حوار مع عبدالرحمن الرويشد (1347-1438هـ/1929-2016م):

مقتطفات من حوار أجرته صحيفة الأنباء، مع عبدالرحمن الرويشد مؤرخ الدولة السعودية الثالثة، الذي عاش منذ طفولته في كنف الملك عبدالعزيز، وشهد مرحلة تأسيس الدولة وبنائها، وأسهم في تدوين تاريخها. وتناول الحوار بعض ذكريات الرويشد عن الملك عبدالعزيز، ومرحلة تأسيس الدولة وتثبيت أركانها في عهده:

هل عملت مع الملك عبدالعزيز مباشرة، وكم كان عمرك؟ وفي أي مراحل جهاده؟

انا شخصيًا لم أتشرف بأي عمل كان في معية الملك عبدالعزيز، غير أني عشت ووعيت الجزء الأخير من حياته، وفي مظلة قصره، تبعًا لوالدي سليمان بن عبدالرحمن بن رويشد؛ الذي كان يعمل مشرفًا على إدارة شؤون بعض بيوته الملحقة (قصر الديرة)؛ وهو قصر الأميرة الجوهرة بنت سعد السديري، إحدى زوجات الملك عبدالعزيز، ووالدة الأمير سعد بن عبدالعزيز، ومساعد بن عبدالعزيز، وعبدالمحسن بن عبدالعزيز، ووالدة الاميرة حصة والاميرة البندري، ويقع هذا القصر منفردًا بجوار قصور زوجات الملك عبدالعزيز الأخريات، ويربط بين هذه القصور وبين قصر الديرة مقر سكنى الملك عبدالعزيز ومقر ادارة شؤون الحكم، ويربط بينهم جسر  مسقوف يصلهم بالقصر، وكان الملك عبدالعزيز قد تزوج بالاميرة الجوهرة، بعد استشهاد زوجها شقيق الملك البطل سعد بن عبدالرحمن في إحدى غزوات الملك عبدالعزيز، وهي الغزوة المسماة (كنزان)، وقد ترك الأمير الشهيد طفلين صغيرين، هما الأميرة سارة بنت سعد، والأمير سعود بن سعد، وقد ضمهما الملك عبدالعزيز إليه، وبعد وفاة الأميرة سارة بنت سعد تزوج شقيقتها الأميرة هيا بنت سعد السديري، والدة الأمير بدر بن عبدالعزيز، واستمر والدي  يشرف على شؤون هذا القصر، وهناك وفي ذلك الوقت بالذات نشأت، وكنت أشاهد الملك عبدالعزيز وأنا طفل صغير يأتي الى هذا القصر، ويتبسط مع أهله، ويداعب أطفاله الصغار من الأمراء والأميرات؛ وكان ذلك قبل انتقال قصور الملك عبدالعزيز إلى مجمع المربع، وكان عمري آنذاك يناهز الثامنة؛ حيث ولدت عام 1347هـ/1929م، في العام الذي عرف بسنة (السبلة).

بعد التوحيد هل كان لدى الملك عبدالعزيز طموح أكبر في توسيع رقعة دولته عما هي عليه الآن؟ أم أنه اكتفى بما حقق وهذا قمة طموحه؟

قضية طموح الملك عبدالعزيز قضية لا تحتاج إلى برهان، فمغامراته الجريئة، وهو في سن لا تتجاوز الثالثة والعشرين لاستعادة ملك آبائه وأجداده، ووضوح المبدأ الذي سار عليه منذ اللحظة الأولى، وأصبح هدفًا له، وهو جمع شتات الدولة التي حكمها أجداده على أساس من تطبيق أحكام الشريعة، وأخذ المبادرة في الإشراف على شؤون الدولة، والاهتمام بالنواحي الأمنية وإصراره على أن يسود الأمن والاستقرار والإصلاح، وهذه غاية قمة الطموح والتفكير والاتزان.

كيف كان تعامله خلال الحرب وبعدها، خاصة مع عدوه؟

‏تعامل عبدالعزيز خلال الحرب مع خصومه، وتعامله بعد أن تنقضي الحرب، أنه كان يعالج الصعوبات بحكمة وثبات، ‏تحدث عن ذلك من شاهده ممن عرفنا ومن دوَّن تاريخه، ‏وقالوا: أن تلك إحدى مزاياه الكبرى، فهو حريص على حل ما يحدث من معضلات ومشكلات بالطرق السليمة، والتسامح مع ،وكان لا يلجأ إلى الشدة إلا إذا غلقت دونه الأبواب، فحينئذ يضطر إلى المجابهة، وأخذ الأمر بشدة، ومع ذلك كان أسرع ما يكون إلى  الكف عندما تحدث أول مبادرة استجابة. ألف عبدالعزيز هذه الميزة منذ أول معركة استعاد فيها الرياض، وخط أول حرف في تأسيس الدولة السعودية الثالثة، فقد عمد إلى اطلاق سراح أعوان العامل الرشيدي المدافعين عنه، والمنضمين إليه، ولم يسألهم شأنهم؛ مما جعلهم بعد ذلك يتسابقون إلى خدمته والانضمام إلى جنده، وكانوا من أخلص خلصائه، وعندما دخل حائل المدينة التي خاصمته بعد حصار دام أكثر من خمسين يومًا، ذاقت المدينة خلالها الضنك والجوع، أسعف اهلها بما في معسكره من المؤن من طعام ولباس، وبذل لهم الكثير من الأعطيات، وفعل نفس الشيء عند دخول جدة، فعفا عن القوة المقاتلة من الجيش الهاشمي من الحاضرة والبادية، بل أنه ناشد فلول الجيش أن تنضم إلى الجيش السعودي الفاتح، ووعد بأنه سيلقى كل تكريم ورأفة وحياة أفضل مما كان يعيشها، فما كان من ذلك الجيش إلا أن استجاب للنداء، وأصبح نواة للجيش السعودي المنظم.

واذكر أنه قيل: كيف تستعين بأعوان خصومك وقد كانوا أوفياء لهم فكيف تضمن وفاءهم لك؟ فقال: إن وفاءهم لخصمي دليل على أنهم أناس أوفياء، ومع معروفي لهم سيكونون أوفياء لي، وقد كان ما توقعته فراسة عبدالعزيز فيهم.