الفكرة الخاطئة الحقيقة
عباس بن فرناس رجلٌ مغامر حاول الطيران في السماء مقلدًا الطيور، بدون تفكير، وفشلت محاولته. عباس بن فرناس عالم ومخترع عاش في الأندلس، وكانت له الريادة في تجربة الطيران التي خطط لها بشكل علمي.

ارتبط اسم عباس بن فرناس (ت 274هــ/887م)، بمحاولته الشهيرة للتحليق في السماء كالطيور، وهي المحاولة التي فشلت، وظل حتى وفاته يعاني آثارها الجسدية والمعنوية؛ فأصيب في ظهره إصابة شديدة لازمته حتى وفاته، وتعرض لانتقاد معاصريه ورماه بعضهم بالجنون.

ولم يكن عباس بن فرناس رجلاً عادياً، بل كان واحدًا من علماء الأندلس البارزين، وكانت له مكانته الفكرية والعلمية، وبرع في الفلسفة، والموسيقى، والترجمة عن اليونانية، ووصفته المصادر التي عاصرته بالحكيم، فقال عنه أحد المؤرخين الذين عاصروه: “أبدع عباس بن فرناس عندنا في فنون التعاليم القديمة والحديثة، وفلسف وعرّب”، ووصفه آخر بقوله: ” كان فيلسوفاً حاذقاً “.

أفادت المعلومات المعاصرة عنه ببراعته في مجال علوم الرياضيات، والهندسة، والفلك، ومن المؤسف أن مؤلفاته العلمية فُقدت، ولم تصل إلى الأجيال اللاحقة.

 ونبغ كذلك في الكشوف والاختراعات، وانتهت تجاربه إلى اختراع عدد من الآلات الرياضية والفلكية، التي تميزت بالدقة والابتكار، منها آلة تسمى “ذات الحلق”؛ لرصد الكواكب السيارة، والنجوم، والقمر، كما اخترع آلة لمعرفة الوقت، وآلة أخرى شبيهة بقلم الحبر المستخدم في الوقت الحاضر، وأنشأ في بيته قبة، تمثل السماء بنجومها، وأجرامها، وغيومها، وبروقها، ورعودها، وعبّر أحد المؤرخين عن براعة عباس بن فرناس بقوله: “أبدع إبداعات لطيفة، واختراعات عجيبة، واهتدى إلى أشياء شهدت له بالذكاء والبراعة، وأعانته السعادة على قضائها “.

وانتهت تجاربه إلى تفكيره في تحقيق حلم الإنسان بالطيران، فدرس الفكرة، وعمل على تطبيقها؛ من خلال إيجاد وسيلة تحقق ذلك، فصنع لنفسه جناحين، وكساهما بالريش والحرير، وصعد إلى مكان مرتفع؛ حيث اجتمع الناس لمشاهدته، ونجح في التحليق في البداية وتمكن من الطيران لمسافة بعيدة، ولكنه فشل في محاولته الهبوط، ولم يتمكن من مقاومة الجاذبية، فسقط وأصيب بكسر في ظهره، وظل حتى وفاته يعاني آثار هذا الحادث.

ومن هذا يتضح، أن محاولة الطيران التي قام بها عباس بن فرناس لم تكن وليدة المغامرة، أو المجازفة غير المدروسة، بل كانت نتاج تجارب عديدة قام بها بجد ودأب، ومكّنته خبرته وبراعته في العلوم من وضع فكرته موضع التجريب، فمهد الطريق للأجيال اللاحقة، وأسهم بجهوده في التهيئة لعصر جديد من النهضة الفكرية والعلمية.

 

المصادر: 

  • سوادي عبد محمد، عباس بن فرناس من رواد الفكر العربي في الأندلس، عالم الفكر، ع 4، أبريل 1987م ص ص 153-171.
  • الزركلي، خير الدين، الأعلام، بيروت، دار العلم للملايين، 2002م.