مسجد الصخرة و المسجد الأقصى

الفكرة الخاطئة

الحقيقة

يعتبر البعض أن المسجد الأقصى هو مسجد قبة الصخرة المسجد الأقصى وصفٌ يشمل كل المنطقة التي في داخل سور المسجد الأقصى، الذي يقع في الجنوب الشرقي من مدينة القدس القديمة، بما فيها مسجد الحرم القدسي، و مسجد قبة الصخرة

يُعد المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس أول قبلة للمسلمين، و أحد المساجد التي تشد إليها الرحال، لقدسيتها وفضلها إلى جانب المسجد الحرام في مكة المكرمة، و المسجد النبوي في المدينة المنورة.

أمــا تسميتــه، فالله سبحانــه و تعالــى ذكـره في كتابــه الكريــم باسم المسجــد الأقصــى و بــارك مـا حولــه، قــال الله تعــالـــى: “سُبْحَـانَ الَّـذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ...” (سورة الإسراء، آية رقم 1).

و تذكر المصادر: أنه ثاني أقدم مسجد وضع للناس في الأرض بعد المسجد الحرام، و ارتبط المسجدان معًا في مواضع كثيرة، منها ارتباطهما بالقبلة التي صلى إليها المسلمون، و ارتباطهما بالإسراء و المعراج لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم في التسمية التي شرفهما الله تعالى بإطلاقها عليهما في القرآن الكريم.

يقع المسجد الأقصى المبارك على مساحة واسعة جنوب شرق مدينة القدس القديمة، و يحيط بها سورٌ واحد، يقع باب الأسباط على حائطه الشمالي، و حائطه الغربي المعروف بحائط البراق الذي حوله الصهاينة منذ عام 1387هــ/ 1967م إلى حائط للمبكى، يمارسون فيه طقوسهم الدينية، أما في الجهة الجنوبية فيتحد حائطه الجنوبي مع سور مسجد الحرم القدسي الذي هو كذلك جزء من سور مدينة القدس القديمة، أما من الشرق، فيمتد سور المسجد الأقصى مع سور المدينة القديمة الشرقي إلى أن يتلاقى مع باب الأسباط في الجهة الشمالية.

و تضم الساحة مساجد و محاريب و منابر و قباب و آبار تشكل جميعها معنى المسجد الأقصى المبارك، و تنتشر المآذن و أماكن الوضوء على أطراف السور، و هي المرافق التي اعتادت العمارة الإسلامية على إلحاقها بالمساجد.

و أكدت المصادر أن هذه المنطقة قبل العهد الإسلامي كانت خالية من المباني، و أول بناء فيها هو المسجد، الذي أمر عمر بن الخطاب (13-23هــ/634-644م) رضي الله عنه بإنشائه بعد فتح مدينة القدس عام 16هــ/637م، و كان الهدف من إنشائه هو حماية المصلين من المطر شتاءاً و الحر صيفًا. و بُني المسجد بمواد بسيطة، تتلاءم مع بساطة البناء الإسلامي في تلك المرحلة. و لم يعمّر هذا المسجد طويلاً، مما شجع الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان (65-86هــ/684-705م) على بنائه من جديد في المكان عينه، و كان بناؤه ضمن خطة بناء واسعة استهدفت المنطقة، و ابتدأ البناء في مركز المسجد ببناء مسجد على الصخرة المشرفة التي تتوسط ساحة المسجد، و لهذه الصخرة مكانة كبيرة عند المسلمين، فهي مركز المسجد الأقصى المبارك، و شهدت معجزة معراج النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

 اشترك في بناء مسجد قبة الصخرة أبناء مدينة القدس على اختلاف أديانهم، و حسب ما ذكرت المصادر، فقد رُصد له خراج مصر مدة سبع سنين، و بُني خلال الفترة (66-72هــ/685-691م). و يعتبر المسجد من أجمل المباني التي شيدت في عهد الحضارة الإسلامية، و التي لا تزال تحتفظ بجمالها و تميزها حتى اليوم، و لا شك أن هذا المبنى الجميل قد أضفى بضخامته و روعته و تناسقه مزيدًا من الهيبة و الجلال على هذا المكان الطاهر.

و بعد أن فرغ عبدالملك من بناء مسجد قبة الصخرة، شرع في بناء مسجد الحرم القدسي عام 74هــ/693م مكان مسجد عمر بن الخطاب، و اكتمل البناء في عهد ابنه الوليد بن عبدالملك (86-96هــ/705م-715م).

رغم أن وسائل الإعلام المرئية نجحت في نقل العديد من الصور الفوتوغرافية للأقصى، إلا أن المعنى الحقيقي لهذا المسجد قد تشوّش في أذهان معظم الناس، فنجدهم يقولون إن التركيز يجب أن يكون على صورة الحرم القدسي و ليس على قبة مسجد الصخرة، و هذا يعكس نظرة قاصرة تفصل بين معالم المسجد الأقصى، و نجد أن معظم الناس لا يقيمون وزنًا للساحات التي تفصل بينهما، و الحقيقة أن هذين المبنيين ما هما إلا جزء من المسجد الأقصى.

و أشار بعض الباحثين إلى أن هذا اللبس في فهم معنى المسجد الأقصى لم يقع إلا في الفترات المتأخرة، و سعوا للبحث عن الأسباب التي أدت إلى اختلاط معنى المسجد الأقصى في أذهان الناس في هذا العصر، و تقلص هذا المعنى لينحصر في مبنى مسجد الحرم القدسي، الواقع في الجهة الجنوبية أو في معنى مسجد الصخرة؟ و أرجع بعضهم ذلك إلى أسباب منها:

السبب الأول: وقوع المسجد الأقصى و القدس تحت الاحتلال و بالتالي عزل المسلمين عن التواصل معه مما أضعف الصلة به.

السبب الثاني: دور الاحتلال الصهيوني في تشويه المعلومات و الحقائق المتعلقة بالمسجد الأقصى، و بمدينة القدس.

أما السبب الثالث: و هو الأهم، يتعلق بوجود مساحات خربة واسعة داخل هذا المسجد، و هناك مساحات أخرى مزروعة بأشجار الزيتون و غيرها، فهذه المساحات تتخلل ساحات الأقصى و تفصل بين مبانيه، و تنتشر مبانٍ أخرى من قباب و خلوات، كل هذا ساعد على تشتيت معنى الأقصى في أذهان الناس.

و تؤكد المعلومات أن معنى الأقصى لا ينحصر في المسجد الواقع جنوب الساحة الذي يعرف بمسجد الحرم القدسي، رغم أن المسلمين يطلقون عليه هذا الاسم في هذا العصر، كما أن هذا المعنى لا ينحصر كذلك في مسجد قبة الصخرة، فهذه المباني هي جزء من المسجد الأقصى المبارك، و ليست المسجد كله.


المصادر:

عرابي، رجا عبدالصمد، الكافي في تاريخ القدس، دمشق، دار الأوائل، 2009م.