Website-09

الملك عبدالعزيز و المرأة

كان الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ينهج سلوكاً راقياً رائعاً في علاقته بالمرأة وهو في ذلك يعكس جانباً من تربيته وعقيدته فقد تأسى بالرسول صلى الله عليه وسلم في تعامله مع المرأة وعمل بوصاياه بها، كما أن تعامله يعكس نوع التربية التي تلقاها في طفولته ومرحلة صباه التي كان لبعض نساء أسرته أثر ظاهر في موقفه من المرأة كما تجلت فيما بعد.

وتستوقف علاقة الملك عبد العزيز بالمرأة أي باحث يود اكتشاف جوانب من شخصيته فهو إن كان ذلك القائد الصارم المهيب والسياسي المحنّك الذي ساد دولة وخاض أشرس المعارك وفاوض أعتى السياسيين فقد كان في الوقت نفسه على مستوى علاقته الشخصية بالمرأة إبناً باراً، و أباً حنوناً، وأخاً عطوفاً،وزوجاً مهتماً، وملكاً منصفاً لنساء شعبه.

وقد أرتكزت علاقته بوالدته سارة بنت أحمد بن محمد السديري على البر والاشادة بفضلها، بينما كانت علاقته بعماته نورة والجوهرة وطرفه، علاوة على كبار نساء الأسرة على درجة كبيرة من العمق، وقائمة على محورين محور التبجيل والتقدير لهن والعطف عليهن من قبله، وصلتهن بشكل دائم إلى آخر حياة كل واحدة منهن، والمحور الآخر تعلقهن به ورعايتهن له وتوجههن بالنصح له في فترات شبابه، وكانت عمته الجوهرة على الأخص عميقة الصلة به منذ طفولته، و أثرت في بناء شخصيته، وهي التي غرست في ذاته منذ صغره مهمة استعادة ملك آبائه و أجداده مستندة على ما لمسته منه من نبوغ و استعداد للقيام بالمهام الجسام، وقد ظل الملك عبد العزيز طوال حياته يؤكد أنها المرأة الوحيدة التي كان لها تأثير قوي في مسار حياته.

وأما علاقته بأخواته فإننا نلمس فيها عمق الترابط والتراحم وقوة الصلة، ولعل علاقته بشقيقته نورة برهان على ذلك، فقد امتزجت حياة الملك عبد العزيز بحياة أخته نورة فتقاربا وتعاضدا تحت مظلة من الحب الأخوي الصادق الذي لم تشبه شائبة، فكانت نورة أقرب النساء إلى نفس عبد العزيز يحبها ويرعى شؤونها ويصغي لنصحها ويفضي اليها بأسراره ومكنونات نفسه. وفي المقابل كانت هي تمحضه حبها وودها وتخاف عليه أشد الخوف، وتتلمس كل ما يمكن أن يخفف عنه أعباء الحياة وثقلها في مرحلة تأسيس الدولة التي بناها.

وفيما يخص علاقته بزوجاته فقد كان – يرحمه الله – مراعياً حقوق الله فيهن، عادلاً، محباً، متفهماً، ودوداً، وهناك روايات تنم عن عمق فهم الملك عبدالعزيز لطبيعة هذه العلاقة الخاصة وكذلك مقدار احترامه للمرأة الزوجة وتوفير كل حقوقها المشروعة وعدم الاساءة إليها بأي حال من الأحوال سواء بقيت معه أو انفصل عنها بالطلاق.

فقد كان الملك عبدالعزيز يوازن بين مشاغله العامة الكبيرة وبين حياته الخاصة، التي لم تكن حياة رجل مع امرأة واحدة أو حتى أربع نساء، بل كانت حياة متجددة مع نساء كثيرات التقى بهن وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية دافعه إلى ذلك ترسيخ الكيان الذي كان يشيده ويبنيه، وبالتالي كان عليه أن يوسّع من دائرة التراحم والتقارب مع الأسر والقبائل ليكونوا عضداً ودعماً للدولة الفتية في طور بنائها، ومن هنا كانت للملك عبدالعزيز زوجات عدة عاشرهن جميعهن بالمعروف وسرح من سرحهن بالإحسان.

