رحلة محمد أسد إلى مكة المكرمة

رحلة محمد أسد إلى مكة المكرمة (1351هــ/1932م)

نشأ ليوبولد فايس Leopold Weiss (1318-1412هــ/1900-1992م) النمساوي الأصل في أسرة يهودية، وأتقن منذ صغره العبرية، والآرامية إلى جانب لغته الأم الألمانية، ثم أتقن لاحقا الإنجليزية والفرنسية والعربية والفارسية.
التحق بجامعة فيينا ثم انسحب منها، ولم يكمل دراسته، وبدأ حياته العملية مراسلًا صحفيًا، وأشبعت هذه الوظيفة حبه للسفر والترحال، فتجول في بلاد عربية وإسلامية عديدة بدء من فلسطين التي وصل إليها عام 1340هــ/ 1922م. وكان شغوفًا بالبحث في الأديان والمقارنة بينها، فقاده هذا الشغف إلى اعتناق الإسلام في القاهرة عام 1344هــ/ 1926م، وحمل اسم محمد أسد منذ إسلامه. كما أهّلته مهاراته الفكرية، وتعمقه في الثقافة الإسلامية، وما نتج عنها من مؤلفات ومقالات ليصبح واحدًا من كبار المفكرين المسلمين في العصر الحديث.
سافر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج برفقة زوجته التي أسلمت معه، ثم استقر في الحجاز خلال الفترة (1344-1351هــ/1926-1932م) حيث توفيت زوجته، ثم تزوج بأخرى عربية اسمها: “منيرة” وسكن معها المدينة المنورة، وأنجبت ابنه طلال، وخلال إقامته في الحجاز توطدت علاقته بالملك عبدالعزيز، وتجول في مناطق عديدة من شبه الجزيرة العربية، بما فيها الرياض التي سمح له الملك عبدالعزيز بمرافقته إليها، في فترة كان السماح للأوربيين بزيارتها أمرًا نادرًا.
أما رحلته الشهيرة إلى مكة المكرمة، ففي عام 1351هــ/1932م كان محمد أسد في طريقه من العراق إلى تيماء، وبعدما واجه مغامرة في الصحراء كادت تودي بحياته، قرر تغيير وجهته والسير نحو مكة المكرمة مرورًا بحائل والمدينة المنورة. ولم تكن هذه المرة الأولى التي يسافر فيها إلى مكة المكرمة، بل زارها من قبل وأقام بها مرات عديدة، ولكن هذه الرحلة اكتسبت شهرتها كونها كانت موضوع كتابه الشهير: “الطريق إلى مكة” الذي نال شهرة كبيرة، وترجم إلى لغات عديدة.
رحلته التي كتب عنها تضمنت سفره هو ومرافقه “زيد الشمري” على ظهر جمليهما من حدود العراق إلى حائل، ثم منها إلى المدينة المنورة ثم إلى مكة المكرمة، ويلمس القارئ استغراق محمد أسد في التأمل، فيستطرد ليروي تفاصيل حياته ورحلاته في البلاد العربية والإسلامية الني زارها حتى ذلك الحين، وحوارات عديدة دارت بينه وبين أصدقائه من مختلف الدول الإسلامية والأوربية.
يتبين القارئ موقف محمد أسد من القضايا السياسية التي كانت حاضرة في ذلك الوقت، وعلى رأسها قضية فلسطين والحركة الصهيونية، كما تتضح المبادئ الفكرية التي اقتنع بها محمد أسد، مثل: مقارنته بين الإسلام وغيره من الأديان، وتحليله لموقف الإسلام من الإنسان، والحياة، والعمل، والعبادة.
الجدير بالذكر أن هذه الرحلة قد نشرها محمد أسد عام 1374هــ/ 1954م، حين كان في الخمسين من عمره تقريبًا، فلذلك جاء ما دونه يحمل خلاصة فكره، ونظرته إلى نفسه، وإلى أصدقائه المسلمين الذين عد نفسه واحدًا منهم منذ أن اعتنق الإسلام، وتظل عبارة محمد أسد التي تقول: “لن تتكون أجنبيًا ولا غريبًا بعد الآن… لن تكون غريبًا أبدًا بين أبناء هذه الأرض…” شاهدة على الانتماء العميق الذي ظل يكنه لبلاد المسلمين حتى وفاته.

المصدر:
أسد، محمد، الطريق إلى مكة، ترجمة، رفعت السيد علي، الرياض، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، 1425هــ.
أسد، محمد، الطريق إلى الإسلام، ط9، ترجمة، عفيف البعلبكي، الرياض، مكتبة العبيكان، 1418هــ/1997م.