وثيقة الرياض copy

وثيقة إعلان المملكة العربية السعودية

أول خطوة
تحقيق الوحدة العربية وأماني العرب
مضت السنون وجزيرة العرب تتلاعب بها الأهواء والمطامع، ويعمل فيها معول التخريب والتهديم، وتتقاذفها عوامل الشهوات، واستغلال المصالح الشخصية.

مضت السنون وجزيرة العرب نهبًا مقسمًا، وأوصالًا مفككة، وقطعًا مبعثرة، يحكمها الظلم، وتمسك بخناقها الفوضى، وتنتابها القلاقل في باديها وحاضرتها، في حلها وحرمها، لا أمان ولا ذمة، ولا رهبة ولا خوف.

مضت السنون وحالة جزيرة العرب تفتت الكبد، وتدمي القلب، وتمزق الأحشاء. أكل القوي فيها الضعيف، وظلم الأمير فيها الصعلوك، واستبد الغاشم فيها على أموال الناس سلبًا ونهبًاً؛ ولا مجير ولا معين، ولامقاوم، ولا مناضل.

مضت السنون وجزيرة العرب تنتظر من يرد إليها أمنها، ويزيل عنها خوفها، ويقوّم صفوفها، ويعدل تعوج من أهلها، فيتساوى الجميع (إن أكرمكم عند الله أتقاكم ).
مضت السنون وجزيرة العرب تنتظر ” عبد العزيز الأول “؛ ليعيد لها عزّها الذي سُلب منها ظلمًا وعدوانًا، ويرجع إليها مجدها المفقود؛ تنتظر ” عبد العزيز الأول ” من إذا قال فعل، وإذا أراد عمل، ليس للهوى عليه نهي ولا أمر، كتاب الله هداه، وسنة محمد بن عبد الله حجته، وإخلاص العبادة لله وحده عقيدته، وأمر الشرع قضاؤه وقصاصه. وما تم له الأمر؛ حتى أخذ يعمل بهمة قعساء، وجهود متواصلة لإعادة عزها، وبناء مجدها، ولم شملها، يتبعه البهاليل من الذين أنبتهم قلب هذه الجزيرة العربية، يخوضون معه المعارك، ويشقون معه الصفوف؛ لاداء واجب ديني تفدى في سبيله المهج الغالية والنفوس، ولكن أعداء الله، وأعداء العرب، أعداء أنفسهم، لم يرق لهم ذلك، فعمدوا للدسائس والفتن وبذر بذور الفساد، فكانوا بين كل حين وآخر يحركون بايديهم الأثيمة مكامن الفتنة، ويوقدون نارها؛ ولكن من خاض الصفوف بعزمه، ومن قابل الحوادث بقوة إيمانه وثبات جأشه، لم يهمه كل ذلك، فلم تكن غير عشية أو ضحاها حتى يهزم الحق الباطل والعدل الظلم.

ثم بفضل الله، لم تكن تلك الحوادث إلا شاحذة للهمم، ومنبهة للشعور، ومزيلة للصدأ الذي يصيب الأسنة من طول مكثها في أغمادها. لم تكن تلك الحوادث إلا لتزيدنا عزًا على عزنا، و وفخرًا على فخرنا، وإيضاحًا للعالم أجمع عن حقيقتنا وبأسنا و شدتنا، وتمسكًا بحقوقنا، وصلابة على صلابتنا، وتفانيًا في الذود عن وطننا وقبلة المسلمين.
لم تكن تلك الحوادث إلا لتجعلنا نسير مجدين، فنذلل كل عقبة تقوم في طريقنا بهمة قعساء لا تعرف الكسل ولا الونى، ونفس طموحة لا تهاب الموت ولا تخشى الردى؛ متضامنين متكاتفين لافرق بين الحجازي والنجدي، ولا بين الحضري والبدوي، الغاية واحدة والهدف واحد.
إن الحوادث الأخيرة، جعلت العالم يتطلع إلى الحجاز ونجد؛ ليرى ما يعقبها فيهما من انقلاب وتطور، ليرى ما يحدثه فيهما من حوادث تدع أثرها فيهما، ليرى ما تحدثه فيهما من خير وشر.

