من

من أدوار أميرات آل سعود

عرف عن أئمة آل سعود منذ الدولة السعودية الأولى، اهتمامهم بدعم العمل الخيري؛ من خلال أنماط متنوعة من العمل، منها ما يتصل بالإنفاق على أوجه البر ومساندة المحتاجين، ونال التعليم النصيب الأوفر عن طريق مساندة علماء الدعوة، وإتاحة المجال لقيام حركة تعليمية نشطة في الدرعية وفي الرياض بعد ذلك، وظهرت خلال تلك الفترة مجموعة من المؤلفات الدينية والتاريخية، وقد أمتد أثر هذا الإهتمام إلى أفراد من الأسرة الحاكمة، ومن هذا التأثير نجد مجموعة من أميرات آل سعود، اللاتي أبدين اهتمامًا بإشاعة العلم والمعرفة؛ من خلال شراء الكتب ووقفها على العلماء وطلبة العلم، فكّن بذلك ممن أسهمن في إشاعة العلم وتوسيع دائرته.
وتأتي الأميرة نورة بنت الإمام فيصل بن تركي في المقدمة؛ حيث أوقفت مجموعة من الكتب في العامين 1276هــ/1860م ، و 1283هــ/1866م.
تليها الأميرة الجوهرة بنت الإمام تركي بن عبد الله، والتي أوقفت في عام 1281هــ/1864م وعام 1284هــ/1867م مجموعة من الكتب.
ومن المسهمات من أميرات آل سعود في هذا المجال، الأميرة سارة بنت الإمام تركي بن عبد الله، والأميرة منيرة بنت مشاري بن حسن بن مشاري آل سعود، والدة الإمام عبد الله بن فيصل، وشقيقه محمد، وكل الوقفيات السابقة تمثل نماذج من إسهام أميرات آل سعود، في وقف الكتب في القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وأمتد هذا العمل إلى أخريات في القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي، فقد أوقفت الأميرة الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي مجموعة من الكتب في عام 1318هــ/1901م، وفي ذلك العام كانت الرياض في يد آل رشيد، ومع ذلك فإن الأميرة الجوهرة ظلت وفيّة لمدينتها، لم يمنعها زوال حكم أسرتها من الاستمرار في فعل الخير.
وفي عام 1337هــ/ 1919م، أوقفت الأميرة الجوهرة بنت مساعد بن جلوي بن تركي آل سعود، نسخة مطبوعة عام 1334هــ/1915م بالمطبعة العامرة في القاهرة، من كتاب الترغيب والترهيب من الحديث للإمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوى المنذري( الجزء الأول ).
ولم يقتصر إسهام أميرات آل سعود في خدمة مجتمعهن على العلم، بل امتد إلى جوانب أخرى أردن من خلالها مساعدة مجتمعهن، وتوفير بعض الاحتياجات لأفراده، فإن من أقدم نماذجه، ما فعلته الجوهرة بنت الإمام فيصل بن تركي التي خصت وقفاً لزينة العروس.
وصنيع الجوهرة هذا يدل على حس إجتماعي، ووعى بأهمية الإسهام في جوانب من حياة المجتمع في ذلك الحين؛ إذ من المؤكد أن غالبية النساء كن يفتقرن حال زواجهن إلى الملابس وأدوات الزينة المناسبة.
كما كانت الجوهرة بنت مساعد بن جلوي بن تركي، تعمل على تحفيز الشباب والصبيان على مزاولة الفروسية وتشجعهم على إتقانها.
وكان للأميرة نورة بنت الإمام عبد الرحمن بن فيصل، وشقيقة الملك عبد العزيز، دورها المتميز وأفعالها الكريمة نذكر منها:
١. أنها كانت تشفع عند الملك عبد العزيز لكثير من المحتاجين، ومن لهم مشكلات تحتاج إلى حل.
٢. أنها كانت تهتم بتنمية قدرات الأطفال، وتوسيع مداركهم العلمية، وتحفيزهم على التعلم، ويبدو ذلك من اهتمامها بالأطفال الذين يختمون القرآن؛ إذ كانت تكافئهم على فعلهم.
٣. كانت توزع العطايا على الفقراء، شفوقة حنونة، تعامل كل من يلجأ إليها بكل لين وعطف، وتحرص على احترام مشاعرهم.
وأمتد إسهام أميرات آل سعود إلى أنماط أخرى من العمل الخيري، من قبيل ما قامت به الأميرة سارة بنت الإمام عبد الله بن فيصل بن تركي، التي وقفت نخلًا، وأوصت أن يصرف من ريعه في أمور خيرية، من مثل إنارة مساجد، وإحسان إلى ضعفاء وأرامل من النساء، كما خصصت أوقافًا تُصرف على حفظة القرآن.
