رحلة شارل ديدية إلى جدّة عام 1270هــ/1854م

 

جذبت شبه الجزيرة العربية الكثير من الرحالة الأجانب في العصر الحديث، وأسهمت مدوناتهم وكتبهم في تزويد الغربيين بمعلومات وفيرة عن العرب، وأوضاعهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتنوعت جنسيات هؤلاء الرحالة، وتباينت اهتماماتهم ودوافعهم للقدوم إلى المنطقة، كما تفاوتت إمكاناتهم في الملاحظة والتسجيل. ونالت منطقة الحجاز نصيبًا وافرًا من رحلات الغربيين إليها في العصر الحديث؛ وذلك يعود لأسباب عديدة، منها أهميتها الدينية الحضارية الكبيرة، وموقعها الذي يتميز بسهولة الوصول. ومن الرحلات المهمة في هذا الجانب، رحلة الفرنسي شارل ديديه إلى منطقة الحجاز عام 1270هــ/1854م، التي تُعد من أوائل الرحلات الفرنسية إلى المنطقة.

 

وصاحب الرحلة هو الفرنسي شارل ديديه (1220-1262هــ/1805-1864م)، الذي اشتهر بشغفه بالرحلات والكتابة عنها، وجاءت زيارته إلى الحجاز عام 1270هــ/1854م، وأقام بها قرابة شهرين، وكتب عن رحلته هذه كتابًا بعنوان: إقامة في رحاب الشريف الأكبر، شريف مكة المكرمة”. احتوى ثلاثة عشر فصلًا، تناول فيه رحلته عبر شبه جزيرة سيناء، ثم سفره بحرًا من ميناء السويس إلى جدة، ثم رحلته إلى الطائف، ثم إلى جدة، ومنها مجددًا إلى مصر.

 

ويعلق أحد الباحثين على رحلة ديديه بقوله: “إن أهم ما في هذه الرحلة مما يخص الجزيرة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، هو حديث المؤلف عن مجموعة من المدن الحجازية، وهو حديث العارف؛ لأن الرجل أقام فيها، واختلط بأهلها، واستقبله القائمون على الأمور فيها؛ وإن كان حديثه عن السويس، والطور، وجبل سيناء لا يخلو من أهمية، نلمسها في ذلك الوصف الرائع لدير القديسة كاترين، ولغيره من الأماكن التي مر بها المؤلف”.

 

بينما علّق ناشر كتابه حول هذه الرحلة، فقال: ” إن المؤلف الذي كره باريس، وفرنسا، و أوروبا كلها؛ بسبب ظروف خاصة وعامة، ذهب يبحث عن الطمأنينة والنسيان في الشرق، فقضى في القاهرة فصل شتاء فائق الجمال، مازال يحتفظ بذكرياته الجميلة عنه؛ وبينما كان يستعد للعودة إلى أوروبا، وحصل على تأشيرة للذهاب إلى أثينا؛ إذ جاءه أحد البريطانيين، وعرض عليه أن يشتركا في دفع مصروفات رحلة إلى جبل سيناء، مع إمكانية الذهاب إلى الجزيرة العربية حتى جدة؛ بهدف زيارة الشريف الأكبر – شريف مكة المكرمة، الذي كان يقيم حينئذ  في الطائف – الذي يدفعه إلى التنقل، فطلب مؤلف الرحلة مهلة 24 ساعة للتفكير، ولكن طبعه المحب للترحل، الذي يدفعه إلى التنقل، وحب الحركة، جعلاه يحسم الأمر بعد ساعة، وكان جوابه بالإيجاب، وتحدد يوم الانطلاق في سنة 1270هــ ( 16 يناير 1854م )، وجد نفسه متجهًا إلى الجزيرة العربية بدل الذهاب إلى أوروبا “.