وما كان لأهل الحجاز ونجد وهم جزء واحد، وجسم واحد، وأصحاب عقيدة واحدة، وأهل لغة واحدة، وأصحاب مبدأ واحد، وغاية واحدة، غايتهم عز الإسلام والعرب، وهدفهم الوحدة العربية، ما كان لأمة هذا شأنها، وهذه غايتها، وهذا هدفها، إلا أن تظهر للعالم أنها أحرص الأمم على مصلحة العرب وعز العرب، وتوحيد كلمة العرب. إلا أن تظهر للعالم أجمع أن قبلة الإسلام وآخرحصن للعرب، هما أسبق البلدان لوضع أساس ( الوحدة العربية التي يطالب بها العرب ويهتفون لها ويجاهدون من أجلها).

ما كان لأهل الحجاز ونجد وهم الذين لا تزعزعهم الزعازع، ولا تزعجهم الصواعق، وهم أسبق الأمم لارتكاب المعالي وتشييد العوالي من سابق الأزمان، إلا أن يشمروا عن ساعد الجد، فيتقدمون بخضوع إلى حامي مجدهم ومسبب عزهم، ومشيد ذكرهم، وموحد كلمتهم، ” ملكهم المفدى ” ملتمسين تحقيق غاية لا يتمناها أهل الحجاز ونجد فقط، بل يتمناها كل عربي صميم مخلص لعربيته وأمته، ملتمسين تحقيق أمنية طالب بها العرب على مختلف أجناسهم وأصقاعهم، وهتف لها القريب منهم والبعيد والقاصي و الداني، وأصبحوا ينتظرون تحقيقها بفارغ الصبر؛ لاعتقادهم أنها هي الخطوة الأولى في سبيل تحقيق ( الوحدة العربية ) في جميع أقطار العرب. ملتمسين إبدال اسم ” مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها ” باسم ينطبق على توحيد العنصرية العربية، وعلى التضامن الموجود بين أهلها؛ ويدل على معنى الوحدة العربية التي هي غايتهم ومقصدهم، والتي يسعون ومعهم العرب جميعًا لتحقيقها وإظهارها إلى حيز الوجود. وقد اتفقت كلمتهم، واتحد رأيهم بعد اجتماعات طويلة، وتفكير عميق، وبحث دقيق، ومشاورات طويلة، على أن أحسن اسم يعبر عن غايتهم ويدل على مطالبهم هو اسم ( المملكة العربية السعودية ). كما أنهم أشفعوا التماسهم الأول بالتماس آخر؛ يقضي بسن نظام خاص للحكم وتوارث العرش الملكي؛ لاستقرار هذا الملك الشامخ على أساس ثابت، لا تؤثر فيه صروف الدهر ولا كوارث الحدثان.

ومما أعطانا دليلًا واضحًا على اتفاق الرأي، وتوحيد الكلمة، والرغبة الشديدة المتغلغلة في النفوس، والسعي وراء تحقيق أعظم الأماني القومية والمطالب العربية، هو أنه لم تكد تتناقل هذه الفكرة الألسن، حتى رأينا الاجتماعات تنعقد، والقرارات توضع، وآلة اللاسلكي في أنحاء المملكة ترفع ما يتكدس لديها من برقيات الاستعطافات، والالتماسات، لتحقيق هذه الفكرة؛ ومما هو جدير بالذكر والإعجاب؛ أنه قد اشترك في هذا الطلب المملكة بأجمعها من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها؛ فلم تبق بلدة إلا وتقدم أعيان أهلها مستعطفين، لا فرق في ذلك بين الحجازي والنجدي والحضري و البدوي.

