق شاق وخاض معارك عنيفة استطاع بعدها أن يؤسس كيان هذا البنيان الشامخ الكبير، وجاءت بعد ذلك عملية اتخاذ كل الوسائل لأداء هذا الواجب الشريف ” .

  • أفهم من ذلك أن الدعوة إلى التضامن الإسلامي هي مبرر وجود المملكة أصلاً غير أن بعض القادة والمفكرين المسلمين منهم من اتخذ موقفاً سلبياً غير فعّال من دعوتكم ومنهم من أيد وبارك .. هذا البعض رأى أن لدعوة الفيصل دوافع حضارية ومستقبلية، بالإضافة طبعاً إلى أنها تسلح المسملين في هذه المرحلة بأسلحة دفاعية رادعة إذا صح التعبير، ماهو المسلسل التفصيلي لهذه الدعوة؟

” كثير من المسلمين -واقولها والمرارة تخنقني- مسلمون بالاسم .. مسلمون بالوراثة.

لقد طرأ على المسلمين ماجعلهم في مؤخرة الأمم، وما جعلهم نهباً بين أيدي الطامعين، وما جعلهم مستعبدين، لا لشيء إلا أنهم انحرفوا عما أراده لهم الله من ايمان به، ومن توحيده وعبادته حق العبادة، فأراد سبحانه وتعالى أن ينبههم وأن يعيدهم إلى مافيه عزهم وقوتهم وسؤددهم.

لقد مرت على الإسلام والمسلمين حقب تناسى الناس فيها ماهو مطلوب منهم تجاه ربهم سبحانه وتعالى، وتساهلوا فيما يجب عليهم، وتهاونوا وتغافلوا، ولهذا فإننا نرى اليوم أن الشعوب الإسلامية في كل الأقطار قد ينظر إليها نظرة احتقار أو ازدراء، وهذا ما سببناه لأنفسنا نحن ولم يرضه الله سبحانه وتعالى لنا،  و إنما رضى لنا العزة والكرامة والقوة إذا نحن أخلصنا العبادة وتمسكنا بما أمرنا به سبحانه وتعالى و أتبعنا سبيل نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فهل آن الأوان لنا أن نراجع أنفسنا وأن نفكر في مستقبلنا و أن نعود إلى حظيرة الإسلام ونقوم بما هو واجب علينا؟.

إن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الكون وكونه، وهو أعلم يما يصلح هذا الكون وما يثبته في دينه وآخرته، فليس من المعقول أن يكون الخالق جل شأنه قد شرع لعبادته شريعة ويعتريها بعض النواقص أو الأخطاء.

  • كيف ومتى بدأت الدعوة؟

” بدأت الدعوة إلى التضامن الإسلامي باقتراح من رئيس جمهورية الصومال، ثم بتأييد من المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة (1965م)، وأخيراً في اجتماع الذروة العربي الذي عقد في الدار البيضاء.

وأريد أن أوضح أن هذه لم تكن أول دعوة، وليست أول حركة إسلامية، قد سبق قبل عدة سنوات أن اجتمع بعض رؤساء الدول الإسلامية في مكة المكرمة –ثلاثة زعماء- واتفقوا فيما بينهم على ايجاد مؤتمر إسلامي يدعو إلى الله ويدعو المسلمين إلى المحافظة على دينهم والتعاون لما يصلح دنياهم، وهذا المؤتمر كان مشكّلاً من صاحب الفخامة الرئيس الراحل  جمال عبدالناصر والملك الراحل سعود وصاحب الفخامة الرئيس الراحل غلام محمد رئيس الجمهورية الباكستانية، وقد اتفقوا فيما بينهم على تشكيل هذا المؤتمر و أستمر التعاون بين الشقيقة مصر والمملكة العربية السعودية في سبيل هذا المؤتمر لعدة سنوات.

ظهرت في الأفق الإسلامي دعوة مخلصة وضعت من قبل بعض قادة إخواننا المسلمين، وهي الدعوة إلى التضامن الإسلامي، فقلنا فليكن ذلك، فإذا فشلنا في ايجاد تضامن عربي، فلنسع إلى تضامن إسلامي، يشمل العرب من ضمن اخوانهم المسلمين، ولكن نفس الدور ونفس التمثيلية حدثت، فقاومت العناصر التي هدمت التضامن العربي … التضامن الإسلامي، وأدعت عليه بالدعاوى الكاذبة بأنه حلف استعماري، يدعو إليه عملاء الاستعمار ليخدم مصالح الاستعمار، فيا سبحان الله العظيم، هل يعقل أن دين الله وشريعة نبيه وإيمان عباده، يمكن أن يكون يوماً من الأيام في خدمة الاستعمار؟ لا يمكن أن يكون الاستعمار سنداً لمثل هذه الدعوة، لأن الاستعمار منذ أن أنتشر في أفريقيا و آسيا كان أكبر هم له هو القضاء على الدين الإسلامي، لأن الاستعمار يعلم أن الإسلام هو أكبر قوة يمكن أن تقف في وجهه وأن تصده خاسراً منحسراً “.

  • تعلمون أن الاستعمار الذي تشيرون إليه أصبح صيغة قديمة …..؟

” ولكننا اليوم نواجه استعماراً من شكل جديد، كان الاستعمار في الماضي يحتل البلدان ويستغل خيراتها ويستعبد أبناءها، أما الاستعمار الجديد فهو يحاول، علاوة على هذه الخصائص، أن يستعبد كذلك العقائد، والنفوس والكرامات، ونحن نرى جميعاً، أن هذه المبادئ تسربت، ولسوء الحظ، إلى بعض الأماكن والبلدان الإسلامية، ومما يزيد في الألم، أن نجد من بين أخواننا في العقيدة وفي الوطن، من يشجعون هذه المبادئ ويساندونها أو يساعدونها على التسرب إلى نفوس المسلمين، ولكننا، بحول الله وقوته، على ثقة تامة بأن اخواننا المسلمين، بقيادة المصلحين المفكرين الذين يضعون خدمة أوطانهم فوق كل شيء، سيكونون، بحول الله وقوته، حرزاً منيعاً دون ما يحاول البعض أن يسربه إلى نفوس المسلمين أو عقائدهم “.