وأشار ديديه في مقدمة كتابه بأنه لا يطمح وهو ينشر هذه الرحلة إلى أن تكون وثيقة تاريخية، ولكنها مجرد وصف رحلة، وهو يؤكد صادقًا أنه، كما هي الحال في كل أعماله السابقة، لم يسمح لأهوائه التدخل في وصف الأشخاص والأشياء، وليس في عمله شيء لا يتفق مع الحقيقة.

 

وعن محتويات الكتاب، فالمؤلف يصف الطريق البحري حتى جدة، وأهم الموانئ التي كانوا ينزلون فيها، ويقضون بعض الوقت كما حدث في ينبع التي يقول عنها: أنها ميناء المدينة المنورة، وأنها تبعد مسيرة خمسة أيام إلى الشرق عنها، وهي مغلقة بجزيرة العباشي. وينبع حسب المؤلف، ميناء آمن، واسع، يؤمه المسافرون كثيرًا، وترسو فيه كل السفن المنطلقة من السويس إلى جدة، ومن جدة إلى السويس، وهناك رحلات شبه يومية منه إلى مدينة القصير المصرية، التي تشكل نقطة اتصال بين البحر الأحمر والنيل عبر قنا.

 

ثم يورد المؤلف وصفًا مفصلًا لمدينة ينبع وأسواقها، وما يباع فيها من منتجات، ويورد أيضًا كثيرًا من المعلومات عن البحر الأحمر. على أن أهم ما في الرحلة حديث المؤلف عن جدة، وعن الرحلة التي قام بها بدعوة من شريف مكة المكرمة، حسين عبد المطلب بن الشريف غالب من جدة إلى الطائف، إذ يورد كثيرًا من المعلومات عن الطريق، ومحطاته، وعن المدينتين (جدة والطائف)، وعن الأشخاص الذين التقاهم فيهما، أو الذين رافقوه في رحلته التي سلك فيها طريقين مختلفين في الذهاب والإياب؛ وذلك تفاديًا للمرور بمكة المكرمة.

 

أما حديث ديدييه عن جدة، فتميز بدقة الوصف وكثرة التفاصيل، ولم يترك جانبًا من جوانب المدينة بعمرانها، وسكانها، وعاداتهم وتقاليدهم، وأبوابها، ومينائها؛ ومما قاله على سبيل المثال: إن عدد سكانها في سنة 1270هــ (1854م) كان بين 15 و20 ألف نسمة، وأنها تقسم قسمين: حي اليمن، وحي الشام، وهي تسمية جغرافية، وهناك أحياء صغرى تسكنها أقليات متباينة ومتناحرة، وشوارعها عريضة نظيفة إلى حد مقبول، تنتهي عادة بساحات واسعة تشكل رئتي المدينة. وبيوتها متينة البنيان، وتتألف من عدة طوابق، وأبوابها على شكل أقواس، وهي مبنية من الحجر، ولها مظهر جميل، ولها نوافذ واسعة تطل على الخارج، وهذا شيء نادر في البلاد الإسلامية؛ لأن الحياة المنزلية تتم على الدوام داخل البيت، ولا تترك أي شيء يمر إلى الداخل، لا ضوء النهار ولا الهواء، ولا الضوضاء، ولا الأنظار الفضولية، وليس لتلك النوافذ زجاج؛ بل هي مغطاة بسياج من الخشب المفرّض بمهارة عجيبة؛ ليسمح بالرؤية من الداخل دون أن يتمكن من  في الخارج من رؤية من بالداخل، والنوافذ بارزة مقوسة كأنها مشربيات القاهرة أو شرفاتها، وإن تلك النوافذ المتقنة الصنع مطلية بالوان زاهية، وتتميز من الخلفية البيضاء، وهو اللون الذي تطلى به الجدران. وإن كثيرًا من السطوح محاطة بحواجز مفرغة أنيقة ونفليات، وبعض تلك السطوح، وكذلك الذي نجده في البيت الذي كان يسكنه آخر أشراف مكة المكرمة المستقلين عندما كان حيًا، أقيم عليها مظلات خشبية منحوتة كالنوافذ، تستنشق النساء الهواء الطلق فيها دون أن يراهن أحد. ويقضي أهل جدة وقتًا طويلًا على السطوح؛ لأن نسيم البحر يخفف من وطأة الحر الذي لا يكاد يحتمل في الصيف.

