العنوان فؤاد حمزة مذكرات ووثائق(1342-1372هــ/1924-1951م)
المؤلف إعداد و تعليق: فهد بن عبد الله السماري
مكان النشر الرياض
دار النشر دارة الملك عبد العزيز
تاريخ النشر 1437هــ/2016م

صدر الكتاب في عام 1437هــ/2016م، عن دارة الملك عبدالعزيز في الرياض في مجلدين. والكتاب عبارة عن مدونات يومية، كتبها فؤاد حمزة على مدى خمسة وعشرون عاماً، أثناء عمله في حكومة الملك عبدالعزيز.
جاءت المذكرات في مجلدين في (732) صفحة، وزودت بملحق يحوى صوراً و وثائق تخص الفترة الزمنية.
وفؤاد حمزة من لبنان، ولد في عام 1317هــ/1899م، التحق بخدمة الملك عبدالعزيز، عُيّن عام 1345هــ/1927م مترجماً خاصاً؛ لأنه كان يجيد اللغة الانجليزية، ثم عُيِّن معاوناً لمدير الشؤون الخارجية، ثم وكيلاً لوزارة الخارجية في عام 1349هــ/1930م، ثم في عام 1358هــ/1939م وزيراً مفوضًا لدى فرنسا، وفي عام 1362هــ/1943م مفوضاً لدى تركيا، وفي عام 1366هــ/1947م وزيراً للدولة، ومسؤولاً، عن المشاريع العمرانية، وشركات الاستثمار.
كما أنه ألف العديد من الكتب منها (قلب جزيرة العرب والبلاد العربية السعودية) في بلاد عسير ووصف تركيا.
أما عن المذكرات فيقول المعد و المعلق عليها د.فهد السماري أنها كانت: ” عبارة عن سجل يوميات، يكتبها فؤاد حمزة على هيئة رؤوس أقلام في دفتر نوتات جيب صغيرة، ثم ينقلها في دفاتر مخصصة لليوميات كبيرة، ويلحظ أنه عندما ينقل من تلك الدفاتر الصغيرة إلى الدفاتر الكبيرة، يزيد فيها ويفصِّل. كُتبت هذه المذكرات بشكل جميل، ولغة عربية سلسة ورائعة، وجاءت على هيئة يوميات؛ بحيث يورد المعلومات والأحداث التي حدثت في ذلك اليوم، كما اتسمت المذكرات بالاستطراد الواسع، وبخاصة في المدة التي قضاها فؤاد حمزة في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لذا فإن هذه المذكرات تضيف شيئاً جديداً بشأن الأحداث الدولية في تلك الحقبة، وعلاقتها بالعالم العربي بصفة عامة، والمملكة العربية السعودية بصفة خاصة. ومما تضيفه هذه المذكرات أيضاً، الحوارات السياسية التي تداولها فؤاد حمزة مع الموظفين، والدبلووماسيين الفرنسيين والألمان، من أحداث الحرب العالمية الثانية وتطوراتها، ومواقف فرنسا، والمانيا، ودول أخرى تجاه القضايا العربية والاسلامية “.
تحوي المذكرات معلومات دقيقة، وتفاصيل لا تتوافر في مصادر أخرى، وهي على درجة عالية من الأهمية. و نورد فيما يلي مقتطفات مختارة من المذكرات:-
الخميس 19 شوال 1345هــ/21 ابريل 1927م
أبلغت هؤلاء الأشخاص بأمر الأمير، وأنهم عُينوِّا، ليذهبوا يوم الجمعة غداً إلى بحرة؛ للاجتماع والمذاكرة في التدابير اللازم اتخاذها لمكافحة الجدري مدير الصحة، وقائم مقام جدة، مدير الكرنتينا، الفضل (عبدالله)، عبدالله السليمان، يوسف (ياسين)، وأنا، والعتيقي (عبدالعزيز) وحسين عدنان.
كلم المعتمد البريطاني يوسف عن وصول الخطاب بمنع عمل باخرة المساحة، واحتج واحتد، فصمد له يوسف تماماً حسب الاتفاق الذي تم بيننا، فطلب المعتمد أن يخابر الأمير بالأمر فقال له يوسف: وهل تظن أنا نفعل أمراً دون أن نأخذ أمراً من الأمير به؟ ومع ذلك فإنني أطلب الإذن لك بذلك. ثم كلم الأمير وأجابه بأنه أحال الأمر للخارجية، فعليه أن يتفاهم معها، وهذا الموقف الشريف الذي وقفه الأمير والذي وقفه بالأمس في قضية بيت هانكي، لكي ترد كيد الانكليز وتعلمهم أن هنا إدارة على غير الطراز الذي لهم به عهد، وأن هذه الأمة تحت زعامة المليك المفدى، عازمة على أن تسير حرة من جميع القيود والأغلال وغيرها. سهرنا عند الأمير مع يوسف، وكسبت فيه الرهان بعدم وصول النجاب اليوم، والرهان غداً، وركوب في السيارة إلى محل السباق. وقع شجار مع حسين عدنان؛ بسبب كوني مراقباً لحضور الموظفين، وأمر بأن أسير في العمل كما في السابق، دون الالتفات إلى ما عمله حسين عدنان من ترتيب دفتر آخر.

