يشير مصطلح النسب لغة، إلى نسب القرابات؛ وهو القرابة في الآباء خاصة، وجمعها أنساب؛ أما في الاصطلاح، فيعني العلم الذي يُعرف منه أنساب الناس؛ والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في نسب الأشخاص.

وعنيت الأمم منذ القدم بحفظ أنسابها وتتبعها، وتدوينها؛ وذلك لحاجتها إليها للتعرف إلى الوشائج والعلاقات التي تربط كل فرد بغيره، وأشارت المعلومات إلى عناية الصينيين الفائقة بأنسابهم، وحرصهم على كتابة أسماء الآباء والأجداد في هياكلهم، فيعرف الواحد أنساب أصوله إلى ألف سنة أو أكثر.  وذكرت المصادر عناية الإفرنج بالأنساب في القرون الوسطى، والأخيرة؛ وكانت لهم دوائر خاصة لأجل تقييدها وضبطها، ووصل آخرها بأولها. كما ضبط اليهود والنصارى أنسابهم، وروى ابن الطقطقي (660-709هـ/1262-1309م): “بلغني أن نصارى بغداد كان بأيديهم كتاب مشجر، محتو على بيوت النصارى وبطونهم؛ فهذه الأمم وإن اعتنت بأنسابها بعض العناية، واهتدت إلى ضبط مفاخرها نوعًا من الهداية؛ فلم يبلغوا مبلغ العرب الذين كان هذا الفن غالبًا عليهم”.

وأسهم العرب بسهم وافر في هذا العلم، فعنوا به عناية كبيرة، وظهر فيهم عدد من النسّابين في الجاهلية والإسلام، وازدادت العناية بعلم الأنساب بعد ظهور الإسلام؛ فقد أكد الإسلام على أهمية رعاية الأنساب وحفظها، وحث على صلة الأرحام، وبنى على ذلك كثيرًا من أحكامه، ليهتم المسلم بحفظها، في حدود حاجاته الشرعية، لا على أساس التفاخر والعصبية والقبلية. والمراد بذلك التعارف بين الناس، حتى لا يعتزي أحد على غير آبائه، ولا ينتسب إلى سوى أجداده، وعلى ذلك تترتب أحكام النكاح، والإرث، والعتق، والديات، والوقف، وغيرها.

وقال الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (الحجرات، آية رقم 13)

ويحفظ التاريخ قصصًا وروايات كثيرة تدور حول اهتمام العرب والمسلمين بأنسابهم.  وفي هذا المعنى قال ابن عبد ربه الأندلسي (246-328ه/860-940م): “.. قد مضى قولنا في النوادب والمراثي، ونحن قائلون بعون الله وتوفيقه في النسب؛ الذي هو سبب التعارف، وسلم للتواصل، به تتعاطف الأرحام الواشجة، وعليه تحفظ الأواصر القريبة، …فمن لم يعرف النسب لم يعرف الناس، ومن لم يعرف الناس لم يُعدّ من الناس…”

وقال شهاب الدين النويري (667-733هـ/1269-1333م): “ومعرفة أنساب الأمم مما افتخرت به العرب على العجم؛ لأنها احترزت على معرفة نسبها، وتمكنت بتمتين حسبها، وعرفت جماهير قومها وشعوبها، وأفصح عن قبائلها لسان شاعرها وخطيبها، …”

وتفنن علماء النسب في كيفية تدوين النسب وضبطه، ولهم في ذلك أصول وقواعد وشروط ومصطلحات خاصة. واتبعوا طريقتين لتدوينه؛ فإما أن يكون مشجرًا أو مبسوطًا؛ وأشار العلماء إلى أن المبسوطات أكثر من المشجرات، والمشجر يعتمد على رسم يشبه الشجرة القائمة، لديها أصل، وسيقان، وأغصان، وفروع. وبرع في التشجير علماء بارزون أثروا الحضارة الإسلامية بهذا الفن البديع. ومن أبرزهم الشريف قثم بن طلحة الزيدي النسابة، وكان فاضلًا يكتب خطًا جيدًا، وقد قال في ذلك: “شجَّرت المبسوط، وبسَّطت المشجر”.

