تبوك copy

منطقة تبوك

“لم تكن تبوك لتظهر إلى حيز الوجود؛ لولا الينبوع العظيم الذي يتدفق بسخاء من باطن الأرض تحت ظلال نخلها الباسق الخلّاب”

هاري سنت جون فيلبي “أرض مدين”

موقعها:

تقع منطقة تبوك شمال غرب شبه الجزيرة العربية، وتُعتبر الحد الفاصل بين الحجاز والشام، وتقع حاليًا شمال غرب المملكة العربية السعودية، وتتبعها إداريًا محافظات الوجه، وضبا، وتيماء، وأملج، وحقل. وتتميز تبوك بتضاريس متنوعة، من جبال، وأودية وشواطئ، وتكثر بها عيون المياه، والبساتين الغنّاء؛ مما جعلها مركزًا حيويًا للاستقرار البشري منذ القدم.

نبذة عن تاريخها في العصر القديم:

احتلت منطقة تبوك أهمية تاريخية وحضارية منذ القدم؛ فخلال مراحل تاريخها شهدت المنطقة أحداثُا مهمة دارت على أراضيها، دلّت عليها الآثار الكثيرة التي تعود إلى فترات تاريخية مختلفة؛ ففي تاريخها القديم أسهم موقعها على الطريق التجاري المزدهر الذي يربط شبه الجزيرة العربية ببلاد الشام ومصر؛ في بناء صلات حضارية مع الحضارات التي استوطنت تلك المناطق، وكانت بمثابة البوابة الشمالية لشبه الجزيرة العربية؛ مما جعلها محطًا لأنظار القوى السياسية التي سيطرت على العالم القديم. وكتب عنها أوائل الجغرافيين، مثل بطليموس. وحفظت النقوش المنتشرة فيها أحداثًا كثير دارت على أراضيها. وكانت أرضها موطنًا لأقوام ودول متعاقبة، مثل: عاد وثمود التي رجحت المعلومات استقرارهما هناك، وأرض مدين التي كانت مسكنًا لأصحاب الأيكة، الذين بعث إليهم نبي الله شعيب عليه السلام، ثم سكنها اللحيانيون الأنباط. وقبيل الإسلام كانت مملكة الغساسنة تمد نفوذها على العرب الساكنين هناك.

تاريخ تبوك في العصر الإسلامي:

وبعد ظهور الإسلام اكتسبت تبوك أهمية إضافية، فارتبط اسم تبوك بغزوة العسرة في السنة التاسعة للهجرة، ووُصفت بأنها أقصى أثر للرسول عليه الصلاة والسلام. ومنها بعث سرية خالد بن الوليد إلى دومة الجندل.  وفي عهد الخلفاء الراشدين أصبحت تبوك على طريق الجيوش الإسلامية التي انطلقت نحو بلاد الشام.

أصبحت تبوك منزلًا مهمًا على طريق الحج، ينزل بها الحجاج القادمون من الشام ومصر، وأخذت نتيجة ذلك حيزًا من كتابات الجغرافيين والرحالة المسلمين. ومنهم ابن خرداذبّة (ت 300هـ/912م)، والإصطخري (340هـ/951م) الذي ذكر عنها معلومات منها: “تبوك بين الحجر وبين أول الشام، وهو حصن به عيون، ونخيل، وحائط ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم”، وذكر الإدريسي عنها أنها: “…بها حصن يطيف  بها، وشرب أهلها من ين ماء خرارة، وبها نخل كثير…” ووصف أهلها قائلًا: “… ولهم كرم وبذل لما في أيديهم…”. ومر بها محمد بن عمر بن رشيد الأندلسي عام 684هـ/1285م وقال عنها: “….رأينا هذا الموضوع قد ملئ جنانًا من نخيل، وبها يسير زرع …. وهذه العين صهريج كبير مطوي بالحجر، يجتمع فيه ماء كثير.. وماؤها كثير عذب، فاغتسلنا من هذه العين المباركة، وتضلعنا من مائها الطيب المبارك”.