 

ويعرض ديدييه بعد ذلك للحديث عن سوق جدة، وعن بعض الصناعات الموسمية الخاصة بالحجاج، وعن كثير من العادات والتقاليد الخاصة بأهل جدة، وغير ذلك؛ مما يشكل مادة لا تقدر بثمن لأولئك الذين يودون دراسة تاريخ جدة، دراسة أنثروبولوجي أو دراسة الثقافة التقليدية فيها. ولا يكتفي المؤلف بذكر الوجه الإيجابي، وإنما يتعرض أيضًا للوجه قلة الماء الجيد، وسوء الهواء الذي يكون خلال فصل الصيف حارًا ومحملًا بالرطوبة وخصوصًا الريح الجنوبية. ثم يذكر بعض الأمراض التي تنتشر فيها مثل الزحار والحُمى المقلعة والعفنية.

أما الطائف، فوصفها بأنها: مدينة صغيرة تبعد عن جدة مسيرة خمسة أيام إلى داخل الجزيرة العربية، وإن الطائف مشهورة بكثرة مياهها، وأطيب فواكهها، والظل الوارف في حدائقها وبساتينها، وهي دار سكن الشريف الأكبر؛ شريف مكة المكرمة وأميرها الذي شيد فيها قصرًا. ويضيف ديدييه إن كونهم نصارى؛ كان يقتضي أن يحصلوا على موافقة الشريف للذهاب إلى الطائف.

 

ويحتوي حديث ديدييه على كثير من المعلومات المهمة عن الأماكن، وخصوصًا حديثه عن جبل عرفات، وعين زبيدة، ووادي نعمان، ومحطة شداد، وجبل كرا.

ووصف العرب بأنهم، إحدى أعظم الأمم التي أدت في التاريخ دورًا لا يستطيع أحد أنكاره، وإنه يكن لهم كل الاحترام بعد أن خبر عاداتهم وتقاليدهم، ومناقبهم ومثالبهم.

 

تستمد رحلة ديدييه أهميتها من المعلومات التي حملتها عن الأماكن التي مر بها، وعن الأشخاص الذين قابلهم؛ سواء أكانوا من علية القوم أم كانوا من سواد الناس. لم يكن ديدييه مرتبطًا بمهمة تلهيه عن مراقبة الناس ودراسة سلوكهم، كان يشير إلى المحاسن والمساوئ دون تعصب ديني أو قومي، ودون الركون إلى الأفكار المسبقة أو الآراء المتطرفة.

 

وفيما يلي مقتطفات من وصفه لمدينة جدة:   

“حسبت أن مدينة جدة ستكون حفرة كما صُوِّرت لي مرارًا في القاهرة، ولكم كانت دهشتي كبيرة حين لقيت مدينة جميلة، حسنة البناء حيّة، آهلة بالسكان، مهذبة الطرق، وأهلاً بمكانتها كميناء لمكة. وليست أقل من ذلك شأنا في حملها اسمها الذي يعني بالعربية ” الثرية “. تحميها من جهة البحر، إضافة إلى المياه الضحلة وتلال الرمل التي تتخللها، قلعة ومدافع، يبث أحدها، وهو من عيار خمسمئة، الرعب في نفوس البدو، ويحيط بالمدينة من الجهات الأخرى سور عريض حصين مرتفع، تعلوه أبراج متينة، ويتقدمه خندق. قد لا يستطيع تحصين كهذا الصمود في وجه نيران المدفعية الأوروبية ساعة واحدة، لكنه كان كافيًا في الحروب المحلية. تخترق هذا السور أبواب ثلاثة: باب اليمن جنوبًا، وباب المدينة شمالًا، وأخيرًا باب مكة. أجمل الأبواب الثلاثة، يحرسه برجان قليلا الارتفاع حديثا النقوش عند قمتيهما.

