الجزل,مع حسن بن عبدالله آل الشيخ,المملكة,العربية,السعودية

شغل حسن بن عبدالله آل الشيخ مناصب حكومية متنوعة منها: وزارة الصحة (1386-1390هـ/1966-1970م)، و وزارة المعارف (1390-1395ه/ 1970-1975م)، ثم وزارة التعليم العالي(1395-1407هـ/1975-1987م)، كما عُيِّن رئيسًا لمجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز منذ إنشائها عام 1392هـ/1972م.

و أجرت مجلة الدارة معه حوارًا نشر في العدد الرابع من السنة الأولى لعام 1395هـ/1975م.

و فيما يلي مقتطفات من هذا الحوار.

كنتم إذْ ذاك في حوالي الثلاثين من العمر .. هل تذكرون المشاعر الداخلية التي خالجتكم عند أول يوم تسلمتم فيه هذا المنصب، وما هي الأفكار التي كانت تعتمل في عقلكم؟ .. واليوم، هل ترون أنكم استطعتم تنفيذ هذه الأفكار خلال تلك الفترة وبالشكل الذي رسمتموه، ثم ما هو المصدر الذي تستلهمون منه ثقتكم بنفسكم؟ ..

لم أكن اتوقع أن يُعهد إليّ بمثل هذه الوزارة؛ لأنني لا أرى في نفسي قدرة على مواجهة أعبائها. و كان الخبر مفاجئًا لي تمامًا، و تألمت لسماعه، لأني خشيت أن اكتشف و معي الناس عجزي، بعد أن كان متواريًا ضمن إطار محدود من المسؤوليات و الثقة عندما تأتي من زعيم كالمليك الراحل فيصل طيب الله ثراه، تعني الكثير والكثير جدًا، و تبعاتها لا تعرف الحدود.

و استعنت بالله، و حاولت متعاونًا مع الاخوة، باذلًا كل الجهد و حتى الآن، لا أزال أشعر أن بيني و بين آمالي أمدًا بعيدًا، و لا زال الهدف نائيًا، رغم وضوحه، و ليس لثقتي بنفسي مصدر إلا ثقتي قبل ذلك بالله وحده.

رحل الوالد، رحمه الله، إلى الرفيق الأعلى .. أظن في سنة 1387ه و ذلك يعني أن صورًا كثيرة من حياته الحافلة بالجهاد و الترسيخ .. ما زالت واضحة في ذهن معاليكم.؟

أمضى، رحمه الله، فترته الأولى كما ذكرت لكم مع الملك عبدالعزيز، و بعد ما انتقل إلى الحجاز أصبح إمام الحرم المكي، ثم إمام المسجد الذي يصلي فيه الملك عبدالعزيز .. و اختير بعد فترة ليكون رئيسًا للقضاة في المنطقة الغربية و كنت في هذه الفترة بجواره..

لا استطيع أن أقيِّم الآثار و التأثير لأنه، رحمه الله، كان يعيش حياة بعيدة كل البعد عن مظاهر الحياة .. بمعنى أنه كان زاهدًا – ولا أزكيه على الله – بعيدًا عن التأثر بمغريات الحياة، قانعًا منها باليسير، لا ينظر أبدًا إلى مناصب أو مراكز، أو متعة من متع الدنيا، أو التفاخر فيها، أو الحرص عليها، كان يقنع بالقليل، و يجتهد كل الاجتهاد في أن يؤدي ما افترضه الله عليه، و كان يجد لذة في القراءة .. كان يقرأ في جميع أوقاته، لا يفارقه الكتاب، حتى قبيل النوم، حافظًا لكتاب الله الكريم عن ظهر قلب، و كنت اسمعه دائمًا يتلو من كتاب الله عندما يخلو إلى نفسه.

نشأنا، بحمد الله، تنشئة صالحة .. كان يعودنا على أداء الصلوات والحرص عليها، و أن نحترم دائمًا كل شخص يقابلنا ونقابله، وأن لا نجرح كرامة الناس، وأن نحرص دائمًا على استصلاح المنحرف، وأن لا نقطع الصلة بيننا وبينه، وأن نفتح له قلوبنا حتى نحتويه، ونحاول استصلاحه، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

كان يعلمنا كذلك أن لا نحرص على التنافس في الدنيا وفي طلبها، حفاظًا على مبادئنا وفي سبيل تحقيق أهدافنا. وكان يوصينا أيضًا بأن لا نحاول الانتصار لأنفسنا .. واذا ظُلمنا أو وُوجهْنا بما نكره .. فيجب أن نصبر، ويجب أن نجتهد، إن كنا لا نستطيع أن نقابل الإساءة بالإحسان .. والحقيقة أنه جهد لنقتدي بمثله وقيمه وأخلاقه هذه بشكل حسي ملموس، فتأثرنا بها بحمد الله، ونرجو إن شاء الله، أن نكون قادرين على الاستفادة منها..