السبت 28 شعبان 1354هــ/2 نوفمبر 1934م
توفي مساء أمس الأمير فيصل بن عبدالعزيز بن سعود بن فيصل، وهو من أقرب الأمراء من آل سعود التصاقاً بالملك، لأنه يجتمع معه في جده فيصل. وهو متزوج من سارة بنت عبدالرحمن اخت الملك (شقيقة عبدالله)، وفي الليل عزينا الملك فذكر شعوره حين الوفاة وأن الموت حق، وأن عدم البكاء والعويل من شروط الدين، وأنه سمع ابنة لفيصل تعول، وقال: إن الميت يتألم في قبره من البكاء عليه، لأن الموت أمر محتوم، وقضاء مكتوب على الإنسان، وعمر الإنسان قصير بنسبة ما ينتظره في الجنة. وشرع في بحث ما قيل في الموت، وماذا يجري على المائت.
الاربعاء 10 رجب 1359هــ/14 أغسطس 1940م.
حل برقية الملك، وفيها عن أمر سفري إلى باريس، وسؤال الإنكليز والعراق عن أسبابه.
بناءً على اتفاق سابق بيني وبين المسيو لاغارد، مدير الشؤون الإفريقية والشرقية في وزارة الخارجية، وقد رقي الآن إلى وظيفة أعلى من الحالية، وهي وظيفة مدير مساعد للأمور السياسية والتجارية، زرته في مكتبة – وفي نفس الوقت غرفة منامه- في أوتيل دي بارك، وتحدثت معه طويلاً عن الشؤون العامة وعن باريس وما فيها، وعن الموقف الداخلي والخارجي في فرنسا، وعن التيارات الخفية في السياسة العليا، وميلها إلى ألمانيا أو بريطانيا، ثم انتقلنا إلى موضوعنا الأساسي وهو موضوع سوريا.
ذكر لي أن الموقف الداخلي في سوريا لم يتغير كثيراً، ولكن الخوف والقلق يزدادان شدة وعنفاً، وحينما سألته هل هذا الخوف ناشئ عن التيارات الوطنية فقط، أم أن هناك قلقاً بين الجنود؟ فقال: إنه ناشئ عن الاثنين معاً برغم أن موقف الجنود قد تحسن قليلاً عن ذي قبل، وأنه حتى الآن لم يحصل أي رد فعل على مقتل الدكتور شهبندر، لا في الداخل ولا في الخارج، سوى أن القنصل السعودي رشيد زار المندوب السامي بناءً على أمر الملك؛ والقصد من ذلك إقناعه بعدم اتخاذ مقتل المذكور وسيلة سياسية للضغط على الوطنيين، وإلقاء المسؤولية عليهم، وأن المسيو بيو أجاب رشيداً بأن لا بد من اتخاذ التحقيق مجراه، فإن كانت ضمائر الوطنيين مستريحة، فمن الضروري أن لا يجزعوا ولا يروعوا من إجراء تحقيق القصد منه إظهار الحقيقة في مقتل زعيم من زعماء البلاد، ولكنه يوافق على عدم اتخاذ مقتل المذكور وسيلة سياسية للنكاية بالوطنيين، وقد قرأعلي نص برقية بيو، ولكن هذا لا يكفي لتبرير مقاصد الفرنساويين الخفية، والتي يمكنني أن ألاحظ بكل اطمئنان بأنها (سيئة ومليئة بالحقد والكراهية للعرب والمسلمين). وألاحظ أنني في أثناء حديثي معه، وسؤاله عن الأسباب التي أدت إلى مقتل المذكور، أخبرني أن قاتليه وعددهم خمسة، قد ألقي القبض عليهم وهم من النكرات، وربما كانت لهم صلة بالوطنيين. فقلت له: ولكن ما فائدة الوطنيين من مقتل الشهبندر، وحين فقد الأدلة والبيّنة يجب التحري عن الذي يستفيد من الحادث. فالواضح أن الوطنيين لا يستفيدون من مقتله مطلقاً، فقال: نعم، ولكن الشهبندر تظاهر بالنشاط أكثر من اللزوم، وأنني أفهم من هذا التصريح أن (نشاط) الشهبندر لم يكن لاقناع الناس بالاستمرار في صداقتهم لفرنسا أو للدعوة إليها، بل إنه –ولا شك- نشاط القصد منه غرض وطني شريف، ومن الممكن أم يناهض شخصاً يدعو إلى أمر فيه مصلحة الوطن سوى (ظلام الوطن؟) فإذن، إن ظنوني في أن مصالح الاستخبارات الفرنساوية هي التي رتبت مقتل المذكور، تجد في نفسي أثراً يزداد وضوحاً كل يوم. وحديث لاغارد وإشارته إلى نشاط الشهبندر، ثم محاولة الفرنساويين زج الوطنيين في القضية، أمارات وإشارات تدل على مصدر التحريك.
