حوار مع مدير مؤسسة الملك عبدالعزيز آل سعود

للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية

 

أنشئت مؤسسة الملك عبدالعزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء في المغرب عام 1405هــ/1985م، بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود (1426-1436هــ/2005-2015م) حين كان وليًا للعهد، وذلك بهدف رعاية العلم والعلماء في هذا الجزء من العالم الإسلامي.

أجرت دارة الملك عبدالعزيز حوارًا مع مدير المؤسسة عبده الفيلالي، استعرض فيه نشاطات المؤسسة وإنجازاتها، وعكس هذا الحوار العناية الكبيرة التي كان يوليها الملك عبدالله لهذه المؤسسة منذ تأسيسها.

ونشر الحوار في مجلة الدارة، ع 2، س 14، محرم، صفر، ربيع الأول 1409هـ/ أغسطس، سبتمبر، أكتوبر 1988م

وفيما يلي مقتطفات من هذا الحوار.

 

نود أن تحدثنا عن فكرة المؤسسة وبداية تأسيسها.

بسم الله الرحمن الرحيم

أود قبل كل شيء أن أعبر عن شكري لمجلة دارة الملك عبدالعزيز والمشريفين عليها للأعمال الجليلة التي يقومون بها والاهتمام لكل ما يشجع الثقافة والعلم.

وردت فكرة المؤسسة كمبادرة من طرف صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية للمساهمة في العمل الثقافي وتشجيع البحث العلمي في مدينة الدار البيضاء.

وهذه الفكرة هي وليدة وعي سموه بالموقع الخاص الذي تحتله مدينة الدار البيضاء في أقصى غرب العالم الإسلامي وللدور الذي أصبحت تلعبه هذه المدينة على الصعيد الاقتصادي والمالي والاجتماعي والثقافي.

مدينة الدار البيضاء كما هو معلوم أصبحت اليوم ثاني أكبر مدينة في أفريقيا وأكبر مدينة في المغرب العربي حيث يتعدى سكانها ثلاثة ملايين نسمة، كما تعتبر هذه المدينة القلب النابض للاقتصاد الوطني المغربي من جهة ومركزا علميا وثقافيا مهما من جهة أخرى، بسبب إقامة جامعة كبرى بها ألا وهي جامعة الحسن الثاني وعدد من المعاهد العليا ومراكز البحث والثقافة.

وموقع الدار البيضاء في المغرب وفي المنطقة عامة جعل منها واجهة للعالم الإسلامي وحلقة وصل بين غربه من جهة والقارة الأفريقية وأوروبا الغربية من جهة أخرى، وبذلك تعتبر هذه المدينة مركزا تتواجه فيه الثقافات وتتواجد في محيطه معالم حضارات مختلفة، مما يجعله أرضية للحوار والعمل الثقافي والحضاري.

بناء على هذا أراد الأمير جزاه الله خيراً أن يسهم في إغناء العمل الثقافي والبحث العلمي في هذه المدينة بمؤسسة رائدة تخدم المبادئ الإسلامية الراسخة وتؤكد حضور الثقافة العربية الإسلامية في هذا المركز.

وقد أرادها سموه أن تكون مؤسسة تقدم خدمات ملموسة وفعالة لجمهور المثقفين والباحثين في مدينة الدار البيضاء وفي المغرب عامة وكل من يرتادون مؤسسات البحث في هذه المنطقة، فاستقر رأي سموه على أن يجعل منها مؤسسة تستعمل أحدث التجهيزات المتوفرة في ميدان تسيير المعلومات ومسايرة المعايير العصرية التي توفر للباحث والمثقف أكثر ما يمكن من الموارد بشكل عقلاني محكم.

لقد تمت عند انطلاق المؤسسة مشاورات واسعة مع مجموعة من الأساتذة والباحثين واستطلاعات وأبحاث ميدانية مركزة لاستجلاء نوعية الخدمات التي يمكن للمؤسسة أن تقدمها، وبناء على ما لوحظ في مدينة الدار البيضاء من تواجد عدد مهم من المكتبات والخزانات الموجهة للجمهور الواسع ولطلبة المدارس والمعاهد والكليات وكذلك من وجود عدد من المراكز الثقافية الوطنية والأجنبية فقد تبين أن خدمة البحث العلمي الرفيع المستوى في ميادين تاريخ وحضارة العالم الإسلامي تشكل ميدانا يحظى باهتمام واسع من طرف المثقفين والباحثين، ويوفر إمكانيات العمل الجاد والناجع بالنسبة لمؤسسة فتية مثل هذه.