أما المبسوط، فيعني سرد الأسماء ابتداء من الأب الأعلى، ثم يذكر ولده لصلبه، ثم يبدأ بأحد أولئك الأولاد فيذكر ولده، فإذا انتهى انتقل إلى ولد أخيه، ثم يأتي على الإخوة، ثم إلى ولد الولد، وهكذا. وفي أثناء ذلك يذكر أخبار، وأشعار، وإشارات، وتعريفات، وألقاب.

والفرق بين المشجر والمبسوط؛ هو أن المشجر يبدأ فيه بالبطن الأسفل، ثم يتقى أبا فأبا إلى البطن الأعلى، والمبسوط يُبتدأ فيه بالبطن الأعلى ثم ينزل إلى الأبناء في البطن الأسفل.

وفيما يلي نماذج من الأساليب التي استخدمها العرب في التشجير:

500fsdfdsfds
501
502
504
800
801
900

وفيما يتعلق بشجرة نسب آل سعود، فمن أبرز الأعمال التي ظهرت لتوثيق نسب آل سعود، بدءًا من الجدول الأول لأسرة آل سعود، إلى الملك عبد العزيز، وخلفائه، وأبناء عمومته ممن يشملهم أسم آل سعود، وبحسب التدرج الزمني، يأتي مشجّر سنت جون فيلبي John Phillby في كتابه ” الذكرى العربية الذهبية ” Arabian Jubilee، والذي صدر في عام 1371هــ/ 1952م، بمناسبة مرور خمسون عامًا على حكم الملك عبد العزيز (1319-1369هــ/1902-1949م).

وقيمة الكتاب العلمية عالية، وقد أضاف له فيلبي كملحق شجرة على شكل جداول لأسرة آل سعود من أول جد، إلى عام الذكرى الذهبية، وفي ذلك يوضح فيلبي عمله قائلاً:

” وبالنسبة لجداول شجرة الأنساب وموضوعات سلسلة النسب في الملاحق؛ فإني مدين بالشكر الجزيل للعديد من أعضاء الأسرة الملكية وغيرهم، الذين تقدموا مشكورين لمساعدتي، في إعداد سجل دقيق قدر الممكن لجميع أجيال آل سعود، من أكبر جد معروف حتى عام الذكرى الذهبية. وأكرر شكري لسعود بن هذلول، الذي برهن على أنه كنز ثمين للمعلومات النافعة في كل هذه المسائل، وخاصة بالنسبة للغموض الذي يشوب بعض فروع الأسرة ذات القرابة البعيدة، التي ينتمي هو نفسه إلى إحداها “.

ولم يكتف فيلبي بوضع الشجرة، وتتبع الأسماء، ووضعها في موضعها؛ بل أردف ذلك بملاحظات سجلها على معظم الأسماء التي ذكرها، وقد جمعت هذه التوضيحات معلومات على درجة عالية من الأهمية؛ لعدم وجودها في أي مصدر آخر، كما أنها دونت معلومات غير متداولة وغير معروفة عند الكثير، خاصة ما يتعلق بمسألة المصاهرة والقرابة التي تربط آل سعود بعضهم ببعض.

ويوضح الشكل الآتي جزء من عمل فيلبي:

10
11
12
13
14
15
16

شجرة التميمي

وبعد ذلك بسنوات، جاء محمد أمين التميمي ( ت 1392هــ/ 1972م)، الذي عُرف بعلاقته بالملك عبد العزيز، وعمل في وزارة الخارجية في جدة منذ عام 1346هــ/ 1927م، وكانت له مهامه التي قام بها، وعُرف عنه اهتمامه بالجانب التاريخي؛ وتمخض ذلك الاهتمام عن إعداد شجرة نسب آل سعود، وتوثيقها تاريخيًا لأول مرة بشكل شامل ومنظم. ولقد تمكن من تحقيق ذلك في عام 1363هــ/ 1944م، وتم طبع الشجرة في عام 1365هــ/1946م بمصلحة المساحة المصرية. ويروي البعض ما شاهدوه من جهود التميمي المتواصلة والشديدة، لتوثيق شجرة نسب آل سعود، والتحقق من الأسماء، وإثباتها في مكانها الصحيح؛ والذي يطلع على هذا العمل يتبين له حجم الجهد الذي بُذل، والمعلومات التي تم الحصول عليها لإنجازها.