 

تبعد جدة مسافة خمس عشرة إلى ست عشرة ساعة عن مكة المكرمة، وتضم خمسة عشر ألفًا إلى عشرين ألفًا من السكان، وتقسم إلى قطاعين كبيرين، حي اليمن، والحي الشامي، وقد سميا كذلك نسبة إلى موقعهما الجغرافي، فالحي الشامي يقع شمالًا باتجاه الشام، والآخر في الوسط باتجاه المقاطعة العربية ويحمل اسمها. في المدينة كذلك دساكر أخرى يتحدر ساكنوها من أعراق مختلفة، وتنشب بينهم صراعات طاحنة. وتنتهي شوارعها العريضة النظيفة إلى حد ما، إلى ساحات فسيحة أحيانًا حسنة التهوئة تشكل رئات المدينة، منازلها المتينة المتعددة الطوابق وذات الأبواب الفوطية الأقواس، مبنية من الحجارة، وهي جميلة المظهر الخارجي تتخللها نوافذ خارجية؛ وهو أمر يندر وجوده في البلاد الإسلامية؛ حيث الحياة العائلية تحول دون تسرب ضوء النهار، أو الحياة، أو الجلبة، أو النظرات المختلسة. وتخلو هذه النوافذ من الزجاج؛ لكنها تُسد عند فتحها بشباك خشبية دقيقة التقطيع، تسمح بالرؤية من الداخل لكنها تحجب الرؤية من الخارج. وهذه الوشائع الخداعة الناتئة والمقوسة كشرفات القاهرة المسماة (مشاربية)، مطلية بألوان زاهية تختلف تمامًا عن لون الجدران الأبيض. وتحيط بالعديد من الشرفات سياجات أنيقة نفليه الزخرفة. أما بعض الشرفات الأخرى فتعلوها أكشاك كبيرة من الخشب المحفور كالنوافذ؛ حيث تستمتع النسوة بالهواء العليل من دون أن يظهرن للعيان. ويقضي السكان أوقاتًا طويلة على الشرفات؛ لأن نسائم البحر تلطف حرارة القيظ التي لا تطاق أحيانًا كثيرة صيفًا.

 

تمتد السوق بطول المدينة بكاملها وبخط مواز للبحر، الذي يتصل بها عبر طرق جانبية، وهي ملأي بكل أصناف البضائع الأجنبية بغالبيتها، وبالأطعمة المحلية أو الغربية؛ أما دمشق، وبغداد، وبلاد فارس، ومصر، وبخاصة الهند؛ فتتمثل بمنتوجاتها الطبيعية أو المصنعة. وتشهد السوق حركة ازدحام دائمة، وليس من السهل على المرء أن يشق طريقه بين بالات البضائع، والجمال، والحمالين. وكذلك الكلاب المتسكعة المسالمة جدًا، والتي تسعى إلى قوتها وسط هذا الازدحام. أما حمالو السوق والميناء فيكادون يكونون جميعهم نوبيين أو جبليين محليين، وهم عامةً وسيمو الطلعة، أشداء شبه عراة، وتتميز بشرتهم الناعمة اللماعة بسمرة شديدة. ونرى كذلك بعض الزنوج الأصليين الوافدين من أصقاع قريبة من خط الاستواء، لكن هؤلاء بعكس أولئك أحرار، ويتقاضون بدلات مرتفعة لعملهم. وتكتسب هذه السوق الواقعة بين أفريقيا وآسيا أهميتها؛ بتنوع الأعراق فيها، فينتج عن ذلك تباين شاسع في اللغات: عرب المدن والبادية، تجار مسقط والبصرة، أتراك، سوريون، يونانيون، مصريون، برابرة، أعداد كبيرة من الهنود، ماليزيون وحتى يابانيون، وجميعهم يرتدون أزياءهم الوطنية، وينطقون كل بلسانه الأصلي، ويتزاحمون، ويتقاطعون، ويتصادمون، أو يجلسون في المقاهي للتداول في أمورهم الخاصة.