بناء على هذه المشاورات وعلى ما أظهرته الاستطلاعات استقر رأي سموه على أن يسند مسؤولية الإشراف على إنجاز المشروع إلى مجلس إدارة يضم مجموعة من الشخصيات السعودية والمغربية المعروفة باطلاعها وخبرتها وغيرتها على المبادئ الإسلامية السمحة.

– ماهي أهداف هذه المؤسسة وماهي أقسامها؟

اهداف المؤسسة:

كما حددها النظام الأساسي للهيئة التي تم إحداثها وفقا لمقتضيات القانون المغربي المتعلق بالهيئات الاعتبارية، فإن أهداف المؤسسة هي كالتالي:

  • تكوين وتسيير وصيانة خزانة ومركز للتوثيق في ميادين العلوم الإسلامية والعلوم الإنسانية.
  • تنظيم أنشطة ثقافية وعلمية في الميادين العلمية المشار إليها وذلك على شكل ندوات ومحاضرات.
  • تشجيع النشر والتأليف في الميادين العلمية.
  • المشاركة في المبادلات الثقافية والعلمية مع المؤسسات التي تتوخى نفس الأهداف.
  • أقسام المؤسسة:
  • مسجد كبير بني حسب الطابع المعماري العربي الإسلامي والطابع المغربي المتميز بالفن المغربي الأصيل، ويعد مفخرة من مفاخر الإسلام في هذا البلد يستطيع استقبال 3000 مصلي، وأصبح معلما من المعالم التاريخية والحضارية وعرف منذ افتتاحه إقبالا منقطع النظير نظرا للدروس الدينية التي تقام فيه.
  • خزانة ومركز للتوثيق يوفران أهم موارد البحث العلمي حسب أحدث المعايير المعاصرة وباستعمال أحدث التجهيزات لتكون في مستوى طموحات الأمة الإسلامية إلى الازدهار والرقي الحضاري.
  • أقسام الخزانة:
  • قسم المراجع والتزويد: ينظم كل الموارد التي تتوصل بها الخزانة مثل الفهارس والدوريات الببليوغرافية ويتتبع الإنتاج العلمي وانتقاء العناوين التي تطابق معايير تكوين مجموعات الخزانة مع متابعة الاتصال بالخزانات ومؤسسات البحث للتعرف على منشوراتها والحصول عليها بالتبادل.
  • قسم الفهرسة والتصنيف والتكشيف: يعمل على فهرسة الكتب، صيانة المجموعات، تتبع التطورات في مواصفات الفهرسة وتبويب دفاتر العمليات، وضع تبويبات ملفات المعلومات.
  • قسم المعلومات: يعمل على صيانة الحاسب الآلي والتجهيزات المرتبطة به وكل العمليات المرتبطة بقواعد المعلومات الببليوغرافية وغيرها، كما يعمل على إصدار فهارس الخزانة.
  • قسم الإدارة: يشرف على كافة المسائل الإدارية: تزويد، ضبط ملفات الموظفين، صيانة التجهيزات والمقرات، المحاسبة وتقديم مختلف الخدمات لرواد الخزانة.
  • قسم المخطوطات والكتب النادرة: يعمل هذا القسم على شراء الكتب النادرة والمخطوطات والأطروحات والرسائل الجامعية، صيانة، استنساخ وفهرسة الكتب النادرة، متابعة التبادل مع الخزانات والمؤسسات المحلية، الوثائق الرسمية، ترميم المخطوطات، تصويرها. كما يشرف على مختبرات الميكروفيلم والميكروفيش وعلى معمل التجليد.
  • قسم الدوريات: يقوم بتتبع الاشتراكات، فهرسة المقالات التي تهم تاريخ وحضارة الغرب الإسلامي، صيانة المجموعات القديمة.