ونحن نتحدث عن السعودية .. هل تعتقدون أن التاريخ السعودي كُتب بالشكل الحقيقي والموضوعي؟..

لا أعتقد أنه كُتب كما ينبغي، رغم كثرة ما كتب عن تاريخ المملكة العربية السعودية .. لذلك عندما فكر الملك فيصل، رحمه الله، في إنشاء (دارة الملك عبدالعزيز) طلب مني، طيب الله ثراه أن أعمل على إصدار كتاب عن تاريخ الملك عبدالعزيز، يكون شاملًا للتاريخ السعودي مع التركيز على تاريخ الملك عبدالعزيز … قال لي بالحرف الواحد: ليكن كتابًا علميًا لا مجاملة فيه للملك عبدالعزيز..

والآن، وبعد أن انطلقت الدارة، (دارة الملك عبدالعزيز)، أو هي توشك أن تنطلق، بحمد الله، أجد أن من أهم الأمور التي يجب ان تحرص عليها هو إيجاد مثل هذا المرجع الشامل.

وبعد انطلاق الدارة، بإذن الله، بوصفكم رئيسًا لمجلس إدارتها، هل يمكن القول أننا في الطريق إلى تدوين تاريخ سعودي رسمي معتمد، وموحد الروايات؟

اعتقد ان هذا امر مهم جدا، وارجوا، ان شاء الله، أن توفق الدارة في العمل من أجل تحقيق هذا الهدف.

اين تضعون الفكر السعودي في سلم الفكر السليم؟..

إذا أردت بالفكر السعودي الركائز التي يقوم عليها هذا الفكر حاليًا، فأنا أضعه في المقدمة .. وإذا اردت بالفكر السعودي .. اذا كنت تريد الإنتاج .. فأنا أرى..

..طبعا، أقصد إنتاج الفكر السعودي، طال عمرك..

أنه متدن، ولذلك أسباب كثيرة..

والله، الأسباب، في تصوري، كثيرة، منها -مثلًا- عدم وجود جهة مسؤولة تُعنى بشؤون المفكرين والأدباء وترعاهم، وتعينهم على نشر مؤلفاتهم وتساعدهم على إجراء المزيد من البحوث، وتحاول أن تجمع وتنتقي .. هناك جهود فردية فقط .. وحتى الآن ليس في المملكة مؤسسات تستطيع أن تنقل أدبنا وفكرنا إلى الخارج.

هناك المجلس الأعلى للفنون والآداب..!

المجلس الاعلى للفنون والآداب شُكل حديثًا، كما تعلمون، ولا يزال جهازه في طور النمو، وعليه مسؤولية ضخمة في رأيي أنه أول مجلس يمكن أن يقوم بهذا العمل .. وإن كنت اعتقد أننا لا نستطيع القول أنه سيؤدي مهمته بين ليلة وضحاها . ولكن، إن شاء الله، خلال هذا العام ، أتصور أن المجلس سيحاول تشكيل لجان .. وقد عقد عدة جلسات وشُكلت لجانٌ متخصصة تنظر في تنظيم أعماله .. وإن شاء الله نعتقد أن هذا المجلس سيسهم بنقل الفكر السعودي والأدب السعودي الى العالم العربي، ويعكس صورة صادقة عن أدبنا وفكرنا..

والأدب السعودي؟

كذلك الأدب السعودي .. نفس الوضع ..

لكن هذا، لو سمحت، لا يعني أن ليس هناك استعداد  لتطور الأدب والفكر في المملكة .. هناك استعداد جيد، وهناك أفكار جيدة، وكتب جيدة أيضًا، يمكن نقلها إلى الخارج … مما سيشجع أصحابها فيتطور الأدب السعودي ..

كان سؤالي عن كتابه (خواطر جريئة):

سبق أن صدر لمعاليكم كتاب (خواطر جريئة) .. أظن في سنة 1389هـ، وهو عبارة عن مجموعة من الآراء والحكم التي كنتم قد نشرتموها في فترات متقطعة على صفحات جريدة (البلاد) السعودية .. وما زلتم تنشرون هذه الخواطر بين الحين والآخر .. ألا تفكرون بإصدار كتاب جديد .. وهل صحيح أنكم تعدون بحثًا عن جدكم الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب؟..

اعتزم، بإذن الله، جمع (الخواطر) وتنسيقها، وإعادة طبعها في كتاب حتى ألزم نفسي بما كتبت، عندما أجده أمامي ومع الناس. والرغبة في الكتابة عن الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب موجودة لدي، أن يحين ذلك الوقت الذي استطيع فيه تقديم هذا الإمام المجاهد للناس..