فهذه الفكرة الجليلة التي تستحق الإعجاب والإكبار؛ هي فكرة كانت تخامر الأفكار، وتساور النفوس من زمن بعيد، ولم يكد يبرق وميضها الأول حتى هبت نفوس الغيورين من العرب، واشرأبت أعناق المخلصين من أبناء هذه الأمة، وخفقت القلوب حنانًا وشوقًا لتحقيقها وإبرازها لحيز الوجود؛ لاعتقادهم الأكيد أن ذلك سيكون له أحسن الأثر في زيادة تقوية روابط التضامن، والتآلف بين الشعب الحجازي والشعب النجدي المتفقين في العقيدة؛ والمتحدين في الغاية و المرمى، كما أنها ستكون أول خطوة في تحقيق فكرة ( الوحدة العربية ).

وإن عملًا مثل هذا يحمل غايات نبيلة، فبلا شك سيستقبله العالم العربي بما يستحق من الإجلال والتعظيم، وستثلج له صدور المخلصين للعرب وقضيتهم، الساعين نحو تحقيق وحدتهم، التي بذلوا من أجل تحقيقها ثمنًا غاليًا من دم العرب وأبناء العرب، كما أنها ستكون غمًا على الأعداء ومحبي التفرقة، ومن أوقفوا أنفسهم للعمل في سبيلها، سبيل الشيطان.

والآن وقد رفعت الالتماسات العديدة، فاننا نكاد نجزم بأن جلالة الملك المعظم الذي عرف بحرصه على مصلحة العرب، والسعي لتحقيق أمانيهم وغاياتهم، والذب عن حوضهم، سيتفضل بتحقيق هذه الأمنية التي ليست على أمنية الشعب الحجازي فقط، بل أمنية العرب جميعًا في مختلف الأقطار والأصقاع.
بعد كتابة ما تقدم، ورد الأمر بتحقيق الأمنية، فالحمد لله أولًا وآخرًا.

تمهيد
إن الحوادث الأخيرة التي حدثت على الحدود الشمالية، والتي ظهر فيها تضامن الشعب الحجازي والشعب النجدي بأجلى معانيه، فنادوا جميعًا قيام رجل واحد بالذب عن حمى أوطانهم، والذود عن حوضهم، يدافعون ويناضلون، ويرسلون بسخطهم على المتسبب لإيقاد نار تلك الفتنة في هذا البلد المقدس، الذي حرم فيه الإلحاد والظلم.

بدء تكوين الفكرة
إن تلك الحوادث قد نبهت أهل الحجاز ونجد، وشحذت هممهم، وجعلتهم يفكرون في كل طريق يؤدي إلى خيرهم ونفعهم، يفكرون في كل طريق يوصلهم إلى تحقيق أمانيهم وأماني العرب، ويرصد في وجه كل مفسد وخائن أبواب ما يريد إحداثه من شقاق وتشاحن وتباغض، في وقت العرب أحوج فيه إلى توحيد كلمتهم، ولم شملهم، وشد أزرهم.

فلم تكد تصير تلك الحوادث في خبر كان، حتى قام الغيورون من أبناء هذه الأمة يفكرون في أمر طالما خامر الأفكار، وطالما خفقت له القلوب، أخذوا يفكرون في أن الحجاز ونجد شقيقين لا يفصل بينهما فاصل، متحدين في المبدء والغاية.

ورأوا أن اسم ” مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها ” أسم لا يعبر عن الوحدة العنصرية والحكومة الشعبية، الواجب إظهار ما فيها، ولا يدل إلا على مسميات لأصقاع جغرافية لبعض الأقطار، وأنه لا يوجد أي سبب لهذا الانقسام، مع كون الملك واحد والعقيدة واحدة، كما أنهم أخذوا يفكرون في ضرورة وضع نظام للحكم وتوارث العرش، ليكون الأساس الذي تسير عليه هذه المملكة ثابت وقوي، وإن ذلك ضروري للأمة التي تريد أن تكون قوية الجانب شديدة الشكيمة.