خلال هذه الفترة حيث مضى على افتتاح هذه المؤسسة ثلاث سنوات، ماهي الأعمال والمنجزات التي قامت بها؟

قام صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بتدشين المؤسسة في 12 شوال 1405هــ الموافق 5 يوليو 1975م بصحبة ولي عهد المملكة المغربية الأمير محمد بن الحسن ومضى على تدشينها أقل من ثلاث سنوات قطعت المؤسسة أشواطا كبيرة في تكوين خزانة علمية بلغت المجموعات التي تحتويها حاليا ما يزيد على 100,000 مجلد و 1,000 دورية باللغات العربية، الفرنسية، والإنجليزية. وفي ظرف وجيز استطاعت استقطاب آلاف الباحثين والأساتذة والطلبة الذين وفرت لهم كل الخدمات الضرورية لإنجاز أعمالهم العلمية في أحسن الظروف. ويعد مركز التوثيق بالخزانة قاعدة بيانات ببليوغرافية مسيرة بالحاسب قصد توفير إعلام ببليوغرافي دقيق وشامل وسريع، وكان من أولى ثمار هذه القاعدة إصدار فهرس بمحتويات الخزانة من مؤلفات إسلامية ودراسات عن العالم العربي، حول الغرب الإسلامي (المغرب العربي، الأندلس وأفريقيا المسلمة) وهذا الفهرس هو الآن جاهز ويمكن إرساله إلى كل من يرغب في اقتنائه.

وللمؤسسة برنامج ثقافي طموح يهدف إلى خدمة الثقافة العربية الإسلامية والتعريف بالأبحاث العلمية المخصصة للتراث العربي من جهة وللواقع الحالي للمجتمعات العربية الإسلامية من جهة أخرى.

فمنذ انطلاق المؤسسة تم تنظيم خمس ندوات حول مواضيع مختلفة تشمل مسائل متعلقة بــ (تجديد الدراسات حول الإسلام والعالم العربي)، (تجديد الفكر الإسلامي)، ندوة حول (مكتبات العلوم الإنسانية: ترشيد التنظيم ومعالجة المعطيات)، ندوة حول (القانون والمحيط الاجتماعي في المغرب العربي) وندوة حول (المخطوطات العربية في الغرب الإسلامي وضعية المجموعات وآفاق البحث) شاركت فيها نخبة من العلماء الأجلاء وأساتذة حضروا من المملكة العربية السعودية، المشرق العربي، المغرب العربي، أوروبا وأمريكا.

هل يوجد تعاون بينكم وبين المؤسسات الثقافية والتعليمية في العالم وما مدى هذا التعاون؟

عملت المؤسسة على تكثيف علاقاتها مع المؤسسات العلمية في العالم العربي الإسلامي خصوصا منها المؤسسات الثقافية في المشرق العربي سواء الجامعات أو مراكز البحوث أو الخزانات والمعاهد الدينية…

ومن أهم النتائج التي توصلت إليها هي الحصول على كميات مهمة من منشورات علمية أساسية للتوزيع عبر السوق التجارية مثل المجلات التي تصدر عن الجامعات والهيئات العلمية والأطروحات وبعض المنشورات العلمية المتخصصة. ونلاحظ والحمدلله في هذه الفترة الوجيزة أن مبادرة الاتصال وطلب ربط علاقات تعاون أصبحت تأتي من مختلف الهيئات عبر العالم، مما يظهر أن المؤسسة أصبحت الآن تتمتع بصيت جيد وسمعة طيبة مما جعلها تصبح مطلوبة لا طالبة.

هل في نية المؤسسة ضم مجالات أخرى لنشاطاتها؟

يتحدد نشاط المؤسسة في البرنامج السنوي الذي يقترحه مجلس إدارتها ويقره صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز وفي هذا الصدد يجب التأكيد على أن صيانة المجموعات التي تم تكوينها ومواصلة الجهد المبذول في عرض رصيد غني ومتكامل من الموارد العلمية الأساسية يعد في حد ذاته عملا كبيرا ويتطلب القيام بمجهودات كبيرة ومتواصلة لجعل هذه المؤسسة مكتسبا ملموسا ودائما لفائدة البحث العلمي في هذه المنطقة من العالم العربي والإسلامي.

كما أن الأعمال الأخرى التي شرعت المؤسسة فيها، لازالت في بدايتها من الواضح أنها تتطلب توظيف إمكانيات مادية وبشرية مهمة للقيام بها على الوجه المطلوب، مثل إنشاء بنك للمعلومات حول تاريخ وحضارة الغرب الإسلامي (المغرب العربي، الأندلس وأفريقيا المسلمة) من جهة وبرامج الندوات والأنشطة الثقافية من جهة أخرى، لذلك فإننا نظن أن برامج المؤسسة حاليا في مرحلة الانطلاق وأنها تعد بالكثير من العطاءات نطلب من الله عز وجل أن يساعدنا على القيام بها على الوجه الذي يرضيه ويرضي صاحب الفضل في إنشاء هذا المشروع وكل العلماء الأجلاء والباحثين الذين يتوجه لهم.

