الجزل,سنوك,هورخرونيه,مكه,كريستيان,اسم مستعار,1302هــ/1885م

حُظيت مكة المكرمة بنصيب وافر من كتب الرحلات التي قدمت معلومات متنوعة، ساعدت الباحثين على التعرف إلى جوانب عديدة من تاريخها بشكل خاص، و تاريخ شبه الجزيرة العربية بشكل عام، و لم تقتصر الرحلة إلى مكة المكرمة على المسلمين، بل نجح بعضٌ من غير المسلمين في دخولها لأسباب مختلفة و من هؤلاء المستشرق الهولندي ذائع الصيت كريستيان سنوك هورخرونيه (1273-1354هــ/ 1857-1936م) الأستاذ في جامعة ليدن بهولندا الذي زار مكة المكرمة عام 1302هــ/ 1885م تحت اسم مستعار هو “عبدالغفار”.

أما سبب زيارته لمكة المكرمة، فقد كانت لعدة أسباب، منها ما هو علمي يتعلق برغبته في التعرف عن قرب إلى شعيرة الحج و الاطلاع على أوضاع الحجاج، خاصةً و أن سنوك قد نال درجة الدكتوراه، عن رسالته التي قدمها بعنوان: ” الحج إلى مكة”، كما أشارت بعض الدراسات إلى أسباب سياسية أخرى وراء زيارته حيث كلفته حكومة هولندا بدراسة أوضاع الحجاج الإندونيسيين الذين كانت تخضع بلادهم آنذاك للإستعمار الهولندي و طبيعة الأنشطة التي يمارسونها في مكة المكرمة.

حصل سنوك في عام 1301هــ/1884م على إجازة دراسية من جامعة ليدن للسفر إلى الحجاز، فوصل إلى جدة في 1301هــ/1884م، و أقام هناك في ضيافة القنصلية الهولندية، لمدة تزيد على أربعة أشهر، و كما تشير المعلومات فقد أعلن إسلامه، و تسمى باسم عبدالغفار، ثم غادر إلى مكة في 1302هــ/1885م، و مكث فيها ستة أشهر و نصف من جمادى الأولى حتى ذي القعدة 1302هــ/  فبراير حتى أغسطس 1885م، و غادر مكة على خلفية اشتباه السلطات العثمانية في الحجاز حول أهداف زيارته، فصدرت الأوامر بمغادرته الحجاز.

و بعد مغادرته الحجاز،دوَّن سنوك نتائج رحلته في كتاب أسماه “مكة” في جزء ينصدر بالألمانية، و طبع في لاهاي بين عامي 1305-1306 هــ/ 1888-1889 م، استعرض في الجزء الأول منه موقع مكة الجغرافي و تضاريسها و أوضاعها الطبوغرافية و موجز تاريخ مكة منذ عهد الرسول عليه الصلاة و السلام، أما الجزء الثاني فتناول الحياة اليومية في مكة و حياة السكان، و ما يزاولونه من أعمال تجارية و حِرفٍ متنوعة، و ما يقدمونه من خدمات للحجاج وحياتهم العائلية و مراسم الزواج و الأعياد و الاحتفالات الدينية و الاجتماعية، و جانب من الحياة العلمية فيها، الذي تمثل في التدريس داخل المسجد الحرام أو خارجه، كما يتحدث بشكل خاص عن السكان المستوطنين في مكة، من ذوي الأصول الإندونيسية، و أوضاعهم الاجتماعية و الاقتصادية و علاقتهم بوطنهم الأم و العلاقات المتبادلة بينهم.

كذلك نشر سنوك مجلدًا مصوراً في جزئين عن مختلف مظاهر الحياة في مكة، و مختلف فئات السكان، احتوى الجزء الأول على مناظر متنوعة من مكة المكرمة، و صورًا للسكان المحليين و الحجاج خاصة الحجاج الإندونيسيين. أما الجزء الثاني فاحتوى على سجل مصور للحج، و هذا الجزء ليس من تصوير سنوك، إنما كان من عمل مصور مكي، هو الطبيب عبدالغفار الذي تعرف إليه سنوك في مكة المكرمة.

و من أعمال سنوك العلمية الأخرى المرتبطة بهذه الرحلة أنه جمع في أثناء وجوده في مكة عددًا كبيرًا من الأمثال العربية و الكلمات الدارجة و نشرها مع ترجمتها و تفسيرها.

و لرحلة سنوك قيمة علمية كبيرة خاصة في الموضوعات الاجتماعية التي تصف حياة الناس و عاداتهم، و نال كتابه الذي تركه عن هذه الرحلة عناية الباحثين، فترجم القنصل البريطاني في جدة موناهان الجزء الثاني منه إلى الإنجليزية عام 1350 هــ/1931 م و نُشر بعنوان ” الحياة الاجتماعية في مكة في القرن التاسع عشر”. ثم ترجم علي عودة الشيوخ الجزئين إلى اللغة العربية عام 1419هــ/1999م، و راجع معراج مرزا، و محمد السرياني االترجمة و علقًا عليها، و نشرت دارة الملك عبدالعزيز الترجمة في جزئين، تحت عنوان ” صفحات من تاريخ مكة الكرمة”.


المصادر:

  • مرزا، معراج، و السرياني، محمد، دوافع رحلة سنوك هورخرونيه، و قيمتها العلمية؛ بوصفها مصدرًا من مصادر تاريخ شبه الجزيرة العربية، بحوث ندوة الرحلات إلى شبه الجزيرة العربية، ج2، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، 1424هــ.

مرزا، معراج بن نواب، وشاووش، عبدالله بن صالح، الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، ط2، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، 1427هــ.