وإذا كانت الجهود السابقة لأميرات آل سعود هي جهود فردية، وذات ثمار محدودة، تخص منطقة واحدة من مناطق المملكة العربية السعودية؛ فإن جهودًا تاليةً جاءت أكثر انتشارًا، وذلك بحكم الواقع التاريخيّ، المبنيّ على تأسيس دولةٍ شامخةٍ عمت أغلب أجزاء شبه الجزيرة العربية، مكونةً المملكة العربية السعودية.
ففي خلال هذه الفترة الزمنية، أسهمت بعض أميرات آل سعود في أعمال أخذت صبغة عامة في تأثيرها، بحكم أن المقصود منها في الأصل كان التوجه إلى الناس كافة ليستفاد منها.
كما تميز إسهام أميرات آل سعود في فترة تكوين المملكة العربية السعودية، بتوجهه نحو النساء وتركزه على التعليم، شعورًا من الأميرات بأنه هناك حاجة ملحةً لانتشال المرأة من الأمية، والعمل على رفع مستواها اجتماعيا من خلال التعلّم.
والمبادرة الأولى في هذا الجانب، جاءت من الأميرة عفت الثنيان آل سعود، زوجة الملك فيصل بن عبد العزيز؛ حيث أسست في عام ١٣٧٥هــ/1955م مدرسة دار الحنان.
ففي تلك الفترة لم يكن هناك تعليم نظامي، بل كان السائد في تعليم المرأة هو الكتاتيب، وبعض المدارس الأهلية؛ التي لم تكن على مستوى متطور؛ بل كانت تقترب في أدائها من روح الكتاتيب، مع توسع في تدريس بعض المواد الحديثة، وتنظيم الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
وجاءت مدرسة دار الحنان لتكون نقلةً فعليةً في تعليم المرأة السعودية.
كما كان للأميرة عفت دور في مساندة كليات البنات في بدايتها الأولى؛ إذ كانت تشجع البنات على الإلتحاق بتلك الكليات، كما كان لها إسهامات أخرى منها دعمها للجمعيات الخيرية.
ومن الإسهامات التعليمية الأخرى، ما قامت به الأميرات نورة، وموضي، وحصة، بنات الملك سعود، واللاتي قمن بإنشاء مبرة كريمات الملك سعود في عام 1376هــ/1957م في الرياض، تشجيعًا لتعليم الفتيات، كما نشر في مجلة المنهل في عددها الصادر في ذي القعدة ١٣٧٦هــ موضوعاً عن هذه المبرة بعنوان ” مبرّة كريمات جلالة الملك المعظم ” ومما جاء فيه ” إن مبرّة كريمات جلالة الملك مشروع إجتماعي عظيم تقوم به المرأة في بلادنا “.
وقد ألتحق بهذه المدرسة عدد كبير من الطالبات، واستمرت في جهودها التعليمية في تعليم الطالبات لأكثر من عشر سنوات تقريبًا.
وتعد الأميرة صيتة بنت عبد العزيز، من أشهر أميرات آل سعود في الفترة المعاصرة، والتي قامت بمبادرات تصب في تطوير ونماء المجتمع، وقد تعددت المناشط والجهود التي قامت بها من مساعدة محتاجين، ومساندة لأعمال التطوع، والقيام بأعمال تأسيسية ذات مناشط اجتماعية، حتى رسّخت جهودها على مستوى الفكر والممارسة، أحدث المفاهيم العالمية في العمل الإجتماعي والخيري، وخاصة ما يعرف في الأدبيات بالمسؤولية الإجتماعية، فكانت جهودها ذات طبيعة استشرافية. ولقد كانت جهود الأميرة صيتة تصب في تطوير مسار مؤسسي- إستراتيجي لتأسيس العمل الخيري والتطوعي في المجتمع السعودي، على المستويين الفردي والجماعي.
ونتيجة لتلك الجهود عرفت بألقاب كثيرة منها:
نبع الخير، أم السعوديين، وأميرة المسؤولية الإجتماعية.

هؤلاء هن أميرات آل سعود، اللاتي بذلن وقدمن مما يملكن ماديًا، ومعنويًاً من أجل رقي المجتمع وتطويره، وبرز إسهامهن منذ بدايات هذه الدولة، وهو مستمر من خلال بناتهن وحفيداتهن، صاحبات السمو الأميرات اللاتي يسرن اليوم على خطاهن.

المصادر:
الحربي، دلال بنت مخلد. إسهام المرأة في وقف الكتب في منطقة نجد. الرياض: مكتبة الملك فهد الوطنية، 1422هــ/2001م.
” دور أميرات آل سعود في دعم الحياة الاجتماعية والثقافية” . جريدة الجزيرة، العدد( … ) 5/12/1419هــ الموافق 22/3/1999م.