وفي عام 1388هــ/ 1968م، أصدر التميمي نسخة جديدة ومطورة من شجرة نسب آل سعود، الملونة بألوان محددة خاصة بأسماء الرجال، والنساء، والملوك، والشهداء، والمثقفين، والخريجين، والأحياء والأموات. ولقد ترك التميمي قاعدة جيدة لمعلومات الأسرة المالكة تجاوزت الشجرة التي تم طبعها. فلقد ظهر له بعض الأخطاء في النسخة المطبوعة من الشجرة، وقام بتلافي ذلك في دراسة مستقلة لم يتم نشرها؛ لوفاته قبل أن يكملها. فلقد قام برسم فروع الشجرة، ووضع فهارس مرتبة على حروف الهجاء لجميع أفراد الأسرة المالكة، وطبقات آل سعود والمصاهرات، وتحتفظ دارة الملك  عبد العزيز بهذه الأوراق التي تم اقتناؤها من أسرته في عام 1396هــ/1976م.

ولقد أوضح التميمي حجم ما قام به من جهد في هذا العمل المتميز في أوراقه الخاصة قائلًا:” والله وحده يعلم مبلغ الجهد الذي بذلته؛ خلال اثنين وعشرين سنة من المتابعة، والملاحقة، والإلحاح والاستمرار والإصرار في سبيل الحصول على المعلومات، ويعلم مدى المصاعب والمتاعب والعقبات التي اعترضت سبيلي “.

 

شجرة الرويشد

وفي عام 1419هــ/1999م، صدر لعبد الرحمن الرويشد كتاب الجداول الأسرية لسلالات العائلة المالكة السعودية، كما صدر له شجرة آل سعود، و يوضح الرويشد سبب قيامه بهذا العمل قائلًا: ” عندما تقدم مؤرخ أمريكي يدعى ( جون أرميتاج ) إلى وزير الإعلام الأسبق معالي الشيخ علي الشاعر؛ مبديًا رغبته في إنجاز شجرة عائلة يضمنها أسرة أفراد العائلة المالكة السعودية؛ لكن المسؤولين رأوا أنه لا حاجة في أن يقوم بهذا العمل مؤرخ أجنبي، ما دام ذلك في استطاعة مؤرخ وطني. فكان أن تم اختياري للقيام بهذا العمل، وصدر أمر ملكي بذلك؛ على أن يكون العمل على مستويين، أحدهما تحديث المشجرة السابقة، فقمت بالتحديث للعمل السابق، الذي كان قد توقف بموت صاحبه الشيخ محمد التميمي، الذي كان موظفًا قديمًا، في وزارة المعارف ( التربية والتعليم ) وباحثًا معروفًا.

أما المستوى الثاني، فكان من تصميمي وإخراجي، ويشتمل على مشجرة بأحجام مختلفة، وعلى كتاب توضيحي باللغتين العربية والإنجليزية، وهو على شكل خريطة عائلية وجداول واضحة للسلالات، من القاعدة إلى أعلى فرع في العائلة، يمكن أن يبنى عليها تحديثات الأجيال القادمة “.

وقد أنشغل عبد الرحمن الرويشد بتطوير الشجرة الخاصة، التي وضعها محمد أمين التميمي، وقد قام بإجراء التنقيحات عليها، ووضع قاعدة معلومات لها على أسس منهجية حديثة، منها إضافة فهارس أبجدية بأسماء سلالاتها، وفروعها، وجداولها، مع إعادة رسم الشجرة كاملة؛ وقد استخدم الكمبيوتر لرصد فئاتها، ومواليدها، ووفياتها، وأعمارها؛ لتحمل قرابة ستة آلاف لكل من يحمل اسم آل سعود، منذ قيام الدولة وحتى نحو 3 قرون، حتى صار هذا العمل بمثابة مرجعًا مهمًا للأسرة الحاكمة وللجهات الرسمية؛ حتى أن هذه الشجرة قد طُبعت عدة طبعات، آخرها كان في عام 1436هـ/ 2015م، كما طبع كتاب الجداول الأسرية عدة طبعات، كان آخرها الطبعة الرابعة في عام 1436هــ/2015م.