  • ومزاعم” السلف الإسلامي “، وموقف المناوئة من المعسكر الشيوعي؟

” إن هذه الدعوة في صلبها، أغنى ما تكون عن الأحلاف أو التكتلات أو الدوافع التي قد تأتي من جهات أخرى، فهذه الدعوة الإسلامية مبنية على الحق والعدل والإيمان بالله، لذلك يكون النزول بها إلى مصاف الأحلاف والتكتلات، اعتداء على حرمتها، ونقصاً من حقها، و إنزالها من مستواها العالي إلى مستوى العلاقات البشرية العادية، ونحن نرفض، بكل إباء، أن تكون هذه الدعوة مبنية على أحلاف أو مسببات أو على ايعازات من أية جهة كانت، لأنها دعوة سماوية يساندها القرآن، وتشد عضدها شريعة الإسلام وسنة نبيه الكريم.

و أنا اعتقد أن المعارضة ليست فقط في المعسكر الشرقي، و إن كان هو حامل اللواء، وبارزاً في الميدان، ولكن كل من هو ضد الإسلام أو ضد مصالح المسلمين، فهو يعارض هذه الدعوة، وإذا كان السوفيات يخشون هذه الدعوة، فلأنها تبعث روح الحرية والاستقلال في نفس الشعب المسلم في الاتحاد السوفياتي.

وفي مسيرتنا هذه، لا نجهل، ولن نجهل، القوى التي تعارض ما نقوم به اليوم إذ هي قوى استعمارية، وقوى يهودية وصهيونية وقوى شيوعية.

أما القوى الاستعمارية، فهي التي تكافح الدعوة للإسلام، لأنها تعلم أن الإسلام دين الإخاء، دين السلام، دين المحبة، دين المساواة، دين الحرية، وهي في مطامعها الاستعمارية تريد أن تتغلب على الشعوب وأن تحكمها بشتى الطرق.

إن الإسلام هو الحصن الواقي والدرع المتين ضد تسلط الاستعمار، وضد اعتداء بعض الأمم على بعضها الآخر، ولذلك فان الاستعمار، بجميع اشكاله وألوانه، ومن كل مصادره، يحاول، قبل كل شيء محاربة الإسلام، لأنه يعلم أنه القوة الوحيدة التي تقف في وجهه.

أما القوى الصهيونية، فهي تعلم أن تضامن المسلمين فيما بينهم، يحول بين الصهيونية العالمية ومطامعها الشريرة في بلاد الإسلام، بلاد العرب، بلاد الأنبياء، أولى القبلتين.

خشية الصهيونية من التضامن الإسلامي ليست غريبة علينا، فإنها تريد أن تكافح وتدافع لتحقق مطامعها وتوسعها فيما اغتصبته من بلاد إخواننا، ولذلك، فلا غرو أن تنهض لمكافحة هذه الدعوة الخيرة الطيبة.

أما القوى الشيوعية، فهي تناهض هذه الدعوة، لأنها تفوض أركان الإلحاد وأركان ما بني عليه المذهب الشيوعي من انكار لله، فهي تخشى أن تصل هذه الدعوة إلى مناطق بسطت الشيوعية نفوذها عليها، وهي مناطق إسلامية صرفه، ولكن الشيوعية حجبت بين هذه المناطق وبين اخواتها في المعمورة، وتريد أن تكتم انفاس ابنائها لئلا يصل إليهم صوت الحق “.

  • في العالمين العربي والإسلامي ما نستطيعأن نسميه” طابوراً خامساً ” لكل هذه القوى التي أشرتم إليها، يعرقل مسيرة الدعوة … ما موقعكم من هذا الطابور؟

” لا نستغرب إذا وجدنا من بعض العناصر المعادية للإسلام، محاولات للوقوف في هذا الاتجاه.

نحن لا نستغرب هذا ابداً، ويجب علينا أن نستعد لمقاومتها، ولكن الذي نستغربه ولا يمكن أن يهضم أن يكون هناك بعض العناصر المسلمة، أو التي تدّعي أنها مسلمة، حرباً علينا، وأن تقف في سبيل نشر الإسلام، وفي سبيل تحكيم كتاب الله وسنة رسوله، وأن تساعد على دخول بعض المذاهب أو الاتجاهات التي تتعارض مع الدين الإسلامي، والشريعة الإسلامية، في ربوع إسلامية وبلاد إسلامية، هذا هو المستغرب.

إن المسلمين في هذه الأيام يتعرضون لامتحان لم يسبق له مثيل في التاريخ، كان المسلمون في الماضي يجاهدون ويكافحون أعداء بارزين، ولكننا اليوم ابتلينا ببعض المحن التي نبعت من المسلمين أنفسهم، و إنكم ولا شك تقدرون الوضع الحالي للإسلام والمسلمين.

إن محاربة أعداء الإسلام، نحن مستعدون للتصدي لها والوقوف في وجهها والكفاح ضدها، وكما كافحنا سابقاً، سنكافح اليوم، وما بعد اليوم.

  • لاحظتم، ولا شك، أن صحفاً عالمية، غربية وشرقية وصهيونية واسرائيلية وايضاً منها ما يصدر في العالم العربي، اسهمت بأساليب مختلفة في التعليق على نشاطكم في سبيل الدعوة إلى التضامن الإسلامي .. سؤالي: إلى أي حد اثرت وتؤثر في نشاطكم مواقف هذه الصحف، لا سيما وأن صحفا معروفة باتجاهاتها الصهيونية بدت وكأنها مؤيدة لدعوتكم؟

” إننا إذا بنينا سياستنا على هذه الصحيفة أو تلك، فان هذا يعتبر من عدم الاتزان، نحن لا نعلم ماذا تهدف إليه تلك الصحف التي ترحب بالدعوة، فهي صحف استعمارية أو صهيونية، ولكن لماذا لا تأخذ القضية من جانب آخر، لما لا نفكر أن هذه الصحف تريد الدس على هذه الدعوة ونسفها عن طريق الترحيب بها، لتشتيت شمل المسلمين وتشويشهم؟

إن أمامنا ثلاث قوى تحاربنا، وهي قوى لها وسائلها ومخططاتها، وليست بالقوى السهلة، إن هذه القوى كما ذكرت هي الاستعمار والصهيونية والشيوعية، وهي تريد إحباط مساعينا من أجل التضامن والتآلف، إنها لا تريد إلا الدس لنا، لأن هذه القوى تعلم جيداً أن التضامن بين المسلمين والتقارب بينهم يشكل أكبر حاجز يمنعها من تنفيذ مخططاتها.

إنني لا أدري ولا أتصور، كيف تبني دولة سياستها على أساس ما تنشره صحيفة، مع احترامي للصحافة، أن بناء السياسة على أقوال الصحف، فيه شيء من عدم الاتزان “.

