قاضي الرياض الشيخ عبد الله بن ذهلان

يُعد عبدالله بن محمد بن ذهلان، واحدًا من كبار علماء نجد في القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي. عرّفه ابن حميد (1263-1295هـ/1820-1828م) مؤلف السحب الوابلة بقوله: “نزيل الرياض وقاضيها، علامة الديار النجدية”. وأشار إليه ابن بشر(1210-1290هـ/1795-1873م) في تاريخ نجد بقوله: “الشيخ الفقيه عبدالله بن محمد بن ذهلان… كان له في الفقه معرفة ودراية أخذه عن عدة مشايخ …”.

وُلد في العيينة، التي كانت آنذاك تنعم باستقرار وازدهار، نمت في ظله حركة علمية دينية؛ حتى وُصفت بأنها كانت “بلدة عامرة بالفقهاء والعلماء”، وهناك، بدأ عبدالله بن ذهلان حياته العلمية حسب النمط التعليمي السائد آنذاك؛ وذلك بالدراسة على علماء تلك البلدة وملازمتهم، كما درس على غيرهم من علماء نجد الكبار، ومن أشهرهم محمد بن أحمد بن إسماعيل ( ت 1059هـ/1649م)؛ ومن خلال المعلومات المتوافرة عن ابن ذهلان، يظهر أن أسرته كانت مهتمة بتعليم أبنائها؛ فقد اشتهر كذلك أخوه عبدالرحمن (ت 1099هـ/1688م)، الذي رحل إلى دمشق طلبًا للعلم، فدرس على علماء تلك المدينة خاصة شمس الدين البلباني (1006-1083هـ/1598-1672م )، ثم عاد إلى نجد، ووصفته المصادر بأنه كان  “من أهل العلم، والفضل، والدين”.

وتشير المعلومات إلى انتقال عبدالله بن ذهلان بعد ذلك إلى بلدة “مقرن” التي أصبحت جزءً من الرياض فيما بعد، حيث تولى القضاء فيها، وذاع صيته هناك، واشتغل بالتدريس إلى جانب القضاء، ومما يؤكد مكانته العلمية؛ أن طلاب العلم من أهل نجد الراغبين في التفقه في الدين، كانوا يقصدونه ويرتحلون إليه للأخذ عنه، ومن أشهر تلاميذه: محمد بن أحمد المنقور (ت 1125هـ/1713م)، ومحمد بن ربيعة العوسجي (ت 1158هـ/1745م)، اللذان يعدان من علماء نجد البارزين في زمنهم.

حسب المعلومات المتاحة، لم يترك ابن ذهلان مؤلفات، ولكن علمه وآراءه وصلت من خلال تلميذه المنقور؛ الذي نقل عنه إجاباته وشرحه لمسائل فقهية عديدة في كتابه “الفواكه العديدة في المسائل المفيدة”، وكان ابن ذهلان يملي على تلاميذه آراءه التي وصل إليها من خلال نقله عمّن أخذ منهم، أو من خلال قراءاته في كتب السابقين من العلماء،؛ كما يظهر من كتاب المنقور أن عبدالله بن ذهلان استفاد من رحلة أخيه عبدالرحمن إلى دمشق، فينقل الكثير من الإجابات التي نقلها أخوه عن علماء دمشق الذين درس عليهم وخاصة “البلباني”.

ويتضح من خلال المسائل التي عرضها المنقور في كتابه، أن ابن ذهلان كان يعرض لتلاميذه بعض ما يرد إليه من أسئلة، ويقرأ عليهم رأيه فيها، ويتضح أيضًا أن ابن ذهلان لم يكن يكتفي بالنقل من سابقيه من العلماء، وإنما يعمل على تكوين رأيه الفقهي الخاص، ويرجح المسائل حسب ظروف العصر الذي يعيشه، ويظهر تأثره بما درسه على فقهاء العيينة؛ مما يدلل على مكانتهم العلمية آنذاك. كما يتضح أن ابن ذهلان كان يدوِّن أحيانًا أجوبته على بعض المسائل، ومنها ينقل طلابه، ويظهر كذلك توقفه عن الإجابة عن المسائل التي لم تتضح لديه.

وبيّن المنقور أثر ابن ذهلان على كتاب ” الفواكه العديدة “، فذكر في مقدمته ذلك الأثر قائلًا: “…فهذه مسائل مفيدة، وقواعد عديدة، وأقوال جمة، وأحكام مهمة لخصتها من كلام العلماء، ومن كتب السادات القدماء، وأجوبة الجهابذة الفقهاء، غالبها بعد الإشارة من شيخنا وقدوتنا الشيخ عبدالله بن محمد بن ذهلان – بلَّ الله بالرحمة ثراه، وجعل جنة الفردوس مأواه- لزيادة فائدة، أو تقرير قاعدة، أو إيضاح إشكال، أو جواب سؤال، أو اطلاع على خلاف من كلام أئمة الأشراف، ومسائل قررها في مجلس الدرس وغيره، فأحببت أن أضبط كلامه، بعضه بالحرف وبعضه بالمعنى؛ تذكرة لنفسي وتبصرة لأبناء جنسي عن الاختلاف عندي، وطلبًا للانتفاع بعدي، وبيان مسائل فيها إشكال عليه، أو بها ثقل لديه؛ لئلا يتوهم فيها من يظنها واضحة ظاهرة، أو يقيَّض الله لها من يكشف عنها حجبها الساترة ….”

ونتيجة لوباء انتشر في الرياض، توفي عبدالله بن ذهلان وأخوه عبدالرحمن في شهر ذي الحجة عام 1099هــ/ أكتوبر 1699م.

قد تبدو هذه المعلومات المتوافرة عن عبدالله بن ذهلان، معلومات مألوفة، تتكرر مع غيره من العلماء في كل عصر، ولكن أهمية هذه المعلومات تتضح بربطها بالفترة الزمنية التي عاش خلالها، والفكرة السائدة عنها، فالمعلومات تعكس جانبًا من الحياة العلمية والدينية لمنطقة نجد، وتؤكد أن ابن ذهلان نشأ وعاش ومات في بيئة تحرص على تعلم العلوم الدينية، وتقدر العلماء، وتحث على طلب العلم والرحلة في سبيله، وأنجبت تلك البيئة علماء عديدين، أسهموا في تكوين حركة علمية، أثرت في تاريخ نجد في المرحلة التي سبقت قيام الدولة السعودية الأولى.