 ماذا بعد استشهاد الفيصل، رحمه الله، سعوديًا وعربيًا واسلاميًا ودوليًا.

استشهاد الفيصل، رحمه الله، كان خسارة. لا يستطيع أي إنسان منصف أن يقول غير هذا. كل من لقينا قال إن وفاة الفيصل كانت خسارة فادحة، لا للمملكة العربية السعودية ولا للعالمين العربي والاسلامي فحسب، بل للعالم بأسره..

والأسباب معروفة .. وهي ما كان يتحلى به، رحمه الله، من عمق وبعد نظر، وثبات وصلابة، ونظافة، ومواهب لا حصر لها، وكفاح صادق في سبيل مبدئه، والصبر عليه، وتحمل المشاق في سبيله، ثم روية ورغبة صادقة في تطوير بلاده والنهوض بها في شتى المجالات، ومعاناة لا حد لها لمواجهة مشاكل التطور .. كان من الأفذاذ القلائل الذين استطاعوا أن ينطلقوا ببلادهم إلى ساحة التطور بأقل قدر ممكن من الهزات، مع المحافظة على تقاليدنا وأخلاقنا وعاداتنا. سيذكر التاريخ له ذلك كله، إن شاء الله، وسيكون في درجاته عند الله.

خسارة المملكة العربية السعودية، كما تلاحظون، هي الإحساس بالفراغ في كل شيء .. لكن هذا لا يعني أبدًا أننا يجب أن نقعد لنتفجع ونتلوى من الكارثة .. نحن نؤمن بقضاء الله وقدره .. فأجل الفيصل انتهى، وانتقل إلى رفيقه الأعلى، مع ثقتنا بأنه سيكون، إن شاء الله، في جنات النعيم بفضل عفو الله ورحمته، ثم لقاء ما قدم لبلاده وللمسلمين كافة..

وبالنسبة للمملكة، أنا متفائل ومطمئن، إن شاء الله، بأن خليفته جلالة الملك خالد، بالإضافة إلى الأسرة والحكومة والشعب .. سيتضامنون جميعًا، إن شاء الله، ويزداد تكاتفهم وتعاونهم في سبيل تنفيذ منهاج الملك فيصل .. والبرامج التي وضعها لبلاده وللعالم الإسلامي، بعزم أقوى وجهد ضخم، مما لو كان الملك فيصل حيًا؛ لأنني على يقين بأن كل واحد منا يعتقد أننا يجب أن نضاعف جهدنا وبذلنا عما كان موجودًا، رحمه الله، لنحقق الأهداف التي كرس حياته من أجلها، ولم يعش ليراها.

وانا اعتقد، إن شاء الله، إنا وإن كنا فقدنا زعيمًا عظيمًا عزيزًا .. وإن كنا سنظل نشعر بخطب هذه الفاجعة المؤلمة، لكننا سنكون أكثر حرصًا على تنفيذ مبادئه وسياسته ومنهاجه.

بالنسبة للعالم العربي، كما ترون، الملك فيصل قد وفقه الله إلى أن يجعل اتحاد العرب وجمع كلمتهم حقيقية واقعة، ولأول مرة في تاريخهم .. وتعلمون تأثيره وآثاره .. فمن الطبيعي أن يخلف من بعده فراغًا .. لكن أملي إن شاء الله، أن النتيجة التي توصل إليها العرب باتحادهم، وبتأثير وجود الملك فيصل وسياسته وبعد نظره، بعد توفيق الله، أن يدركوا أهم المزايا التي حققوها باتحادهم، ويعودوا إلى اتحادهم ويتأكدوا من مدى القوة الذي وصلوه بذلك. ولا شك أبدًا في أن المملكة ستظل دائما حريصة على هذا الدور، وفيه بالتزاماتها.

بالنسبة للعالم الإسلامي، أنا اعتقد أيضًا أن جهود الملك فيصل في سبيل الإسلام والمسلمين، في جميع أنحاء الأرض، لا يمكن أن ينساها أحد. وبحمد الله، ظهرت آثارها واضحة، رغم القمع ورغم الحروب، حروب الإبادة التي شنت أحيانًا ضد المسلمين .. إلا أنهم أخذوا يشعرون بعزتهم وبمكانتهم .. ويلمس كل مسؤول سعودي، وكل مسؤول مسلم، يزور أية دولة في العالم أن المسلمين هم اليوم أقوى مما كانوا .. فقد أصبح لهم وزنهم بعد أن كانوا شيئا لا يذكر ولا يؤبه بهم .. إن ذلك يرجع أيضًا إلى دعوة التضامن الإسلامي وتوحيد كلمة المسلمين، التي حمل رايتها الملك فيصل رحمه الله.