عقد الإجتماعات
ثم رأوا أن أحسن وقت لتحقيق هذه الأمنية، هوهذا الوقت الذي ظهر فيه التضامن بأجلى معانية، فعقدت عدة اجتماعات في منزل الشيخ عبد الله الفضل في بلدة الطائف، حضرها كل من الذوات الآتية اسمائهم
محمد شرف عدنان، صالح شما، عبد الله الشيبي، فؤاد حمزة، محمد شرف رضا، مهدي القلعلي، عبد الوهاب نائب الحرم، ابراهيم الفضل، محمد عبد القادر مغيربي، رشيد الناصر، أحمد با ناجه، عبد الله الفضل، خالد ابو الوليد القرقني، حامد رويحي، حسين باسلامة، محمد صالح نصيف، عبد الوهاب عطار، وتذاكروا فيما بينهم في الخصوص السابق، وبعد اجتماعات عديدة، أتفق رأيهم على رفع التماس لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم بالطلب المتقدم، والإبراق إلى عموم أخوانهم في أنحاء المملكة يطلب مشاطرتهم ومساعدتهم في تحقيق تلك الأمنية.

نشر الفكرة في الوطنيين
و ما كادت تلك البرقيات تصل إلى سائر مدن الحجاز، حتى سرى خبرها في الوطنيين سريان الكهرباء، فهبت الأمة بأجمعها لعقد الاجتماعات؛ وبعد مباحثات طويلة، قر رأيهم على مشاطرة أخوانهم في فكرتهم، ورفع برقيات التماس واستعطاف إلى جلالة الملك لتحقيق ذلك الطلب، حتى زاد عدد البرقيات التي رفعت في أنحاء المملكة على السبعمائة، وكلها تحمل تواقيع عديدة، وقد نشرنا بعضها في العدد الماضي، ونشرنا الآن قسمًا منها في مكان آخر.

تحقيق الأمنية
وصلت تلك البرقيات إلى جلالة الملك حفظه الله، ورأى ما تحمل من غايات شريفة وإخلاص وولاء، فوافق جلالته على طلب الشعب وتوحيد المملكة وتسميتها ( المملكة العربية السعودية )، ووضع نظام للحكم وتوارث العرش، وأصدر أمره الملكي بذلك وهذا نصه:

أمر ملكي رقم 2716
بعد الاعتماد على الله، وبناءً على ما رُفع من البرقيات من كافة رعايانا في المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها، ونزولاً على رغبة الرأي العام في بلادنا، وحبًا في توحيد أجزاء هذه المملكة العربية، أمرنا بما هو آت:

المادة الأولى: يُحول اسم “المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها” إلى “اسم المملكة العربية السعودية”، ويصبح لقبنا بعد الآن “ملك المملكة العربية السعودية”.

المادة الثانية: يجري مفعول هذا التحويل اعتبارًا من تاريخ إملائه.

المادة الثالثة: لا يكون لهذا التحويل أي تأثير على المعاهدات والاتفاقات والالتزامات الدولية التي تبقى على قيمتها ومفعولها، وكذلك لا يكون له تأثير على المقاولات والعقود الإفرادية بل تظل نافذة.

المادة الرابعة: سائر النظامات، والتعليمات، والأوامر السابقة والصادرة من قبلنا تظل نافذة المفعول بعد هذا التحويل.

المادة الخامسة: تظل تشكيلات حكومتنا الحاضرة سواء في الحجاز ونجد وملحقاتها على حالها الحاضر مؤقتًا، إلى أن يتم وضع تشكيلات جديدة للمملكة كلها على أساس التوحيد الجديد.

المادة السادسة: على مجلس وكلائنا الحالي، الشروع حالًا في وضع نظام أساسي للمملكة، ونظام لتوارث العرش، ونظام لتشكيلات الحكومة وعرضها علينا لاستصدار أوامرنا فيها.