ومن مظاهر عناية الملك عبدالعزيز بزوجاته أنه كان يتعامل معهن برقي واهتمام، فقد كان يعنى بمظهره الشخصي، ونقل عنه قوله: ” الزوجة تلبس أجمل ثيابها وتضع الطيب والزينة لزوجها أليس من حقها أن ترى من زوجها ما يرى منها أليست إنسانة تحب وتكره “و أنه كان يحرص على مراعاة مشاعرهن وإبداء اهتمامه بكل واحدة منهن فمما يذكر أنه في حالة ولادة أي واحدة منهن كان يقوم بزيارتها وتفقد أحوالها وقضاء حاجاتها، وفي هذا التصرف لمحة إنسانية عميقة، إضافة إلى أنه اعتنى بتثقيف وتعليم نسائه، وفي ذلك ما يوضح إدراكه العميق لتأثير التعليم على السلوك ودوره في التهذيب، وأنه كان يحثهن ويشجعهن على فعل الخير وتقديم العون لأبناء المجتمع سواء كان ذلك عن طريق الوقف أو المساعدة العينية المباشرة، وقد تأثر أغلب زوجاته بسلوكه المحفز لفعل الخير فعكسن ذلك في تربية أولادهن وموقفهن من المجتمع ، وكان شديد الحرص على أن تكون العلاقات بين زوجاته علاقة ودية بحيث يجتمعن سوية يتزاورن.

وفي هذا الجانب كان يحرص دون شك ألا تكون هناك أي خلافات بين زوجاته كي ينشأ أبناؤه نشأة سليمة في جو من المحبة والمودة دون النظر إلى انتمائهم إلى أمهات شتى.

وتوجهت مشاعرالملك عبد العزيز إلى بناته وحفيداته اللاتي غمرهن بحبه ومودته وحرص على تنشئتهن على مبادئ الإسلام والتقاليد العربية الأصيلة وتقويم سلوكهن.  وقد كان حريصاً على أن يختمن بناته وحفيداته القران ويفهمن الحديث ولذلك كان يحضر لهن المطاوعة، وفي فترة لاحقة انشأ كتّاباً لهن كانت من أشهر مطوعاته منيرة بنت سعود الفوزان التي كانت تلقى الدعم الكبير من الملك عبدالعزيز حتى انها ساعدت في تعليم عدد من بنات الرياض آنذاك.

أما عن علاقة الملك عبدالعزيز بالنساء من عامة الشعب، فقد كان يحكمها العدل ومبنية على الإحترام و التقدير فلم يكن يتردد في الاستماع إلى إمرأة مهما كان وضعها وفي أي مكان تقابله فيه فقد يجد امرأة في الطريق فتشير إليه فيتجه نحوها ويسمع شكواها، فإن كانت مظلومة أنصفها أو سائلة أرضاها، أو طالبة طلباً مشروعاً أمر بتنفيذه في الحال، ويوضح هذا الجانب أن امرأة بدوية عجوزاً استوقفته في الطريق، و دعت له بالخير و البركة، فأكرمها بأعطية من المال، و أمر أحد مرافقيه بأن يوصلها إلى مكان إقامتها.

وحادثة أخرى أن امرأة مسنة وقفت يوماً على باب قصره تشكو إليه أمر قضية في ميراث لها، وقالت له: ليس لي من يدافع عن حقوقي، فناداها وأخذ ما بيدها من الأوراق، ووعدها بأنه سيكون وكيلاً عنها في الدفاع، وبالفعل نظر في الحجج التي بيدها وأرسل القضية الى المحكمة الشرعية.

وأخذ يسأل كل يوم عن تلك القضية حتى قررت المحكمة في شأنها، وأبلغ المرأة الحكم وأمر بإنفاذه.

كما أن تأثيره في تعليم المرأة كان واضحاً ففي الحجاز ساند مشروعاً رفع إلى مجلس الشورى في عام 1350هــ/1932م لإصلاح كتاتيب البنات في الحجاز وزيادتها.

ذلكم هو عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود، الإنسان الذي كان أسداً هصوراً في مواقف الحكم والحرب والمواجهة مع الأعداء، الرقيق الحاشية و الودود و اللطيف مع المرأة.

تلك لمحة خاطفة عن إنسانيته التي لا تتسع إلى تقصيها ورصد كل أحداثها كل ما قيل سابقاً.

المصادر:

  • دلال بنت مخلد الحربي. ” الملك عبد العزيز و المرأة ” الجزيرة، ع(9896) 24 رجب 1420هــ/ 2 نوفمبر1999م.
  • دلال بنت مخلد الحربي. إصلاح كتاتيب البنات في الحجاز من خلال وثيقة رسمية (1350هــ/1932م)، مجلة عالم المخطوطات والنوادر، مج14، ع1، 1430هــ/2009م.