200

كما يوضح الشكل الآتي أعداد أسرة آل سعود ذكورًا إناثًا، أحياءً وأمواتًا منذ عام 1100هــ/1688م حتى عام 1436هــ/2015م (1688م-2015م)، من واقع الكتاب الجداول الأسرية ( ط 4)

ذرية و أحفاد

الذكور

الإناث

المجموع

الأمير سعود بن محمد بن مقرن، الذي تنتسب إليه الأسرة، ومحمد بن سعود و إخوته: ثنيان، مشاري، فرحان.

3021

2480

5801

المؤسس الإمام محمد بن سعود وأبنائه: عبد العزيز وذريته حكام الدرعية، وعبد الله جد الأسرة الحاكمة اليوم.

2293

2092

4385

الأمير عبد الله بن محمد، والد الإمام تركي، وجد آل صنيتان.

2249

2087

4336

المؤسس الثاني الإمام تركي وأولاده: فيصل، جلوي، عبد الله.

2244

2087

4331

الإمام عبد الرحمن بن فيصل، بمن فيهم الملك عبد العزيز وذريته.

1463

1359

2822

الملك عبد العزيز (مؤسس الدولة السعودية الثالثة)

1071

979

2050

الإمام سعود بن فيصل آل سعود

358

324

682

الأمير جلوي ابن الإمام تركي آل سعود

270

255

525

الأمير عبد الله ابن الإمام تركي آل سعود

129

122

291

الأمير ثنيان بن سعود آل سعود

178

160

338

الأمير مشاري بن سعود آل سعود

214

202

416

الأمير فرحان بن سعود آل سعود

336

326

662

الأمير عبد الله بن عياف بن مقرن

100

88

188

مجموع عدد أفراد الأسرة ( جميع الفروع )

3121

2868

5989

تقسيمات أسرة آل سعود:

يمكن بشكل عام، الاجتهاد بتقسيم الأسرة السعودية الحالية إلى أربع مجموعات رئيسية وهي:

الفروع التي تلتقي مع آل سعود في جدهم الأعلى مقرن؛ ولكنهم ليسوا من أبناء (سعود بن محمد بن مقرن) الذي تتسمى الدولة باسمه.

الفروع التي تتحدر من سعود بن محمد بن مقرن (والد الإمام محمد بن سعود، مؤسس الدولة السعودية الأولى) ومنهم: آل محمد بن سعود نفسه، وآل ثنيان، وآل مشاري، وآل فرحان.

أسر تتفرع من الإمام تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود، مؤسس الدولة السعودية الثانية، ومنهم: آل جلوي، آل تركي، آل فيصل ( وينبثق عن الأخيرين آل سعود بن فيصل، و آل عبد الرحمن بن فيصل وغيرهم ).

ذرية الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية المعاصرة، وهم يكوِّنون فرعًا يتحدر من كل الأصول الثلاثة السابقة، ويطلق عليهم لقب ” أصحاب السمو الملكي”.

 

وسيلي هذه المقدمة إن شاء الله وفي الشهر القادم، توضيح لفرع الإمام سعود بن فيصل بن تركي وسلالته، وترجمة لأبرز من لهم نشاط في الحياة العامة في الدولة السعودية الثانية والمعاصرة.

 

المصادر:

H.St.J.B. Philpy. Arabian Jubilee. New York. An Asia Book.The John Day Company.

فهد بن عبد الله السماري، “محمد أمين التميمي“. جريدة الرياض.

محمد بن عبد الله المشوح ” الشيخ عبد الرحمن الرويشد عينان للتاريخ والأدب “. الجزيرة، الجمعة 1 ربيع الثاني 1438هــ/ 30 ديسمبر 2016م العدد (16164).

عبد الرحمن بن صالح الشبيلي، ” شجرة الملك والحكم“. الشرق الأوسط، الجمعة 11 شوال 1427هــ/ 3 نوفمبر 2006م، العدد (10202).

عبد الرحمن بن سليمان الرويشد، “الجداول الأسرية لسلالات العائلة المالكة السعودية”، المجلد الأول، 1419هــ/1998م.

مصطفى حمدي الكردي الدمشقي، قلائد الذهب في معرفة أنساب قبائل العرب، تقديم وتعليق، كامل سلمان الجبوري، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 2000م.

الموسوعة العربية العالمية، ج 3، ط2، الرياض، مؤسسة أعمال الموسوعة، الرياض، 1419/1999م.