المادة السابعة: لرئيس مجلس وكلائنا، أن يضم إلى أعضاء مجلس الوكلاء أي فرد أو أفراد من ذوي الرأي، حين وضع الأنظمة السالفة الذكر للإستفادة من آرائهم، والاستنارة بمعلوماتهم.

المادة الثامنة: إننا نختار يوم الخميس الواقع في 21 جمادى الأولى 1351هــ الموافق لليوم الأول من الميزان، يومًا لإعلان توحيد هذه المملكة العربية، ونسأل الله التوفيق
صدر في قصرنا في الرياض، في هذا اليوم السابع عشر من شهر جمادى الأولى سنة 1351هــ.

الاحتفال بتحويل اسم ( مملكة الحجاز و نجد وملحقاتها )
إلى اسم المملكة العربية السعودية

تمهيد:
لقد كان يوم أمس الخميس يوم من أسعد الأيام، يوم مشهود، سيبقى مفخرة عظيمة في التاريخ تقام له الذكريات، يوم سيبقى أعز محجل في جبين الدهر، يشهد لما لهذه الأمة من العز والسؤدد وما لسعيها لتقوية روابط الود من […].
أنه يوم شعر فيه العربي المخلص في جميع أقطار العرب، وبلاد العرب، بالإباء والعزة، يوم شعر فيه العربي المخلص و وازدانت داره ،وشط مزاره، وأبعدت الفرقة بينه وبين أوطانه وأهله وذويه بالمجد والفخر، يوم عظيم مقدس، طالما اشتاق العرب وأبناء العرب لحلوله في ثياب القشب، وحلله الزاهية البديعة.
أنه يوم كانت تخفق فيه القلوب طربًا وجذلًا لتحقيق هذه الأمنية، وتعلو الوجوه علائم الفرح و السرور؛ لتوحيد قطرين من أعظم أقطار العرب، وتوحيد أمتين من أعظم الأمم وأجلها، يوم توحدت فيه أمة الحجاز وأمة نجد، وكلاهما له في التاريخ ذكر مجيد، تخضغ له رؤوس الجبابرة إجلالًا وتعظيمًا.
إن ذلك اليوم سيكون له ذكر في التاريخ، وصداه في الأمم، وأثره في الشعوب، سيكون يوم مقدس رضي الأعداء أم غضبوا، أحبوا أم كرهوا.
لقد برهن أهل الحجاز ونجد بهذا التوحد، على مبلغ تضامنهم، وعظيم تقديرهم، وشدة اشتياقهم إلى تحقيق الوحدة العربية؛ التي هي فوق كل شيء وعلى كل شيء ولا غرو؛ فما الحجازي والنجدي إلا عربيين من أبناء العرب وأصلاب العرب، تقدموا قبل غيرهم من الأمم ووضعوا أساس الوحدة العربية، في بلاد يخفق عليها علم الاستقلال في حدودها الأربع، في ظل الملك العادل ” عبد العزيز الأول “، لا غرو فما الحجازي والنجدي إلا مسلمين عقيدتهم التوحيد الخالص، ولغتهم العربية الحقة، وهدفهم وحدة العرب، وغايتهم عز الإسلام.
فإذا بادروا قبل غيرهم من الشعوب والأمم لوضع أساس ثابت للوحدة العربية، فليس ذلك بغريب أو بمستنكر، فهم اللذين دوخوا أهل الأرض، وفتحوا الأمصار، وشيدوا الممالك، وتركوا في التاريخ صدى لأفعالهم، لا تمحوه صرور الغداة ولا كر العشى.
ليس أهل الحجاز وأهل نجد إلا أبناء أولئك الأبطال؛ الذين أحدثوا ذلك الإنقلاب في التاريخ، واخرجوا العالم على ضوء دينهم من الظلام إلى النور، ومن الوحشية إلى الهمجية، ومن الظلم إلى العدل.