 

وفي جدة كذلك حرفة نحت الأحجار المزعومة بأنها كريمة؛ برغم كونها ليست بذات قيمة كبيرة، ومن بينها الحجر المدعو حجر مكة من بلاد ” عقيقة “؛ وهو ليس بحسب ظني سوى العقيق، وتصنع منه خواتم مؤطرة بالفضة غير متقنة، والمسابح التي تستهوي الحجاج، وتصنع كذلك مسابح من المرجان الأسود، وهو متوافر في الخليج العربي، ويتم جنوبي جدّة اصطياد أفضل أنواعه المعروف بصلابته وتألفه.

 

يحصر سكان جدّة اهتمامهم بالتجارة، التي تؤمن لهم سبل الثراء. فهم وغالبيتهم من مشارب مختلفة، محنكون ومتوقدو الحركة؛ أما بشرتهم فهي شديدة السمرة، ويولون اهتمامًا بالغًا بمظاهر الزينة شأنهم شأن المكيين. ولباسهم الرجالي والنسائي موحد: ثياب داخلية من الحرير المخطط بالألوان الفاقعة، يشده إلى الخصر حزام من الكشمير، وللخروج يرتد من فوقه مبذلًا مفتوحًا من القماش الرقيق تدعى ” الجبة “، وتختلف تبعًا لاختلاف فصول السنة، وهذا المبذل يضع عادة في بغداد، وتغطي رؤوسهم قلنسوة بيضاء فاخرة التطريز، تطوقها عمامة من نسيج الموصل؛ أما أبناء العامة فلا يرتدون سوى قميص طويلة خشنة النسيج.

 

أما النساء فلا أستطيع أن أقول عنهم شيئًا؛ لأني لم أر أية واحدة منهن. ما أعرفه فقط هو أن بشرتهم أقل سمرة من بشرة الرجال، وأن عمرة رؤوسهن شبيهة بعمرة الرجال؛ مع فارق أنهن يزَيِّن شعورهن بجداول من النقود الذهبية. أما نساء العامة وهن الوحيدات اللواتي يجبن الشوارع. فأنهن محجبات تمامًا، ويتوارين خلف كسوات من القطن الأزرق؛ أما الموسرات فيرتدين سراويل عريضة زرقاء مطرزة بالفضة، وأثواب فاخرة من الحرير الهندي. وحين يخرجن وهن نادرًا ما يفعلن، فإنهن يغطين وجوهن بخمارٍ أبيض أو أزرق باهت يسمى ” البرقع “، ويتلففن بعباءة واسعة من قماش التفتا الأسود. وهن ككل النساء الشرقيات والغربيات على السواء، مولعات بالحلي، ويتزَيَّن بالخواتم، والعقود، والأساور، وكلها من الذهب، ويمنطقن كواحلهن بحلقات من الفضة. هذه هي أزياؤهن الخاصة بالاحتفالات؛ أما بداخل دورهن، فقد أُكد لي أنهن خفيفات الملبس.

 

لم افعل حتى الآن سوى الحديث عن حسنات جدة، هاك مالان الوجه الآخر لهذه المدينة: ماء الشرب نادرة فيها، وهواؤها سيئ صيفًا؛ فهو حار رطب في آن، ويتسبب تكاسلًا في الأعصاب وبلبلة في كامل الجسم، وبخاصة نتيجة الريح الجنوبية. ويصعب على العديد من الأجانب؛ حتى من السكان الأصليين التكيف مع هذا المناخ. فالإسهال، وشتى أنواع الحمى المقلعة؛ وتلك الناتجة عن انحلال الجثث، تكاد تستوطن هذا الشاطئ؛ حيث الأوبئة الأكثر تفشيا في كل الجزيرة العربية. وأنا نفسي عانيت عدة أيام من هذا المناخ الخبيث. وقدرت من عينة كهذه ما ستؤول إليه الحال في قيظ الصيف. ففي منتصف شباط ارتفعت الحرارة إلى 23 درجة، وهبت من الجنوب ريح مجنونة تنفث نارًا بدلًا من الهواء. وكان الجو من الثقل حتى أ،ه كاد يسحقني وشقَّ عليَّ السير، وكان جسمي غارقًا في نداوة لا تطاق. وكان الزجاج والبعوض شديدي الإزعاج. أما الطيور الأخرى في جدة، فهي البزاة الوافرة في كل المدن العربية.