  • تذكرون أن صحفاً عربية، بمعنى أنها تصدر في العالم العربي، كانت مواقفها من حيث النتيجة، متماشية مع صحف الاستعمار والصهيونية والشيوعية، في مواقفها من الدعوة .. هل معنى ذلك أن هناك دولاً عربية تستمد سياستها من الاستعمار والشيوعية والصهيونية؟ ..

” لا أستطيع أن أقول أن هناك دولاً عربية تستمد سياستها من الاستعمار أو الشيوعية أو الصهيونية، لأن هذا كلام خطير، ليس لي أن اتحمل مسؤوليته، بل ما أقوله هو أن القوى الاستعمارية والصهيونية والشيوعية، تعتبر تضامن المسلمين خطراً عليها، فتحاول مقاومته بأي ثمن، ومع الأسف، فإن بعض العرب و المسلمين أنطلت عليهم المناورة، فراحوا هم أنفسهم يقاومون فكرة التضامن الإسلامي، و أنا اعتبر أن معارضة بعض الدول العربية لفكرة التضامن الإسلامي، لا تتعدى كونها اختلافاً في وجهات النظر “.

  • ألا تظنون أن ثمة صعوبات في سبيل تنظيم علاقات ستمائة مليون مسلم، و أكثر من 25 دولة إسلامية، مختلفة الأنظمة والإتجاهات والظروف؟

” هناك دستور شامل يربط بين المسلمين، وهذا الدستور هو كتاب الله وسنة رسوله، وهو كفيل بأن تحترم كل دولة وكل شعب حقوق الشعوب والدول الأخرى، و أن تكون علاقاتها مبنية على محبة خالصة، و أخوّة صادقة، تنظر في شؤون الجميع”.

  • هل نستطيع القول أن على العرب مسؤوليات متمايزة في مسيرة هذه الدعوة و تحقيقها، من سائر الشعوب الإسلامية؟ …

” إنني أوجه أنظار إخواني العرب إلى أنهم مسؤولون عن هذه الدعوة أكثر من غيرهم، لان الله سبحانه وتعالى، أختار نبيه، صلوات الله وسلامه عليه منهم، و أنزل كتابه بلسانهم، وحمّلهم أمانة ايصال هذه الرسالة إلى بقاع الأرض، ولذلك فإن مسؤولية العرب تجاه الدعوة الإسلامية مضاعفة بالنسبة لغيرهم من الشعوب، لأن الله سبحانه وتعالي، ائتمنهم عليها وحمّلهم مسؤولياتها وجعل نصرهم وعزهم على ضوئها وبسببها، فلولا الدعوة الإسلامية، ولولا بعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، لما أنتشر العرب من جزيرتهم، ولبقوا على جاهليتهم لا يقدرون على شيء من أمرهم، و إنما ظلوا يسبحون في بحور من ظلمات الجهل والتفرق والتناحر، ولكن الله سبحانه وتعالى، أراد بهم خيراً، فبعث منهم هذا الرسول، ليكونوا خير أمة أخرجت للناس، وعلى العرب اليوم مسؤولية أكبر من أية أمة أخرى في إبلاغ هذه الدعوة، وفي خدمتها، والقيام بها.

فمنذ أن أراد الله، سبحانه وتعالى، لخلقه الخير، واختص الأمة العربية من بين الأمم، فشرّفها وكرّمها بابتعاث هذا النبي الكريم، وجعل هذه الدعوة أو هذه الرسالة، أمانة في رقاب العرب، وحمّلهم مسؤولية حملها إلى البشرية، وائتمنهم عليها، فإنه من تحصيل الحاصل أن نبين أو نوضح مقدار مسؤولية الأمة العربية تجاه هذه الدعوة الكريمة، التي شرفهم الله بها وحملهم مسؤوليتها، والله سبحانه وتعالى، جعل الأمانة من العظمة والأهمية ما هو غني عن البيان، حيث قال سبحانه وتعالى:( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ) فبهذا، تعلم مقدار ما للأمانة من وزن وما عليها من مسؤولية.

فإذا كنا كعرب، في المشرق وفي المغرب وننتمي إلى هذا الأصل، وهو الأصل العربي، فإنه من واجبنا، بل من المفروض علينا، أن نؤدي ما يجب علينا تجاه هذه الأمانة التي حملنا الله، سبحانه وتعالى إياها، وأكرمنا بأن جعلنا أمناء عليها في هذه الدنيا “.

  • أليس من تناقض بين الوحدة العربية ودعوتكم إلى الوحدة الإسلامية؟

” حينما شرف الله سبحانه وتعالى هذه الأمة العربية، بابتعاث رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها كان هذا أكبر شرف تناله أمة على وجه الأرض، و إننا كعرب، يهمنا مايهم العرب، ويسرنا ما يسر العرب، ونتحمل قسطاً مما يجب على العرب أن يحملوه، وليس في ذلك بأس أو فضل، وإنما واجب علينا.

وهكذا إذا دعونا نحن العرب، إلى الوحدة العربية أو للاتحاد العربي، فأن ذلك لا يتنافى مطلقاً مع الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، وإنما في اعتقادنا أن الدعوة للوحدة العربية والاتحاد العربي كنواة لوحدة إسلامية كبرى، تكون كل الشعوب الإسلامية مرتبطة بها، على أسس ثابتة مدروسة تراعي فيها مصلحة كل شعب، ويراعى فيها حق كل شعب “.

  • مع ذلك، بدا أن المملكة لم تكن راضية عن بعض المشاريع الوحدوية؟

” .. انهم يتحدثون عن الوحدة العربية .. فليعلموا أننا أول من أسسها وبناها، ونحن أول من دعا إليها، وأنه لفخر عظيم لهذه البلاد أن تكون أول من أسس الوحدة، وذلك في عهد المغفور له الملك عبد العزيز، الذي سعى جهده لتوحيد أجزاء هذه المملكة، بعد أن كانت نهباً للفتن والقتال والنهب.

الوحدة العربية هي غاية كل عربي، والهدف الأسمى لجميع الشعوب العربية، ولذلك يجب أن تبقى فوق اهواء الأشخاص، وفوق الشعارات والاحزاب “.

  • ..وموقفكم من بعض المشاريع الوحدوية؟

” لا مجال في دنيا العرب لوحدة تفرض على الدول العربية بطريق القوة، والتحكم، كما حدث في بعض الأقطار، فنحن لا نقر ذلك وقد كفتنا تجربة سورية.