ماهي أبرز الخطط المستقبلية التي تنوي المؤسسة تحقيقها؟

لقد أوصى مجلس إدارة المؤسسة بأن تعمل الخزانة على جمع أكثر ما يمكن من الموارد العربية الإسلامية وأن تعمل على تقديم مجموعات متكاملة من الإنتاج العلمي العربي لجمهور المثقفين والباحثين في هذا الجزء من العالم العربي والإسلامي لتكون بمثابة الجسر الذي يربط بين مشرق العالم العربي ومغربه ويقارب بين العلماء والباحثين في شقيه. لذلك فإن الخطط المستقبلية للمؤسسة تتركز على توريد أكثر ما يمكن من أوعية المعلومات وخاصة منها تلك التي لا توزع عبر القنوات التجارية.

كما تدخل في إطار تلك الخطط ضبط تلك الموارد بالوسائل الحديثة التي يوفرها الحاسب الآلي بشكل يسمح بتقديم خدمات متكاملة وعصرية للبحث العلمي.

وأخيرا ستسهم المؤسسة بتنظيم أنشطة ثقافية تتركز حول التعريف بالأبحاث العلمية العالية المستوى التي تعرف بالتراث العربي الإسلامي من جهة وبالواقع المعاصر للمجتمعات العربية من جهة أخرى.

بعد اختتام ندوة المخطوطات والتي عقدت في رحاب المؤسسة في الفترة من 7-9/4/1988م، نود أن تعطينا انطباعكم عنها وعن أبعادها؟

لقد كانت هذه الندوة بالنسبة لنا حدثا مهما طالما ارتقبناه وتطلعنا إليه، وقد سعدنا كثيرا لما وقع بالفعل واجتمع في رحاب هذه المؤسسة ذلك الجمع الغفير من أهم المسؤولين عن مجموعات المخطوطات الإسلامية في أكبر الخزانات الدولية والمهتمين والباحثين والمختصين في دراسة التراث العربي الإسلامي.

وقد كانت تلك الندوة والحمدلله كما أردناها وكما خططنا لها وفق التوجيهات السامية لصاحب السمو الملكي أدام الله عزه شبه مؤتمر عام تمت خلاله دراسة مختلف القضايا المتعلقة بالتراث العربي الإسلامي الخطوط فتبودلت أثناءه معلومات ثمينة حول وضعية المجموعات المتواجدة في خزانات أوروبا وأمريكا والمغرب العربي ونوقشت بإسهاب الوسائل والتقنيات الكفيلة بفهرسه وصيانه وتقديمه للبحث العلمي.

وأخيرا نوقشت الكيفية المثلى لتوظيف ذلك التراث في البحث العلمي المعاصر بصفة خاصة وفي بناء تصور متكامل للأعمال الجبارة التي قام بها العرب والمسلمون في الحقل العلمي والثقافي وبناء تصور جديد للشخصية العربية الإسلامية.

ومن أهم أبعاد هذه الندوة تلك التدابير التي اتخذت لضمان استمرار الاتصال والتعاون والتنسيق بين كل الأطراف التي حضرت الندوة ومن أهمها تكوين لجنة تقنية كلفت بوضع قواعد موحدة لعملية الوصف والفهرسة والتي تهدف إلى تقديم معلومات متكاملة للباحثين المهتمين بالميدان.

هل في نية المؤسسة عقد ندوات أخرى في مواضيع جديدة؟

نعم فكما أوصى مجلس الإدارة تقوم المؤسسة بتنظيم مناظرة علمية كل سنة في أحد مجالات المعرفة التي تغطيها وداخل إطار اختصاص الخزانة وتوجيهاتها في التعريف بالأعمال العلمية والاتجاهات الفكرية المرتبطة بتاريخ وحضارة العالم العربي عامة والغرب الإسلامي خاصة (المغرب العربي، الأندلس وأفريقيا المسلمة).

لقد أصبحت هذه المؤسسة تحتل والحمدلله مكانة بارزة بين مرافق البحث العلمي وأصبحت تعد قبلة لكل العلماء والأجلاء والمثقفين والمهتمين في هذه الربوع، مما يزيد في عزمنا على المضي قدما في العمل على تحقيق توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله ابن عبدالعزيز آل سعود (حفظه الله ورعاه).

الجزل:

للاستزادة حول هذه المؤسسة:

http://www.aruc.org/ar/web/auc-morocco/king-abdul-aziz-institute