تبوك وطريق الحج:

كان موقع تبوك على طريق الحج عاملًا مهمًا في ازدهارها، وأسهمت القبائل الساكنة حولها في تقديم الكثير من الخدمات لقوافل الحجاج المارة بهم التي كانت مصدرًا رئيسًا لدخل تلك القبائل. وأقيمت على أرضها الكثير من القلاع التي خصصت لخدمة الحجاج العابرين بها، وحمايتهم، فحُفرت فيها الآبار، وبُنيت البرك، والإسطبلات، وخصص لها الحرس، ومرّ الرحالة أوغست فالين August Wallin ، الذي يرجح أن يكون أول أوروبي يمر بها في العصر الحديث، عام 1264هـ/  1848م، وعلّق قائلًا: “… ومع أن مظهر القلعة يشير إلى أنها حصن لرد هجمات القبائل المفاجئة؛ فهي تُعد مخزنًا لتموين الحجاج، والجنود الذين يرافقونهم؛ لا مكانًا محصنًا للمحافظة على نفوذ السلطان التركي في البلدة والجوار…”، ومن أشهر قلاع المنطقة:

قلعة الأزلم: التي بُنيت في عهد السلطان المملوكي محمد بن قلاوون (693-694، 698-708، 709-741هـ/  1293-1294، 1299-1309، 1309-1341م) ، ثم جددت في عهد قانصوة الغوري (906-922هـ/1500-1516م)، وقلعتا المويلح وتبوك: التي رجحت المعلومات بناءهما في عهد السلطان سليمان القانوني(926-973 هـ/1520-1566م)، وقلعة الزريب: التي بُنيت عام 1026هـ/1617م، وقلعة المعظم: التي بنيت عام 1031هـ/1622م، ومر بها الكثير من الرحالة، ومنهم يوليوس أوتنج Julius Euting   الذي مر بالمنطقة عام 1301هـ/ 1884م، فقال عنها: “… فخلال ذلك الشعيب المملوء بحبات الرمل، يمكن للمرء مشاهدة السهل الذي تتوسطه قلعة المعظم ببركتها، وإلى جانبها شجرة الطلح الوحيدة، وبعد نصف ساعة وصلنا القلعة، واحتمينا خلف سورها المعاكس لاتجاه العاصفة القوية، أما القلعة فقد بنيت سنة 1031هــ/1622م على شكل مربع منتظم الأضلاع، وأبراج عند الزوايا تهدمت بعض قبابها، ويتم إغلاق بابها بواسطة باب حديدي كبير، وفي الفناء توجد قاعتان ذات أسقف مقببة، وعدد من الغرف المغلقة، وإسطبل مفتوح، ثم درج حجري يؤدي إلى الدور الثاني الذي يحتوي على المطبخ ومجالس الحري، وبين البرجين يمتد ممر ضيق كان يستخدم لأغراض دفاعية، وفي الجهة الجنوبية يرتفع برج آخر للمراقبة والدفاع وفي خارج القلعة من ناحية الجنوب تمتد البركة بطول 60 متراً وعلى جانبها عمودان عليها آثار كتابة تآكلت بفعل التعرية، وفي الجهة الجنوبية الغربية توجد شجرة طلح واحدة، في هذا العام أدت الأمطار التي سقطت قبل شهر إلى ملء البركة؛ على العكس من العام المنصرف، فلم يجد الحجاج العائدون من مكة أي قطرة ماء…”.

تاريخ تبوك الحديث:

وعني العثمانيون بطرق الحج عناية كبيرة، وشملت تلك العناية المحطات التي يمر بها الحجاج، ومن بينها تبوك، فرممت قلاعها، وبنيت بها ثكنة عسكرية، ومستشفى، ومحجر صحي. وكان مد سكة حديد الحجاز في بداية القرن العشرين، حدثًا مهمًا في تاريخ المنطقة، وأصبحت تبوك محطة مهمة من محطاتها، وبُنيت فيها مبان مرتبطة بهذا الحدث، مثل محطة القطار، وخزانات المياه، والمخازن، والمخافر. وبُني فيها سوق، قال عنه هاري سنت جون فيلبي Harry St. John Philby (الذي عرف بعد إسلامه عبدالله فيلبي)، الذي زار المنطقة فيما بعد عام 1370هـ/ 1950 م: “…إن سوق تبوك نموذج للنظافة والراحة، شيد في عهد العثمانيين ليفي بمتطلبات افتتاح سكة الحديد، ويمتد على مساحة واسعة، وتحده مبان حديثة تستخدم للأغراض التجارية… وقام العثمانيون خلال إنشاء السكة الحديدية بهدم وإزالة البيوت المتناثرة في المنطقة حتى ينشئوا سوقًا واسعة ومخططة تخطيطًا جيدًا، كما خططوا قرية الجديدة، وبنوا مسجدًا في الموضوع، الذي يُعتقد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد صلى فيه إبان غزوة تبوك…”. ونتج عن إنشاء محطة القطار فيها؛ أن استتب الأمن، وتوطدت سلطة الدولة العثمانية، واستقرت بعض القبائل حولها.