إننا هنا، مثلاً نعتز بصفتنا الإسلامية التي لا يمكن أن نتخلى عنها،والوحدة التي يدور الحديث حولها، يراد لها أن تكون قائمة على أساس مذهب معين واحد، فكيف يمكن لذلك أن يتفق مع وضعنا الإسلامي؟.

إن الوحدة العربية هي مطلبنا، وهي غايتنا، من سابق الزمان، وقبل أن يظهر في المحيط العربي أناس يدعون اليوم بعروبتهم، وبطلبهم للوحدة وبسعيهم إليها “.

  • ماهي الصيغة الوحدوية التي ترون أنها فعّالة ومجدية على الصعيد العربي، كنواة، أو كحركة انطلاقإيجابية نحو التضامن الإسلامي؟

” … إننا بحول الله وقوته ثابتون على مبدئنا،وهو طلب الوحدة العربية، الوحدة التي تنبعث من نفوس طيبة عن إرادة صادقة خالصة، ولكنها لا تنبعث عن اعتداء ولا عن تسلط ولا عن حكم بوليسي لا يرعوى، ولا يأخذ في العرب والمسلمين بقانون ولا بشريعة ولا بأخلاق سمحة “.

إن الوحدة هي الغاية التي يرمي إليها كل عربي يؤمن بعروبته وينشدها وهي الهدف الأسمى لجميع العرب، ولهذا ينبغي أن لا تكون لمصلحة شخص أو حزب، وإنما لتكون ثابتة الأركان قوية الدعائم “.

  • ألا تعتقدون أن ثمة مصاعب إقليمية وخلافات عربية، لابد أن تواجه أي مشروع وحدوي؟

” إن إنكار الذات في سبيل المصلحة العربية هو العلاج لقضايا العروبة، ولو تمكن العرب من العمل في هذا الاتجاه، لما حدث أي خلاف بينهم.

لقد سبق أن قلت وكررت بأننا طلاب وحدة، وحدة تقوم على أسس متينة تؤتي كل ذي حق حقه، وتحفظ التكافؤ بين الأمة العربية، ولا تترك مجالاً للشكوك والريب، و أن تأخذ سبيلها إلى قلب أبناء هذا البلد، لا إلى من يبنون الوحدة في تعاونهم فيما بينهم واتفاقهم في سبيل الوحدة “.

  • إذن، فالمملكة مستعدة للإسهام في أي مشروع وحدوي عربي، مع الحفاظ، طبعاً كما فهمت، على دورها الإسلامي، بل مبرر وجودها الإسلامي ..

” إننا نمد ايدينا ونفتح صدورنا لإخواننا العرب، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وللسير معهم لأقصى مدى، ونحن نعتبر هذا من أول واجباتنا، واننا على أتم الاستعداد للتعاون معهم لأقصى حدود التعاون، والوحدة العربية الحقيقية هي التي تراعي فيها العربي مصلحة أخيه العربي، كما يراعي مصلحته الخاصة، وإن سبيل الوحدة يجب أن يكون من الأساليب السياسية التي لا تداخلها بذرة الشك وعدم الاطمئنان.

واننا على استعداد للوصول إلى الغاية المرتقبة، بحول الله، وهي الوحدة العربية الشاملة، لكننا لا يمكن في حال من الأحوال، أن نتناسى ما لهذه البلاد من صفة إسلامية قدسية، تميزها عن سائر شقيقاتها العربيات، بوضعها الجغرافي ولوجود مقدسات المسلمين فيها، فنحن نقدس الإسلام قبل كل شيء ونحن نخدم الإسلام قبل كل شيء، ونحن نعتبر أن الإسلام هو ركننا الركين الذي لا نستبدله بأي شيء آخر”.

  • إن ذلك يعني أن تبتلع، إن صح التعبير- الوحدة الإسلامية .. الوحدة العربية، فكيف، وثمة من يزين هدف الوحدة العربية بشعارات ومبادئ لا تمت إلى العروبة ولا إلى الإسلام في شيء؟.

” إذا كانت الأمم والمجتمعات الإقليمية، كل يسعى لوحدة على حسب اقليمه، وعلى مقدار عنصره وقوميته، فإننا نسعى لوحدة أعظم و أعمق، هي وحدة العالم أجمع. وهذا ما دعا إليه محمد صلى الله عليه وسلم، فحين بعثه الله سبحانه وتعالى بشيراً ونذيراً، بعث الرسل إلى جميع أنحاء المعمورة في زمانه فبشّر وأنذر وبيّن السبل التي يهدي بها الخلق، فبلّغ الرسالة، وأدى الأمانة التي ائتمن عليها، فلم يبق قُطر في الأرض أو شبر إلا وبلغته رسالته، صلى الله عليه وسلم.

فهذه الوحدة، هي الوحدة الحقيقية التي تستهدف وحدة العالم أجمع، التي نسعى إليها بنشر المبدأ الإسلامي الصحيح، وليس المبادئ الهدامة، أو الملحدة أو التي تتوارى وراء الستر والشعارات والحجب، وإنما أهدافها هي ضد مصلحة بني الإنسان، وانما تسعى لأغراض حزبية أو شخصية، أو أغراض استعمارية أو توسعية “.

  • أفهم من ذلك إنكم تعتبرون الوحدة العربية مرحلة، والوحدة الإسلامية هي الوحدة الحقيقة والهدف الأسمى؟

” نعم، إن وحدة الإسلام هي الوحدة الحقيقية، و إن هذا البلد الطيب له صفته الإسلامية التي لا يمكن أن يتجرد منها أو يتخلى عنها، فهو محط أنظار المسلمين، وهو يحتوي على قبلة المسلمين، وعلى حرم رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى منبع الرسالة، وعلى مبعث النور والهدى، لذلك، فإن الإسلام قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وكل شيء غير الإسلام لا يمكن أن يؤثر على اتجاه هذا البلد الأمين نحو إسلاميته ونحو دينه القوي “.

  • تنطلقون من النظرة الإسلامية في معالجة القضية الفلسطينية …

” … ليست( قضية فلسطين ) قضية سياسية، وليست قضية اقتصادية، ولكنها قضية إنسانية إسلامية … إن فلسطين تحتوي على الحرم الثالث، وتحتوي على تاريخ المسلمين والعرب من مئات آلاف السنين..”

