درب زبيدة

 

نالت طرق الحج إلى مكة المكرمة عناية المسلمين، ومن هذه الطرق: طريق الحج من العراق عبر الكوفة، الذي عرف بطريق الحج الكوفي، تمييزًا له عن طريق الحج المار بالبصرة. وهو طريق قديم للتجارة عرف بشكل محدود في فترة ما قبل الإسلام، وزادت أهميته بعد الإسلام، خاصة منذ بناء مدينة الكوفة، التي أصبحت نقطة بداية لطريق منتظم للحج، والتجارة، ونقل البريد. واعتنى الخلفاء المسلمون بهذا الطريق، فأخذت في الازدهار تدريجيًا  خلال عصر الخلفاء الراشدين (10-40هـــ/631-661م) ثم الأمويين (41-132هـــ/661-750م) ، فبُنيت بعض المحطات التي ينزل بها المسافرون، وحفرت فيها آبار المياه.

وبانتقال مركز الخلافة من الشام الى العراق في العصر العباسي (132-656هــ/750-1258م)، اكتسب الطريق أهمية إضافية؛ وأصبحت بغداد، العاصمة، هي المحطة الأولى في الطريق بين عاصمة الخلافة، والحرمين الشريفين، واهتم الخلفاء العباسيون به وشهد إصلاحات متعددة. وسجلت المصادر عناية الخليفة المهدي (158-169هـــ/775-785م) به، فحفرت بعض البرك، وبنيت بعض المحطات التي عرفت بالقصور، التي هي عبارة عن مبانٍ ينزل بها المسافرون لطلب الراحة، كما عني بتوطيد الأمن على هذا الطريق.

ويعد عصر الخليفة هارون الرشيد (170-193هـــ/786-809م) قمة ازدهار هذا الطريق، فقد واظب الرشيد على الحج، إذ حج خلال خلافته تسع حجات كما ذكرت المصادر، تلمّس خلالها حاجة الطريق، فعمل على إصلاحه، وأسهمت زوجته زبيدة بنت جعفر (149-216هـــ/766-831م)، بنصيب وافر في الإنفاق على تطوير هذا الطريق، وحسب ما ذكر المؤرخون، فقد تكفلت ببناء إحدى عشر محطة من محطات الطريق السبع والعشرين، كما أنشأت قرب مكة المكرمة عين ماء ومرافق لسقيا الحجاج عرفت بعين زبيدة، وتقديرًا لهذا العمل الخيري الذي تكفلت به زبيدة، فقد عرف الطريق منذ ذلك الحين بدرب زبيدة.

ومن مظاهر العناية بالطريق في تلك الفترة، تسويته بردم الأماكن غير المستوية، ورصفه بالحجارة في الأماكن الرملية، وإزالة الأحجار التي تعيق المسافرين، وحفر الآبار، وإنشاء البرك، حتى أصبح الطريق بين العراق ومكة كما قال أحد المؤرخين: ” كالراحة الموزونة”. كما حددت فيه مراحل عليها أعلام عرفت بأحجار المسافة، وهي إشارات تدل على الطريق والمسافات، وترشد المسافرين وعمال البريد المارين بها، وعند كل مرحلة مستراح ومنازل يرتاح فيها المسافرون.

واستمرت العناية بالطريق، وتعهده المحسنون بالإصلاحات، حتى  ضعفت الخلافة العباسية، فاختل الأمن على هذا الطريق، وأصبح هدفًا لهجمات قطاع الطرق. ثم غاب الأمن مع ظهور القرامطة، وانتشر الخوف، وشهدت المحطات تخريبًا وتدميرًا، وقلَّ عدد الحجاج والمسافرين الذين يستخدمونه بشكل تدريجي، حتى تعطل استخدامه، واندثرت معالمه.

يمر الطريق اليوم بدولتي العراق، والمملكة العربية السعودية، ويمر القسم الأكبر منه خلال المملكة، عبر مناطق: الحدود الشمالية، وحائل، والقصيم، والمدينة المنورة، ومكة المكرمة. ولما يتميز به الطريق من قيمة ثقافية وحضارية عريقة، واعتباره أحد المعالم الأثرية المهمة في المملكة، فقد وثَّقت معالمه المعمارية والأثرية، ضمن مشروع مسح شامل خلال الفترة (1396-1402هــ/1976-1982م)، وقام الباحثون السعوديون بإجراء دراسات علمية لمعالم الطريق، في عدة مواقع، منها: الربذة، وفيد، وعثر في محطاته على العديد من الآثار، التي عكست الدور الحضاري المهم الذي كان الطريق يقوم به؛ فكشفت الدراسات وأعمال المسح الأثري عن بقايا قصور، وحصون، ومنازل، ومساكن، ومساجد، وطرقات، وآبار، وعيون، وقنوات، وبرك في عدد من محطاته، وهي بقايا قرى وأسواق عامرة، كانت تخدم سكان تلك المناطق وقوافل الحجاج والتجار؛ حيث توفر احتياجاتهم المعيشية لهم ولدوابهم، كما عثر في تلك المواقع على أوانٍ زجاجية، وفخارية، وخزفية، وأدوات معدنية، وحجرية، وعملات معدنية.

 واتجهت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني للعناية بهذا الدرب، وسعت لإحيائه ضمن خطة للمحافظة على التراث الحضاري للمملكة، فأُدرج الدرب ضمن مشاريع برنامج خادم الحرمين الشريفين للعناية بالتراث الحضاري، الذي تنفذه الهيئة، ضمن مبادراتها في برنامج التحول الوطني. وحسب أحدث المعلومات فقد طلبت الهيئة تسجيل درب زبيدة على قائمة التراث العالمي باليونسكو؛ مما سيسهم في إعادة إنعاش هذا الطريق، والحفاظ على قيمته التاريخية الكبيرة.

المصادر:  

  • السرور، عوض بن صالح، المصور الفريد، لدرب زبيدة من الغوير إلى فيد، المؤلف، 1429هـــ/2008م.
  • سلسلة آثار المملكة العربية السعودية، وكالة الآثار والمتاحف، 1423هـــ/2003م.

https://www.scta.gov.sa/MediaCenter/News/GeneralNews/Pages/a-g-1-26-2-15.aspx

  • درب زبيدة في طريقه لقائمة التراث العالمي، جريدة الشرق الأوسط، العدد 14006، 6 رجب 1438هـــ/3 أبريل 2017م