وخلال الحرب العالمية الأولى كانت تبوك ميدانًا للعديد من العمليات العسكرية إبان الثورة العربية، وخاصة منطقة الوجه.

وانضمت تبوك إلى الملك عبد العزيز منذ عام 1340هـ/1922م، وشهدت منذ ذلك الحين تطورًا ملحوظًا، وحظيت موانئها والبلدات التابعة لها بالاهتمام، وعلق حمد الجاسر على التطور الذي شهدته المنطقة، حين قارن بين ما رآه في زيارته لها عام 1367هـ/1948م، ثم بعد ذلك زيارته التالية لها عام 1390هـ/1970م، فعن الأولى قال: “لقد زرتها عام 1367ه/1948م، فرأيته تتكون من مبان من الحجر أنشئت منذ العهد العثماني، وأكواخ من اللبن والطين، ومساكن لأهل البلدة، وقصر كبير، مبني من اللبن والطين، في أول عهد الحكومة، واتخذ مقرًا لدائرتي المالية والجمارك، وكان السكان في ذلك العهد لا يتجاوزون ألف نسمة”. وعبر عما رآه في المنطقة عام 1390هـ /1970م قائلا: “أنشئ في المدينة كثير من الدارات والدور الجميلة، وغرست حولها الأشجار، وخططت البلدة تخطيطًا حسنًا، وأنشئ الكثير من الدوائر الرسمية، محلات واسعة كالإمارة، والبلدية، والمستشفى، وغير ذلك من المباني، وأنشئ فيها عدد من المساجد…. وفي المدينة سوق طويل يخترقها، تزخر دكاكينه بمختلف البضائع وأُنيرت البلدة بالكهرباء، وأدخل الماء إلى المنازل، ولا تزال في تقدم واطراد نمو…”.

آثارها:

تضم منطقة تبوك آثارًا كثيرة، ومتنوعة، وتعود إلى فترات تاريخية مختلفة، وحظيت آثارها بالكثير من الاهتمام، وكتب عنها الرحالة المسلمون والأجانب، ومن أبرز المواقع الأثرية فيها:

تيماء: التي تضم الكثير من الآثار التي تعود إلى العصور القديمة، ومنها: السور القديم، وقصر الحمراء، وقصر الرضم، وبئر هداج، وقصر الأبلق.

البدع (مغاير شعيب): وهي واحة قديمة بها قبور منحوتة، في الصخور، ترجع إلى العصر النبطي، كما تضم آثارًا إسلامية.

الديسة: التي تشتهر بالكثير من الكتابات والنقوش النبطية.

هضبة حسمي: التي تشتهر بسلاسل جبلية متشابكة شاهقة الارتفاع، يغطيها الثلج في فصل الشتاء، وتعتبر امتدادًا لجبال السروات، ومن أشهرها جبل اللوز، الذي يلفه الضباب، وتضم نقوشًا قديمة، وكتابات إسلامية، وقيل عن منطقة حسمي: “أرض في الصحراء ذات جبال مرتفعة، يغلف السديم قممها”، وورد ذكرها في قصائد بعض شعراء الجاهلية، فقال النابغة الذبياني:

وأضحى ساطعا بجبال حسمي                        وقامة الترب محتزم القتام

كما أشار إليها جميل بثينة قائلًا:

أحبك إن نزلت جبال حسمي                  وإن ناسبت بثنة من قريب

المصادر:

  • الجاسر، حمد، في شمال غرب الجزيرة، د.م.، د. ن.، 1390هـ/1970م.
  • فالين، جورج أوغست، صورة من شمالي جزيرة العرب في منتصف القرن التاسع عشر، ط2، ترجمة، سمير شبيلي، مراجعة، يوسف يزبك، د.م، د.ن، د.ت.
  • فيلبي: أرض مدين، الرياض، مكتبة العبيكان، 1434هـ/2003م.
  • القثامي، حمود بن ضاوي، شمال الحجاز، ج1، جدة، دار البيان العربي، 1405هـ/1985م.
  • مقدمة عن آثار المملكة العربية السعودية، ط2، وكالة الآثار والمتاحف، الرياض، 1420هـ/1999م.
  • موسوعة المملكة العربية السعودية، ج13، الرياض، مكتبة الملك عبدالعزيز العامة.
  • يوليوس أوتنج، رحلة داخل الجزيرة العربية. ترجمة: سعيد فايز السعيد، الرياض، دارة الملك عبد العزيز، 1419هــ/1998م.