– لاحظت أنكم لم تأتوا على ذكر القومية العربية، هذه الموجة التي تقولبت تحت شعارات ومبادئ شتى، و أضحت لدى البعض مذهباً وعقيدة، ألا تؤمنون بالقومية العربية؟

” عقيدتنا الإسلامية ليس فيها عنصرية ولاقومية ولا جنسية، إلا حقيقة أن لا إله إلا الله و أن محمد رسول الله، فإذا تمسكنا بهذه العقيدة، فنحن بحول الله تعالى منتصرون.

ليست القومية العربية مذهباً، وليست مبدأ، وليست عقيدة، وإنما هي حس ودم ولغة، ونحن لا نحتاج إلى إقامة الدليل على قوميتنا العربية.

إننا نريدها دعوة ونهضة إسلامية، لا نهضة قومية ولا عنصرية “.

  • أسهم الغرب والشرق وكل مناوئ للإسلام، كل بطريقته، بالسر والعلن في تصوير المسلمين وكأنهم كسالى متواكلون، ما اعتادوا تحمل مسؤولية ما.. ألا ترون أن انعكاس مثل هذه الدعاية الضخمة، مع الاعتراف بأن فيها بعض الصحة، يشكل إحدى الصعوبات التي تواجه دعوتكم؟

” في العالم دعاية ضد المسلمين أنهم أمة التواكل وأمة الكسل وأمة نبذ المسؤولية عن الغير، وهذا ليس بصحيح، إلا إذا كان أحد المسلمين يتكل أو يعمل بخلاف دينه، وشريعته، وعقيدته، فيمكن أن يوصف بهذا الوصف، أما إذا كنا نتمسك بديننا وعقيدتنا وشريعتنا هي شريعة العمل، ودينا هو دين الاجتهاد والمثابرة وطلب الخير، إينما كان وحيثما كان ولم يرد في أي موضع من الكتاب أو السنة  حث أو أي توجيه إلى التواكل أو الكسل أو الاعتماد على الآخرين، إنما كل ما ورد يحث على العمل، ويحث على الاجتهاد، ويحث على كل ما فيه الخير للمسلمين، ولغيرهم كذلك من البشر، فإذا كنا نريد أن نحقق اهداف ديننا وعقيدتنا، ونتماشى مع تعاليم الإسلام الشريف فيجب أن نعمل، ونعمل، ونعمل أكثر ما يمكن “.

  • يذهب المغرضون إلى القول أن دعوتكم إلى تضامن المسلمين ماهي إلا قبيل التحريض للأقليات الإسلامية في بعض الدول، على التمرد و إشاعة الفوضى.

” إن ما ندعوا إليه لا يعدو أن يكون رغبة في تقارب المسلمين فيما بينهم وتفاهمهم وتحاببهم والنظر فيما يتعلق بأمورهم الاجتماعية والدينية، والسعي لإصلاح ما فسد من شؤونهم دينية ودنيوية، وفي اعتقادي ليس في هذا أي ضغط ولا أي تحدٍ أو تجني على أي بشر، وإننا لا ندعو المسلمين أن يكونوا اعداء لأحد، ولا أن يعتدوا على أحد، ولا أن يقاوموا بغير الحق، وإنما ندعوهم أن يكونوا إخوة متحابين في سبيل الله، في سبيل أنفسهم وأوطانهم، ليكونوا كما أرادهم الله خير أمة أخرجت للناس.

إننا لا نطلب من الهيئات أو الأقليات المسلمة أن تكون من العناصر المخربة أو المشاغبة بل نطلب منها أن تكون من المواطنين الصالحين وهذا لا يمنعهم من أن يتعاونوا مع اخوانهم المسلمين وبحث شؤونهم الدينية والاقتصادية لرفع المستوى المعاشي.

إن المسلمين في العالم يشكلون فئتين فئة تحكم نفسها بنفسها وهؤلاء عليهم أن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله وأن يقوموا بما هو مفروض عليهم في إصلاح شؤون المسلمين سواء في بلادهم أو البلاد الأخرى.

أما الفئة الثانية، فهي الأقليات في البلاد الأخرى، فهؤلاء عليهم أن يقوموا بما يجب عليهم من خدمة دينهم، واتباع ما أمر الله، سبحانه وتعالى، ونحن لا ندعو هؤلاء الاخوان أن يثوروا في وجه دولهم، وأن يقوموا بما هو خارج عن النظام، ولكن أن يحكّموا كتاب الله وسنة رسوله فيما بينهم وفي نياتهم وفي عقائدهم، وأن يسالموا من سالمهم، وأن لا يكونوا عنصراً هداماًأو مخرباً، لكننا في نفس الوقت ندعو الدول التي يوجد فيها أقليات إسلامية، أن تعطي هذه الأقليات حريتها في ممارسة معتقداتها، وفي العيش بسلام كمواطنين صالحين “.

  • هناك تيار قوي، وأكاد أقول تياراً جارفاً، في داخل العالم العربي نفسه، يغلف نظرياته الاشتراكية في ضوء المفاهيم والعقائد الإسلامية، معتبراً أن الإسلام هو نظام اشتراكي اصلاً، و إن لا تناقض بين الإسلام والاشتراكية .. “.

” إن الإسلام قائم بذاته، وهو ليس بحاجة إلى أن يستعين بأي شيء آخر وهو النظام والتشريع الصالح للبشرية، ولو دققنا في شريعتنا وفي عقائدنا، لوجدناها في غنى عن كل ما يمكن أن يصدر أو ينبعث من أي مذهب أو عقيدة أخرى، ولا يمكن لأي نظام أو قانون وضعي أن يبلغ ما بلغ دين الإسلام من تنظيم وترتيب وتحقيق لمطالب البشر، منذ أن خلق آدم إلى أن تقوم الساعة.

يقولون إننا نحارب الاشتراكية، فنحن كمسلمين نؤمن بالله، وشريعتنا القرآن فإذا كانوا يدعون إن الاشتراكية لا تتنافى مع الإسلام، فلماذا يدعون إلى ترك الأصل والتمسك بالفرع؟ أما إذا كانت خلاف الإسلام، فليقولوها صريحة، وليكشفوا عن غاياتهم ومراميهم، وحينئذ يكون لكل اختيار المنهج الذي يريده، واذا كنا نقيس –من المقياس- الاشتراكية بالإسلام، ففرق بعيد، لإن الإسلام واضح وعدالته واضحة، وكل شيء فيه واضح، إنما المهم  أن نفهم، نحن المسلمين، حقيقة ديننا … فالعدالة والحق والمساواة والتقدم والقوة كلها في الإسلام.