الاحتفال في أم القرى
لم تشرق شمس يوم أمس الخميس، حتى كانت البلاد من أقصاها إلى أقصاها مبتهجة بهذا اليوم؛ الذي حققت فيه أمانيها، أشتركت فيه شيوخ الأمة وشبابها، كبيرها وصغيرها غنيها و فقيرها.
كان يوم الخميس من الأيام الفريدة، فقد شعرنا بحركة مباركة في جميع أنحاء المملكة، رفعت فيه الرايات العربية على دوائر الحكومة، والمؤسسات، والمخازن، والبيوت، والشرفات، ومهرجانات عظيمة أقيمت في كل صقع، وقد كانت عامة شاملة لم تستأثر بها بلدة دون أخرى، ولا عجب؛ فهي صادرة عن حب أكيد وإخلاص شديد.
ولما كانت الساعة الثانية والنصف، وصلت كتائب الجند والشرطة، فوقف فريق منها من مدخل دار الحكومة، إلى قصر سمو الأمير بالعزة على جانبي الطريق لأداء التحية.
وبكرت جموع الأهليين فانتشرت على طول الطريق الممتد بين قصر الأمير ودار الحكومة.
وقد اجتمع جمهور كبير من أعيان الأمة، وكبار الموظفين، وغيرهم في دار الحكومة.

تشريف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل لدار الحكومة
وفي الساعة الثانية، تحرك ركاب حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فيصل من قصره العامر، قاصدًا دار الحكومة، فكان الجند يؤدون لسموه التحية. ولما وصل سموه إلى دار الحكومة، استقبله في مدخل الدار رجال الحكومة، والوفود، وقامت الجنود بواجب التحية. ولما وصل سموه إلى قاعة الأستقبال واستقر المجلس تفضل سموه قائلاً:

خطاب سمو الأمير فيصل
” لا أستطيع أن أعبر لكم عما يخالجني من السرور في هذا اليوم؛ الذي مَنّ الله به على هذه الأمة العربية المسلمة بتوحيدها ضمن مملكة واحدة ”
” إن جلالة الملك يشكر لكم هذه الغيرة التي ابديتموها، والإخلاص الذي أظهرتموه، وقد تفضل جلالة مولاي نزولًا على رأي الأمة، فأصدر أمره بالموافقة على رغباتكم “

تلاوة الأمر الملكي
ثم تلا سموه صورة الأمر الملكي، وأطلقت المدفعية مئة مدفع ومدفع؛ تحية لهذا اليوم، وبعد الانتهاء هتف الحاضرون بتحية جلالة الملك، ثم أديرت كؤوس المرطبات على الحاضرين.

عطف جلالة الملك المعظم
تفضل جلالة الملك المعظم، فأصدره أمره العالي لسمو نائبه، بتبليغ كل من اشترك من الأمة في رفع اقتراح تحويل اسم المملكة، شكر جلالة الملك، فتفضل سموه وبلغ الجميع الكتاب الآتي:
تلقيت أمرًا من حضرة صاحب الجلالة، مولاي الملك المعظم، أن أبلغكم بوصول برقياتكم التي تسترحمون فيها من جلالته الموافقة على توحيد المملكة باسم ( المملكة العربية السعودية )، ووضع نظام للحكم وتوارث العرش، وأن اشكر لكم باسم جلالته ما ابديتموه من الاخلاص والولاء، وأن أعلمكم بموافقة جلالته على اقتراحكم، وإصداره التعليمات اللازمة لذلك.

