فن القط العسيري

فن القط العسيري

تُعد الفنون والحرف مرآة للأمم وتراثها، وتعكس جانبًا من ثقافتها، وشخصيتها المحلية المتميزة. وتمتلك المملكة العربية السعودية تراثًا فنيًا أصيلًا نابعًا من ثقافتها وبيئاتها المتنوعة، وتُعد منطقة عسير من المناطق الثرية بفنونها الزخرفية المتنوعة.

نشأ الفن الشعبي في منطقة عسير وسط بيئة لها خصائص طبيعية، أسهمت في التأثير على الفنان، فقد حباها الله طبيعة خلّابة، ومناخًا ساحرًا، وجمالًا أخّاذًا يبهج العين حيثما رنت. فنمت في نفوس السكان الحاجة إلى تجميل وتزيين منازلهم ومبانيهم؛ لتتناغم مع ما يحيط بها من جمال، فقام الفنانون بزخرفة وتجميل كل ما تقع عليه أعينهم. وكانت الطبيعة حولهم وما تمتاز به من جمال مصدر إلهامهم، فاستمدوا منها زخارفهم ونقوشهم.

وتميزت زخارف العمارة في عسير بثرائها، ووحداتها الزخرفية الجميلة النابعة من البيئة، واستطاع أهالي عسير تحويل مبانيهم إلى عالم غني بالألوان، والخطوط، والمساحات الزخرفية المتنوعة؛ من خلال رسوم وزخارف جدارية على الأسطح الخارجية التي يزخرفها الفنانون الرجال، وعلى الجدران الداخلية للغرف.

وعُرف فن الزخرفة الداخلي بفن: القط، أو التقطيط، وهو لفظ عربي يعني الخط. وارتبط هذا الفن بنساء عسير، اللاتي أبدين اهتمامًا بالغًا بتجميل منازلهن، وزخرفتها، وتشرّبن أصول هذا الفن، وشكلت أناملهن البارعة أجمل الزخارف التي عكست العلاقة الحميمة التي تربط المرأة ببيتها.

قامت الزخارف التي تشكل منها فن القط على الوحدات الهندسية والنباتية، والنقاط، والخطوط، واعتمدت خاماته على مواد محلية، فاستخدمت الألوان المحضرة محليًا من المصادر النباتية أو المعدنية زمنًا طويلًا، قبل أن يبدأ استخدام الأصباغ الصناعية، واستخدمت فرش مصنوعة من شجر الأراك، أو من شعر الماعز للدهان. أما الرسم فهو فن يدوي بحت لم تتدخل فيه أي تقنيات أو آلات؛ وإنما اعتمدت الفنانات على إحساسهن الفطري بالجمال. وقد تشترك عدة نساء في تزيين المكان الواحد؛ وفي هذه الحال تشرف عليهن امرأة ذات خبرة. وانتقل هذا الفن إليهنّ عن طريق المحاكاة، والتدريب، وصقلته الموهبة، والجرأة في تطوير نماذج جديدة.

وكانت مهمة جلب المواد، وتحضير الأصباغ مهمة النساء، فتحمّلن في سبيل إحضارها مشاق كثيرة، بدءًا من البحث عن مصادرها في الجبال. يبدأ التقطيط بتغطية الجدران الداخلية بطبقة من الجبس الأبيض، وبعد جفافها، تجمّل بشتى أنواع الرسوم، والزخارف، والخطوط، والنقاط المتناغمة، والأشكال المنتظمة، التي رسمت بألوان زاهية، تنم عن الذوق السليم، والحس الفني الرفيع، وتنتهي الأشكال بلوحة فنية تتضمن مزيجًا خصبًا من العناصر. ووصفه أحد النقاد الفنيين بقوله: “لم يكن الفن الجداري في عسير نمطًا جامدًا؛ بل هو فضاء مكون من تحولات فنية لا تتوقف”، وعلّق آخر بقوله: “إن الجدران هنا [يعني في عسير] تتكلم”!

حظي فن القط باهتمام كبير في الفترة الأخيرة، ونتج عن الجهود التي بُذلت للعناية به؛ إدراجه في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي، الذي عملت على تسجيله الجمعية السعودية للمحافظة على التراث، وهو ثالث عنصر تسجله المملكة على هذه القائمة العالمية بعد العرضة، والمزمار.

المصادر:

  • مرزوق، علي عبدالله، فن زخرفة العمارة التقليدية بعسير، دراسة فنية جمالية، الرياض، الهيئة العامة للسياحة والآثار، 1431هـ/2010م.
  • موجيه، تيري، الجزيرة العربية حديقة الرسامين، الهندسة المعمارية والفن الجداري ي عسير، الرياض، مكتبة الملك عبد العزيز العامة، 1430هــ/2009م.