هناك في عالمنا اليوم، من يدعي إن الحضارة والتطور والتقدم والرقي، لا تتفق مع المنهاج الإسلامي، فلقد كذبوا على الله، وكذبوا على أنفسهم، فإنه لا يقول هذا القول إلا جاهل مركب، أو جاهل مكابر.

إن الشريعة الإسلامية، وما جاء به محمد، صلوات الله وسلامه عليه، هما أصل الحضارة وأصل الرقي، وهما أصل التقدم وأصل القوة، ولقد ورد ذلك في عدة مواضع من القرآن الكريم، وعلى لسان نبي الأمة، وفي كثير من الأحاديث وروايات العلماء عن أسلافهم، وأن ما ينقصنا اليوم هو أننا، ولسوء الحظ، أصبحنا مقصرين في تفهم وتدبر شريعة الإسلام التي ندين بها، وبالتفقه في ديننا، وبالتنقيب عن معانيه العالية السامية الروحية، ولذلك وجد من يقصد الشر والسوء، تفريقاً بين صفوف المسلمين، حتى أصبح هناك فكرة تزعم تعارض الشريعة الإسلامية أو الدين الإسلامي مع التقدم والتطور… فكرة لا أقول أنها سائدة بين الكل، ولكنها تجد لها مجالاً وتردداً في بعض المنتديات “.

  • إذن، أنتم ترون أن الشريعة الإسلامية كافية لتطوير حال المسلمين وتقدمهم، وأن لا حاجة بهم إلى أن يستقوا مما يسعى اليوم بالفكر السياسي والاجتماعي المعاصر.

” اننا، ولله الحمد، نجد في شريعتنا ما يقربنا ويكفينا من أن نستورد أية شريعة أو أي منهج أو أي قانون من بلاد أخرى “.

وقد سمعت من بعض رجالات الفكر الأجانب من يستشهد بأن في الإسلام من الفوائد ومن المبادئ ومن الأسس ما ينقذ البشرية اليوم مما هي فيه، من اضطرابات ومن تصادم على مطامع دنيوية لا تمت إلى مصلحة البشرية بأية صلة فإذا كان هذا قول غير المسلمين في الإسلام، وفي شريعة الإسلام، فما بالنا نحن المسلمين نتنكر لديننا ولشريعتنا ؟.

إن أخشى ما يخشى على المسلمين، هو إدخال الشك في نفوسهم من عقيدتهم ومن دينهم…

فإذا كنا نريد أن نكون مسلمين حقاً، فيجب أن نتبع ما جاء به صلوات الله وسلامه عليه، بوحي من ربه، وأنه من باب تحصيل الحاصل أن أعدد ما في شريعتنا مما يمكن لكل إنسان أن يأخذ بها، إذا أراد أن يسعى إلى الخير، و أن يصل إلى اهداف الاطمئنان والاستقرار وخدمة الجموع “.

إذا أردنا لامتنا وشعوبنا الخير، فإننا لسنا في حاجة لان نستورد لأي بلد أو وطن أو أمة أية آراء أو أية عقائد أو أية قوانين من الخارج، وسبق أن أستفاد نابليون من الشريعة الإسلامية، حينما حضر إلى مصر، واختلط بعلماء المسلمين وفهم منهم القواعد الإسلامية، فاتخذ منها قواعد بني عليها نظامه ودستوره الذي لا تزال كثير من الأمم تأخذ به وتستنبط منه دساتيرها وقوانينها، والفضل في ذلك هو للشريعة الإسلامية وليس لنابليون نفسه، الذي أخذ من الشريعة الإسلامية ما بني عليه هذه القواعد وهذه الأسس، التي يؤخذ منها اليوم كل دستور، ويستند إليها في جميع القوانين والأنظمة.

ولذلك، فإننا نعتبر أنفسنا الأصل وهم الفرع، لقد استفادوا من شريعتنا فيجب علينا، نحن المسلمين، أن نستفيد الفائدة كلها، وأن نفتخر، ونعتبر بأن شريعتنا هي أساس يستفيد منه الغير، ويفيدنا، نحن المسلمين في كل ما نشرح وفي كل ما نتجه إليه.

وحين نقول الدعوة الإسلامية، فإن ديننا وشريعتنا تحتوي في مضامينها وفي تشريعاتها على كل ما فيه خير البشرية، من تقدم ومن علم ومن ثقافة ومن اقتصاد ومن تشريع محكمّ، يمنع الظلم، ويحقق العدل والمساواة بين جميع البشر.

إن شريعة الإسلام هي شريعة الله، وقد انزلها على نبيه، وهو سبحانه وتعالى أعلم بمصالح خلقه، فوضع لهم هذه الشريعة وهذه التعاليم السماوية ليسعدهم في دنياهم وفي آخرتهم “.

فلماذا نستبدل أسسنا الحقيقية بأسس أقل ما يقال عنها، أنها ليست مكتملة العناصر لتحقيق سعادة البشر … ؟”

  • هل يمكن التحكم في النمو التمصر – من المصرية- السريع في المملكة، بحيث يمنعان من الأضرار بطريقة الحياة الإسلامية هنا، و العودة بالعالم الإسلامي كله إلى أصالته وجذوره الحقيقية؟…

” نحن لا نعتقد أن التطور يتعارض مع عقيدتنا ومبادئنا التقليدية، وهذا لا يعني اننا سنسمح بالانحلال الذي ينتشر في بعض مناطق العالم، فالانحلال في كل صورة، ليس ثمرة للتطور، بل عائقاً له …”.

  • يقول بعض المفكرين، وبينهم من يدعي أنه من المفكرين الإسلاميين، بأن ظروف التقدم العصري تقتضي مسايرة الإسلام لها، وتعديله في ضوئها، وحسب تطور هذه الظروف …

” إن الإسلام واضح، وطريقه نيّر ومستقيم، لا يحتاج إلى تعديل أو تغيير، فإن معنى الإسلام وما يدعو إليه، هو التآخي والتعاون والسلام، ومحبة الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه، وإن هذه الهزات وهذه الإعتراضات لن تغير ولن تتبدل من قواعد الإسلام ومناهجه “.

