مدينة إسلامية في مالي، كانت ذات ماضٍ مزدهر، وواحدة من أهم المراكز الثقافية، والتجارية، في غرب أفريقيا, وشكّلت رابطًا ثقافيًّا، وتجاريًّا، بين شمال أفريقيا وغربها، وأنجبت العديد من الفقهاء والعلماء. وأدت جوامعها دورًا فاعلًا في النهضة العلمية في العصر الإسلامي، ومن أشهر هذه الجوامع: جينغيري بير، وصنغور، وسيدي يحيى، التي كانت إلى جانب رسالتها الدينية، بمثابة جامعات تخرَّج فيها عددٌ كبير من العلماء.
أما عن نشأتها، فقد نشأت على أيدي الطوارق، في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، وكانت في البداية مقر إقامة مؤقت للقبائل البدوية، خلال ارتحالها إلى نهر النيجر؛ لسقيا مواشيها، ورعيها خلال المواسم، وكانت تقيم في ذلك المكان امرأة من الطوارق تسمى “بكتو”، تقوم على رعاية المسافرين المارين به، فكانوا يطلقون على المكان “تن بكتو” وتعني “محل بكتو “، ومن هنا أخذت المدينة اسمها، وينطقها البعض بإدغام النون في الباء “تمبكتو” وهو خطأ.
توافد السكان، والتجار، والعلماء إلى ذلك المكان، واستقروا به تدريجيًا، وحسب تعبير المؤرخ التنبكتي عبدالرحمن السعدي في كتابه تاريخ السودان: “صارت ( تنبكتو) مسلكًا للسالكين في ذهابهم ورجوعهم….ومأوى العلماء، والعابدين، ومألف الأولياء، والزاهدين”.
خضعت تنبكتو لسلطنة مالي، وزارها السلطان “منسى موسى” حين عودته من الحج عام 725هــ/ 1325م، وبنى بها ما يُعرف اليوم بـ “الجامع الكبير”. ثم خضعت لمملكة صنغاي ( 872-999هــ/1468 -1591م )؛ حيث شهدت عصرها الذهبي سياسيًا، وفكريًا، خاصة في عهد الملك الحاج محمد أسكيا (898-934هــ/1493-1528م )؛ الذي كان راعيًا للعلماء؛ مما انعكس على ازدهار المدينة.
اشتهرت تنبكتو كذلك بأنها مركز مهم للتراث الإسلامي المخطوط؛ حيث عكف علماؤها على التأليف، والنسخ، في مجالات عديدة باللغة العربية، وغيرها من اللغات المحلية المتداولة، وحُفظت تلك المخطوطات في مكتبات عامة في جوامع، رعاها ملوك صنغاي، وأغدقوا عليها، إضافة إلى المكتبات الخاصة التي اقتناها علماؤها.

دخلت تنبكتو في تبعية الدولة السعدية (961-1069هــ/1554-1659م) – التي حكمت المغرب- في عهد السلطان أحمد المنصور (986-1012هـــ/1578-1603م)، وكان ذلك بداية اضمحلالها؛ حيث تأثرت باضطراب أوضاع الدولة السعدية؛ مما نتج عنه تراجع النشاط الفكري إلى حد كبير؛ والذي انتهى باحتلال الفرنسيين لها منذ عام 1312هـ/ 1894م حتى 1380هـــ/ 1960م.
أما اليوم، فقد عادت تنبكتو إلى الظهور مجددًا، وإحياء مكانتها الثقافية والعلمية؛ من خلال عدة مشروعات؛ هدفت إلى الكشف عن التراث العلمي الإسلامي المخطوط؛ الذي تحتضنه مكتباتها العريقة. وتبنّت مؤسسات عديدة دعم مالي في هذا التوجه الثقافي المهم؛ فأدرجت “اليونسكو” الجامع الكبير في تنبكتو ضمن قائمة التراث العالمي عام 1413هــ/ 1992م، ثم نشرت مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي فهرسًا لآلاف المخطوطات؛ التي تحتفظ بها مكتبة “مركز أحمد بابا” الثقافي، كما تبنت جامعة كب تاون مشروعًا علميًا يهدف إلى فهرسة، وترقيم المخطوطات الثمينة التي تحتفظ بها مكتبات تنبكتو؛ وتنبع أهمية هذه المخطوطات مما تقدمه من معلومات غزيرة وأصيلة عن التاريخ الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي لتنبكتو خاصة، ومنطقة غرب أفريقيا بشكل عام.

المصادر:
السعدي، عبدالرحمن بن عبدالله بن عمران، تاريخ السودان، باريس، 1316هــ.
العبودي، محمد بن ناصر، سطور من المنظور والمأثور من بلاد التكرور، 1420هــ/1999م.
وناس، زمان عبيد، تمبكتو و أثرها الحضاري في العصور الإسلامية المتأخرة، عمّان، 2015م.
Encyclopedia of Islam and the Muslim World ,vol. 2, Thhomson Gale, 2004.
http://www.tombouctoumanuscripts.org/ar/about/history/
http://www.al-furqan.com/publication/bookid/100595