الالتماسات المرفوعة لحضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، بطلب تعديل اسم
( مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها ) باسم ( المملكة العربية السعودية ) ووضع نظام للحكم وتوارث العرش

إلى صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم
لما كان الشعور المتجه بشعب جلالتكم نحو عز العرب الشامخ واللفتة الصادقة، موحدًا بين هموم الطبقات، لافرق بين حاضرة وباديه، فالغاية الشريفة المقدسة التي قرر الشعب عرضها على أعتاب جلالتكم، إذ هي إلا وليدة ذلك الشعور المنبعث عن عقيدة راسخة، بما قد خص به الله تعالى هذه البلاد من شرف الجاه، ورفعة القدر، وعزة النفس، ووفرة وقوة الاستقلال، وبما وهبهم جل وعلا من سمات عالية، فكانوا عنصرًا عربيًا محضًا، دستورهم كتاب الله، وقانونهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم سواء في ذلك، وأمة هذا أمرها، وتلك حالها، فهي واحدة في عقيدتها، واحدة في شعورها، واحدة في غاياتها ومراميها؛ لذلك يرفع الموقعون أدناه تأييدًا لما قرره أخواننا المواطنيين من شعب جلالتكم، في يومنا هذا الثاني عشر من شهر جمادى الأول، من عام الواحد والخمسين والثلاثمائة والألف من هجرة صاحب الرسالة والشرف صلى الله عليه وسلم، إلى سدة الجالس على العرش أيد الله ملكة، مسترحمين إجابة نداء الشعب، وصدور الإرادة السنية الملوكية، بالموافقة على تحويل أسم المملكة الحالي، إلى اسم يكون أكثر انطباقًا على الحقيقة، وعلمًا إلى الأماني المقدسة، و أبين في الإشادة بذكر من كان السبب في هذا الاتحاد، والأصل في جمع الكلمة وحصول الوحدة، وهو شخص جلالة الملك المفدى؛ وذلك بتحويل اسم ( المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها ) إلى اسم ( المملكة العربية السعودية ) ، وأن يتفضل جلالة الملك المعظم أدام الله توفيقاته، بإصدار الأمر الكريم بالموافقة على ( سن نظام خاص بالحكم و توارث العرش )؛ لكي يعلم الطارف والتالد ما لهذا الملك العظيم من دعائم موطدة، وأركان ثابتة لا تزعزعه عوامل الحسد والأغراض، ولا تهيب به نزعات من اتبع الشيطان.
وجلالة مولانا المعظم في مقدمة من يعلم بأهمية هذا الأمر وفوائده[…] داخل البلاد وخارجها، وأول من يقدر لشعبه المخلص صدق عزيمته وثبات وفائه، ونسأل الله تعالى إلى أن يديم لنا بقاء جلالة الملك المفدى، مؤيدًا بالنصر والتوفيق، إنه سميع مجيب.

التواقيع

صاحب الجلالة الملك المعظم أدام الله ملكه آمين
نحن الموقعون أدناه، نرفع بكل أدب ووقار إلى سدة جلالتكم؛ استرحامنا المشترك بتأييد ما قرره إخواننا الوطنيون، وما هو منطبق على نوايانا النزيهه نحو عز العرب، ومستلزم فخرهم، ومؤيد وحدتهم المنشودة، متوسلين بعطف جلالتكم المعهود، وغيرة جلالتكم المعروفة، أن تتفضلوا يا صاحب الجلالة، بتلبية النداء الصادر عن قلوب متشبعة بمبادئ الشرف، والمزايا التي اختص الله بها دياركم الأبرار؛ وذلك بأن يعمنا فضل جلالتكم بصدورة الإدارة السامية الملكية بتحويل اسم ( المملكة الحجازية والنجدية وملحقاتها )، إلى اسم (المملكة العربية السعودية)، وبالموافقة على ( سن نظام خاص بالحكم وتوارث العرش )؛ لما في ذلك من الاعتبارات؛ التي سبق عرضها على أعتاب جلالتكم من قبل إخواننا المذكورين، والتي جلالتكم يقدر أهميتها وجليل فؤادها.
وعلى هذا، نؤيد لجلالة مولانا الملك المعظم صدق إخلاصنا، و متانة عزيمتنا، أدام الله جلالتكم ذخرًا وعضدًا لأمتكم الكريمة، وأدام الله لجلالتكم النصر والتوفيق.
التواقيع