  • ألا تعتقدون أن ذلك كله، الذي تحدثتم به عن الإسلام، ليس واضح الملامح ولا المعالم، عملياً وتفصيلياً، في أذهان مسلمي اليوم … أقصد أنه ليس هناك تفكير إسلامي حديث يواكب التطور العصري السريع، الذي يعايشه المسلمون يومياً، ويفرض نفسه عليهم… وبعبارة أكثر وضوحاً( إن نجحت )؛ ليس هنالك ” إسلام يومي ” – لو صح التعبير- يحياه المسلم، بعدما يفرض نفسه عليه، بدافع عفوي ومصلحي.

” لست في مجال لأعدد الآن ما عليه المسلمون في أقطار العالم، كلنا نعلم حالة المسلمين، وكلنا نعلم ما وصلنا إليه من نقص ومن قصور ومن تراخ.

إذا كان المراد هو المصلحة، فإن شريعة الإسلام كفيلة بتحقيق كل مصلحة، أما إذا كان بعض منا، نحن المسلمين، لم يقدّروا الشريعة على حقيقتها، أو لم يفهموا معناها، فهذا ليس من أصل الشريعة، ولا مبرر له، وإنما هو بعيد عن الحق، ومصدر للشر “.

  • و إلى ماذا تعزون حالة المسلمين الراهنة؟.

” مرت على المسلمين حقبة حكموا بالاستعمار، فصدهم عن دراسة دينهم وشريعتهم، ووجههم وجهات أخرى، لدراسة المبادئ والتيارات و الأهداف التي يريد الاستعمار من ورائها القضاء على الإسلام “.

حاول الاستعمار أن يقضي على تأثير الإسلام، فلم يقدر، حاول أن يقضي على تأثير الإسلام بالاحتلال والخبث والضر، فلم يتمكن، حاول الاستعمار أن يقضي على تأثير الإسلام بمحاولة المحو والإبادة، كما جرى في بعض الأقطار الإسلامية، فاحتار في الأمر … وأخيراُ لجأ إلى طريقة جهنمية، وهي أن يحارب الإسلام بالمسلمين، ولسوء الحظ، نجحت هذه الخطة فأصبح المسلمون حرباً بعضهم على بعض … وأصبح المسلمون يشككون بعضهم في البعض الآخر، وأصبح المسلمون يتنكرون بعضهم لبعض، وعزفوا عن دراسة دينهم، وعزفوا عن معرفة تاريخهم وتاريخ أمتهم وتاريخ أسلافهم، ولو أني أتيت بعض المدارس أو بعض المعاهد في بعض البلدان الإسلامية، لوجدتهم يفضلون دراسة أفلاطون ومذاهب ماركس وانكلز وأدب شكسبير، وما إلى ذلك .. وكأن الإسلام فقير، أو كأنه لم ينجب من علماء المسلمين من هو أفضل وأعلم من هؤلاء، والسبب في ذلك، هو ما أدخل على برامج التعليم في البلاد الإسلامية من توجيه شرير خطير صرف أبناء المسلمين عن دراسة تاريخ الإسلام، أو تتبع تاريخ الإسلام وتراث الإسلام، والتعمق في دراسة الشريعة الإسلامية على حقيقتها، فعلينا أن نتدارك وأن نسعى لتلافي هذا النقص، وأن نعمل له جاهدين “.

  • كيف؟

” على المسلمين أن ينتخبوا نخبة منهم في جميع أقطار الأرض، وتجتمع في هذه البقعة المباركة كل سنة، فنتدارس أمور المسلمين وتصحح ما أعوج منها، وتقوّم ما هو ثابت منها، وتسعى إلى تثقيفنا في أمور ديننا وفي أمور دنيانا، لأن دين الإسلام دين ودنيا، وهو دين سياسة ودين كل ما تتطلبه حياة البشر، وهو الشريعة التي سنها ربنا، سبحانه وتعالى، لعباده، وهو أعلم بمصالحهم، وهو أعلم بكل ما يتعلق بحياتهم ومعادهم.

ربما كان هناك بعض النقص في أننا لم نتذكر، ولم نتدبر ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله، ولم نتفهم معانيها، فعلينا أن نبحث في هذه الناحية.

وإنني كمسلم، أرى في شريعتنا الإسلامية ما يحقق كل خير، سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية الاقتصادية أو من الناحية الثقافية أو من الناحية الصحية وفي كل نواحي الحياة، لأن الله سبحانه وتعالى، هو خالق البشر، وهو مكوّن الكون، فلا يمكن أن يستن لهذا الكون شريعة، ويأمر باتباعها، ويكون فيها ما يختلف مع مصلحة هذا الكون، ومع مصلحة البشر … “.

  • هل تقترحون أسلوباً لاجتماع نخبة المسلمين، التي دعوتم إلى انتخابها لدراسة شؤون المسلمين … أعني متى وكيف ، بعدما أكدتم على ضرورة اجتماعها سنوياً في الأرض المقدسة؟

” في الإمكان استغلال فرصة أداء فريضة الحج، بأن تتقدم نخبة من المسلمين فيجتمعوا كل عام ليتدارسوا أمر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولينظروا ماذا يجب على المسلمين أن يفعلوه، سواء في علاقاتهم مع بعضهم بعضاً، أو في علاقاتهم مع غيرهم.

فالواجب علينا جميعاً أن نعالج أداؤنا، وأن نتخذ من الفرصة التي حباها الله، سبحانه وتعالى، للمسلمين، وهي فرصة الحج إلى بيت الله الحرام، منطلقاً للنظر في شؤوننا وتعقب أدواتنا وعلاجها وإصلاح أمورنا والتقفه في ديننا، والقيام بكل ما أوجبه الله علينا من خدمة ديننا “.

  • المملكة العربية السعودية منطلق الإسلام، بالإضافة إلى أنها أكبر منتج للنفط في الشرق الأوسط .. أليس من المحتم، مع استعمالكم النفط سياسياً، أن تلعب المملكة دوراً أكثر بروزاً وفعالية لتوفير الزعامة السياسية للعرب، ثم ما الدور الذي ترون أن على المملكة أن تلعبه في المنطقة ..؟

” إننا لا نتطلع إلى الزعامة، وكل ما نرمي إليه هو إقرار السلام في المنطقة، السلام المرتكز على الحق والعدل، لتأمين حياة أفضل لجميع شعوبها “.

  • ما هو دور المملكة، في رأيكم، عربياً وإسلامياً و دولياً، ومالذي حققته على هذه المجالات في عهدكم؟

” من المحرج لأي شخص أن يتكلم عن نفسه، أو عن أعمال هو مسؤول عنها شخصياً، ربما بإمكان الآخرين أن يتكلموا عن الدور الذي تلعبه المملكة في المجال الدولي، نحن طبعاً بإمكاننا التكلم عما نفعله، أما الحكم على عملنا فيجب أن يأتي من غيرنا “.

