رحلة غلام رسول مهر “يوميات رحلة في الحجاز 1348هـ/1930م”

 

لهذه الرحلة أهمية تاريخية؛ فصاحبها غلام رسول مهر(1313-1391هــ/1895-1971م) من كبار علماء الهند، وأدبائها، وممن يُعتد برأيهم، كما أنها تصف بالتفصيل رحلته إلى الأراضي المقدسة، في عهد الملك عبدالعزيز؛ حيث كانت المنطقة تشهد بداية تطور خدمات الحج ومرافقه.

قدم على متن سفينة من كراتشي إلى جدة لأداء فريضة الحج في عام 1348هــ/1930م  بناءً على دعوة من الملك عبدالعزيز، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يزور فيها الحجاز؛ حيث كان زيارته الأولى عام 1345هــ/1925م، ومن هناك واظب على إرسال خطابات تصف مراحل رحلته؛ لنشرها في صحيفة “انقلاب”؛ التي كان يعمل بها، ثم قام المترجم سمير عبد الحميد إبراهيم بجمعها في كتاب واحد، ضم فصولًا متسلسلة، بدأت من بداية الرحلة من كراتشي، حتى العودة إليها، وأشرفت دارة الملك عبدالعزيز بالرياض على طباعتها، ونشرها عام 1417هــ/1997م .

وتتناول موضوعات الرحلة تفاصيل سفره بدءًا من لاهور، إلى كراتشي، ثم إلى جدة  بحرًا ، ومنها إلى مكة المكرمة؛ حيث أدى فريضة الحج، ثم العودة من الطريق نفسه إلى كراتشي.

يجد القارئ في تفاصيل الرحلة وصفًا شيقًا لأحداث السفر التي مر بها كاتب الرحلة، والمناطق التي مر بها، ومواقف واجهها مع المسافرين، وتعكس تلك التفاصيل شخصية غلام رسول، فهو مسلم يحرص على التمسك بهدي الإسلام في التخلق بالخلق الكريم، والابتعاد عن إيذاء الناس، وهو أيضًا عالم وباحث، يشغل وقته في مناقشات علمية مع من التقاهم من علماء المسلمين، كما يلمس القارئ اهتمامه وتفاعله مع ما يدور في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي بلاده بشكل خاص؛ حيث كانت الهند تناضل الاستعمار الإنجليزي.

ولما كانت خطاباته التي أرسلها من مكة معدة للنشر في الصحيفة التي كان يعمل بها، فقد حرص على أن ينقل لقرائه وصفًا لمكة المكرمة، وجغرافيتها، وسكانها، ومبانيها، ووصف الحرم الشريف، والكعبة المشرفة، ودار الكسوة؛ كما تحدث عن المشاعر المقدسة في منى، ومزدلفة، وعرفات. وتعكس مدوناته المشاعر الإيمانية العميقة التي غمرته في ذلك الموقف، حيث يقول في إحداها: “… وفي دقائق دخلنا الحرم من باب السلام، … تقع عيناي على هذا البيت؛ الذي هو أفضل بقاع الأرض جميعًا، حيث تسجد جباه مئات الآلاف خمس مرات في اليوم…دخلنا من باب السلام، وتقدمنا ناحية بيت الله، وألسنتنا تلهج بالدعاء: اللهم زد هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابة، وزد من زار هذا البيت تشريفًا، وتعظيمًا، وتكريمًا، ومهابة”.

سجل خلال رحلته مشاعر الشكر والامتنان للملك عبدالعزيز؛ الذي اعتنى براحة الحجاج، وسعى لتوفير احتياجاتهم، وكل ما من شأنه مساعدتهم على اداء الحج بسهولة ويسر، ومنها على سبيل المثال: إضاءة الطريق من مكة إلى منى، ومزدلفة، وعرفة، وحرصه على توفير الماء، والمواصلات التي تيسر للحجاج أداء مناسكهم حسب الإمكانيات المتاحة آنذاك.

ونجده في موقع آخر من الرحلة يسجل انطباعه عن الملك عبدالعزيز عندما قابله، حيث قال: “وكان السلطان المعظم أمامي، وهكذا بعد أربع سنوات وربع أرى السلطان عن قرب، بملابسه البسيطة، وعباءته التي لبسها فوق ثيابه، وفي قدميه الصندل النجدي نفسه…..وبعد دقائق بدأ السلطان المعظم في إلقاء خطابه، وبعد أن تلا قول الله تعالى “يا أيها الناس إنا خلقناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” بدأ في شرح كلمة التوحيد، ثم شهدنا قوة بيان السلطان، وما يتميز به من سحر خطابي، وحماسة، ومحبة للإسلام، ولمدة خمس دقائق، غرق خمسمئة حاج من مختلف شعوب الأرض في أمواج هذا السحر الحلال؛ الذي نتج عن براعة السلطان الخطابية”.

من المؤكد أن لهذه الرحلة قيمة علمية كبيرة ، فعدا ما احتوت عليه من معلومات عن تلك الفترة عن بدايات حكم الملك عبدالعزيز للحجاز وعنايته بالحج، فهي تعكس من جانب آخر، صورة من المعاني والقيم التي تجمع المسلمين جميعا في شتى أنحاء الأرض، حيث الإسلام ورباطه القوي بين أبناء الأمة الإسلامية جمعاء.