طبعا، سيكون هناك فراغ في هذا الدور إلى حين .. ولكن، أرجو أن تملأه المملكةـ بحكمة قيادتها الواعية، وتواصل السير في السبيل الذي بدأه الملك فيصل، حتى يمكن أن تحافظ على هذا الدور؛ لأني اعتقد، كما قلت في بدء هذا الحديث، أن دورنا هو دور إسلامي، ويجب ان نظل محافظين على هذا الدور، ملتزمين به في كل مراحل حياتنا، إن شاء الله.

وعدت إلى كتابه ( خواطر جريئة) ص 87، لأقرأ:

إن مركزنا القيادي بالنسبة للمسلمين أمر واقع، شرفنا الله به، يوم اختار مكة المكرمة موضعًا لبيته المطهر، وأمر خليله إبراهيم بنداء الناس لحجه وجعل استقباله كل يوم، أحد أركان الإسلام الخمسة .. لكنا وقد عقدنا العزم، بإذن الله، على ممارسة هذا الدور المشرف، والمليك الغالي، وفقه الله وأعانه قد احتسب الله جهده وراحته، ليؤكد للشعوب المسلمة، ضرورة إخاءها وتلاقيها لتحقيق استجابتها لأمر الله، ولتعالج بروح الاسلام السمحة كل قضاياها واحداثها .. ما دمنا قد بدأنا، بحمد الله ذلك، فيجب أن ندفع في إخلاص وعزيمة بكل طاقاتنا، فردية وجماعية، رسمية وغير رسمية، في هذا الطريق القيادي الهادف، وأي خروج عن هذا الالتزام، مهما يكن مبرره، سيشكل عامل تعويق وتناقض .. وباختصار: الدعوة إلى التضامن الإسلامي ليست واجب (فيصل) وحده، بل هي واجب القيادة منه، والاستجابة منا دائمًا وأبدًا.

كان هاجسه التوأم، رحمه الله التعليم والصحة .. وقد تسلمتم، بالإضافة الى منصب وزير المعارف، منصب وزير للصحة، لفترة غير قصيرة .. ما هي فلسفة الفيصل على هذا الصعيد؟

لا فلسفة هنالك ..كان هدفه، رحمه الله، أن يصبح كل انسان سعودي متعلمًا. وسعى من أجل أن ترتفع منارات العلم والمعرفة في كل بيت، وفي كل قرية، وكل جبل .. وما كان يضن قط في سبيل ذلك بأي دعم أو تشجيع معنوي أو مادي..

كذلك الأمر بالنسبة لموضوع الصحة .. لكن ذلك لا يعني قطعًا أن اهتمامه اقتصر على ميداني التعليم والصحة، بل كان مهتمًا بكل ما يكفل تطوير المملكة وتقدمها في جميع الميادين..

هذا الربط بين العقل والجسم .. ألم تكن للشهيد الراحل دوافع وأهداف له؟.

كان، رحمه الله يؤمن أن لا نهضة للمملكة الا بتعليم ابنائها، وأن المواطن المريض لا يستطيع المشاركة في تحقيق هذه النهضة .. فسعى، رحمه الله، بكل جهده، في سبيل تعليم أبناء الشعب وتيسير التعليم لهم بكل الأسباب والأساليب، وفي سبيل وقايتهم من الأمراض، ومعالجتهم منها، في حال وقوعها .. ولعل أبرز شاهد منظور على اهتمامه بالصحة (مستشفى الملك فيصل التخصصي)، الذي سيبقى مأثرة من مآثره ما بقيت المملكة..

الآن .. وقد توليتم منصب وزير التعليم العالي .. ما هو مخططكم للعمل في هذه الوزارة المحدثة؟..

نحن نعكف حاليًا على ايجاد مخطط واضح لأهداف هذه الوزارة ومسؤولياتها .. وأرجو أن يصاحبنا توفيق الله، حتى نحقق الثقة الكبرى من جلالة الملك بإنشاء هذه الوزارة..

إنشاء وزارة التعليم العالي يعني بدهيًا انضواء جميع جامعات المملكة ومعاهدها العليا في ظل الوزارة الجديدة .. من الطبيعي –إذن- فصل كلية البترول والمعادن عن وزارة البترول والثروة المعدنية وضمها إلى وزارة التعليم العالي. هل هناك اتجاه الى هذا الهدف..؟

كل إجراء تقتضيه المصلحة سوف لا تتأخر الدولة عن اتخاذه. والمهم أن يكون الرائد هو نشدان المصلحة..

 

 

ومتى تكتفي المملكة ذاتيًا بالمدرسين في المراحل الابتدائية والمتوسطة والثانوية والجامعية؟..

نحن نعمل لتحقيق ذلك..