إن المملكة العربية السعودية، التي أتشرف بخدمتها، تشغل القسم الأكبر من الجزيرة العربية، وهي فضلاً عن مكانتها في المحيط العربي، تحتل مركزاً هاماً في العالم الإسلامي، لأنها منبع الحضارة ومهبط الوحي والرسالة الإسلامية الخالدة، التي أفاضت على العالم أجمع بما قدمته له من حضارة وتقدم، وستبقى على مر العصور، المؤتمنة على التراث الإسلامي، والحامية لأماكن الإسلام المقدسة، التي تهوى إليها افئدة ستمائة مليون من البشر، يستقبلون يومياً قبلتها، ويؤدون فيها ركناً من أركان دينهم.

ومن هذا المعين الروحي، الذي لا ينضب، تستلهم المملكة العربية السعودية سياستها.

إن هذا البلد الطيب، له على الجميع حقوق وواجبات، فعلينا أن نجدد ماضيه، وأن نستنير بهدي من سنته، صلوات الله وسلامه عليه، وأن ندافع عنه متعاونين، وأن ننشر دعوته فيما بيننا، قبل كل شيء، ثم في أرجاء العالم بأسره.

سياستنا العربية، سياسة أخوة ومحبة وتعاون، في نطاق ميثاق الجامعة العربية وإننا مع أخواننا العرب في كل ما يهمهم، وفي أي قضية، أو مشكلة، تعرض لهم، وسنكون بحول الله وقوته، في المقدمة لا في المؤخرة، وكل ما نرجوه من إخواننا العرب، أن ينظروا إلينا نظرة محبة، وأن لا يكونوا مصدر أذى أو متاعب.

علاقاتنا بإخواننا المسلمين، سواء كانوا دولاً إسلامية أو مسلمين في بلد غير إسلامي، هي علاقات الأخوة و المحبة، مع السعي لتوطيد هذه العلاقات، التي يفرضها علينا ديننا وشريعتنا.

وأنه لما يثلج صدورنا، أن نكون من العوامل الفعالة لاستقرار السلم، ونشر العدالة في المجموعة البشرية “.

  • تحدثتم عن تضامن المسلمين وبينهم واجب المسلمين جميعاً في هذ السبيل، لكن هناك من يعتبر مدرستكم هذه تستهدف العمل، في النتيجة، ضد أبناء الديانات الأخرى كالمسيحيين، مثلاً، زاعماً أنها تقوم – أي مدرستكم- علىعصبية دينية …!

” إن الأسس الإسلامية ليست مقصورة بفائدتها، وما يرجى منها، على المسلمين فقط، فإن في إمكان غير المسلمين أن يستفيدوا من القواعد الإسلامية وأن يتخذوا منها مدارس ليشرعوا بها لبلادهم ولشعوبهم، بما يتفق مع أوضاعها ومقتضيات حياتها، ذلك إن الرسالة الخالدة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، هي للبشر أجمع، وليست لقوم دون قوم، ولا لجنس دون جنس.

ولا يفوتني في هذه المناسبة، أن أدلل على أن الإسلام هو دين الحق وهو دين الحرية، وهو دين التسامح، لأنه حيثما انطلقت لفتة من حاضرة الفاتيكان بمناسبة رأس السنة الميلادية، على لسان حضرة البابا بولس، حيا فيها المسلمين، وحيا فيها دين الإسلام .. استقبل المسلمون هذه اللفتة بكل ترحيب وبكل شكر وامتنان، وإن في هذا المظهر ما يرد كيد الكائدين، ودس الدساسين الذين يصفون المسلمين بأنهم دعاة عنصرية، أو دعاة تفرقة بين الأمم أو بين البشر.

وحتى لو كان هناك بعض الخلافات أو بعض المآخذ، فإننا نتبع ما جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه، من ربه، في قوله، سبحانه وتعالى ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن ).

إن الطريق الوحيد إننا كعرب مسلمين، والمسلمون في العالم كله، ومن ينحو نحوهم من أصدقائنا من المسيحيين .. أن تعتمد، قبل كل شيء، على الله، وأن نعود إلى ربنا، بإيمان وإخلاص.

ونحن ندعو غيرنا من جميع أتباع الديانات السماوية، إلى التعاون مع أخوانهم المسلمين، فيما يصلح للبشرية وما يصلح للعالم، في وقت أصبحت التيارات الهدامة تتجاذب الناس وتأخذهم يميناً وشمالاً، وتعمل هدماً في أقتصادياتهم، وفي معنوياتهم، وفي كراماتهم، وتسلب الفرد كرامته كإنسان، خلقه الله ليعمل ويكون كريماً “.

  • هل ترون امكان انبعاثعربي إسلامي جديد، ومن المملكة العربية السعودية بالذات، كما حصل في فجر الإسلام الأول، يقود حضارة إنسانية؟

” هذا ممكن جداَ، وفيما اعتقد، أن التاريخ يعيد نفسه، فتكون هذه البلاد المقدسة منبعاً لنهضة وانتشار دعوة عامة، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الأسس التي قامت عليها الدعوة العربية، وهي الدعوة الإسلامية، ولاشك أن الدعوة الإسلامية هي الإساس والمنطلق الوحيد الذي أنطلق منه العرب لانتشار دعوتهم في العالم أجمع.

فإذا عدنا إلى وضعنا حينذاك في تاريخ الإسلام الأول، فليس ببعيد أن نقتفي آثار اسلافنا، وننشر في العالم قبساً من نور.

إن هذه البلاد، وأبناء هذه البلاد قامت على أكتافهم نهضة الإسلام الأولى، وستقوم عليها نهضة الإسلام في الوقت الحاضر. ..” (2)

  • من صحيفة، الغارديان، اللندنية، تاريخ 14 آذار 1973م.
  • استخرجت جميع أجوبة الإمام الشهيد، رضوان، الله عليه، في هذا الحوار من مختلف خطاباته، وتصريحاته واحاديثه الصحافية والتلفزيونية والإذاعية، التي أدلى بها في أوقات ومناسبات مختلفة.

المصدر:

  • زهديالفاتح،حوارمعالإمامالشهيدفيصلبنعبدالعزيزعنالتضامنالإسلامي،مجلةالدارة،العددالثالث،السنةالأولىشعبان 1395هــ/ سبتمبر 1975م.