الأربعاء 17 رجب 1359هــ/21 أغسطس 1940م
برقية من الملك: أن أمتنع عن أي حديث مع الألمان.
برقية من الملك عن الامتناع عن استعمال الشفر، لأنه بلغه كونها تحل في كل مكان.
موقف جلالة الملك من حديثي مع الحكومة الألمانية
في أواسط الصيف من عام 1941م، بعد مضي مدة غير قصيرة على الهجوم الألماني على روسيا السوفياتية تبين أن الحرب طويلة الأمد، وأن الأمل في تقصير مدتها قد وهن جداً، بل على العكس، قد أصبح من الممكن امتداد لهيبها إلى بلدان أخرى في أوربا وآسيا، ولا سيما أن موقف الأتراك المهم الغامض، كان يحمل دوماً على القلق من تلك الناحية، فأجبت: أنه لا تجري كل هذه الأمور بينما أنا بعيد عن بلادي ووطني، وبينما تقاسي أوروبا ويلات الفاقة، والقلة، والمجاعة، وبينما تهددها أخطار الأوبئة، والأمراض، والقلاقل الاجتماعية وربما الثورات، كما أنني خشيت من انقطاع سبل المواصلات بيننا وبين الشرق، ولا سيما لأن مشكلة تلقي الأموال والمخصصات لم تحل، ولم أنجح في استجلاب أية أموال منذ نصف سنة تقريباً؛ ولذلك فإنني في أواسط شهر أغسطس أبرقت إلى جلالة الملك برقية، ذكرت لها فيها أنني ما كنت أعتقد أن ظروف الحرب تقضي علي البعد عنه مدة تقرب من سنتين، وأنني أود أن يأذن لي بالسفر لمقابلته، لا سيما لأن لدي من المعلومات عن المسائل الدولية المختلفة ما لا أستطيع أن أرسله، لا على لسان البرقيات، ولا بواسطة الرسائل، وما مضى على برقيتي بضعة أيام حتى تلقيت من جلالته برقية مصدرها الرياض (الشنطة)، بالطبع يقول فيها ما نصه (لا بأس من حضوركم إلينا لا بأس. عبدالعزيز) تاريخ 23 أغسطس 1941م رقم 6365.
ومنذ أن تلقيت هذه البرقية شرعت في إعداد معدات السفر، فأخليت البيت الذي استأجرته في فيشي بعد أن كنت عقدت إيجاره لسنة كاملة، وصرفت أغراضي، ووزعت ما في البيت من مؤن جمعتها بالغلاء الفاحش لوقت الحاجة، وذهبت إلى باريس؛ حيث صفيت أكثر أعمالي، وبعت قسماً كبيراً من السجاد الإيراني، والأدوات، والمجوهرات التي لا حاجة لنا بها، ولم أبق في البيت إلا القطع الكبيرة من السجاد والأثاث مما لم يتسن لي نقله أو بيعه، والحق أن عملية السفر هذه كلفتني عناءً كبيراً، ومالاً كثيراً، وسببت لي خسارة مادية كنت في غنى عنها، وبعد أن أتممت جميع ما يلزم للسفر من معاملات، أبرقت إلى جلالته بتاريخ 7 سبتمبر 1941م ما يأتي:-
(ستتم معاملة سفري في الأسبوع المقبل – إن شاء الله- وأتوجه براً بطريق سويسرا والبلقان، أرجو جلالتكم الأمر على رشيد لمراجعة السلطات لتسهيل دخولي، لأنه لا يمكن الحصول على تأشيرة إلى سوريا من هنا أو من الطريق).
فوردتني من جلالته برقية رقم 6017 بتاريخ 10 سبتمبر من الرياض معقدة مشوشة التركيب والرموز فهمت من مجموعها الذي نصه كما يأتي:-
عدم الرغبة في سفري،( من قبل تعريفكم هذا تبين لنا أن الأمر فيه مشكل عليكم – وحالة عسكرية … ونحن قد جربناكم فكلما راجعناكم عن شيء قالوا لنا: الآن أمر عسكري فييه المراجعة والآن … سفرك هذا غبن. الحكومة الفرنساوية، الأحرار، والحكومة البريطانية، وتركيا وغيرهم، ونحن للآن ما راجعنا أحد ولكن جازمين أن الوقت غير مناسب، فالذي نراه أنكم تتأخرون، وهذا هو رأينا و رغبتنا – عبد العزيز ).