 

وللمسافرين في جدة خانات أو نُزُل، حيث يجدون موادع لأمتعتهم، أو لبضائعهم، ولأنفسهم، جدرانًا أربعة لغرفة خالية تماما. لكن هذه المثاوي محصورة بالتجار؛ وكوننا لسنا تجارًا ولا نسعى إلى الظهور بهذا المظهر، فقد حللنا في منزل كان يقطنه فيما مضى قنصل لفرنسا.  كان مالك المنزل في مكة، ولم يشأ وكيله أو أنه لم يجرؤ على تأجيره أثناء غياب سيده، فأراد أن يبعث إليه بمرسال للحصول على موافقته؛ لكننا كنا في عجلة أمرنا، وفيما هو تقاذفه الحيرة ويطلب وقتًا للتفكير، أقمنا في المنزل بصورة مؤقتة دامت حتى ترحالنا عن جدة، وكان ذلك شهرًا بكامله. وبما إننا لم نتفق على أي بدل إيجار، فقد دفعنا عند مغادرتنا خمس تالاري، فاعتبر المبلغ بدا مناسبًا وحتى كبيرًا بعض الشي؛ نظرًا إلى حال المنزل. لمن يكن من السهل إزالة الركام والأنقاض التي كان داخل المنزل يعج بها، أخيرًا نجحنا في جعل غرفتين قابلتين للإقامة، تكدست فيهما أمتعتنا، وسجادنا، وأرائكنا، وفرشنا.

 

كانت نافذتي منظرة أطل منها على مرسى السفن بكامله، ولم يكن يدخل إليه أي شيء أو يخرج منه بغير علمي، بالإضافة إلى المراكب المحلية التي كانت تروح وتجيئ كل يوم، كانت تصل عدة قلعيات أو سفن ثلاثيات الصواري من الهند محملة بالسكر والأرز …

القوافل الثلاث الكبرى التي تقل الحجاج سنويًا إلى مكة تأتي من القاهرة، ودمشق، وبغداد. وهذه القوافل جيوش حقيقة وتتحلى بكل مظاهر الجيوش؛ إذ يرافقها جنود وتعززها بعض المدافع المحمولة على ظهور الجمال. وتمارس هذه القوافل التجارة في وقت واحد مع أدائها الفرائض الدينية: فهي تحمل في حلها في مكة وترحالها عنها بضائع من كل الأصناف. أما المغاربة أو البرابرة، فقد أصبحوا يأتون بحرًا. وهم ينزلون في الإسكندرية ثم يبحرون في نهر النيل صعودًا حتى ” كيني “، ومن هناك يعبرون إلى ” قصير “؛ حيث يعودون لركوب البحر الأحمر وصولًا إلى جدة. أما عرب السودان المسلمون، فيقومون بالرحلة سيرًا على الأقدام عبر الصحراء الشاسعة، فالمشقات التي يعانون والأخطار التي يواجهون، تعزز من قيمة فريضة الأيمان التي يؤدونها مرة في حياتهم على الأقل”.

 

المصادر:

البقاعي، محمد خير، من رحلات الفرنسيين إلى الجزيرة العربية، الرياض، مؤسسة التراث، 1425هــ/2005م.

عطا الله، سمير، قافلة الحبر الرحالة الغربيون إلى الجزيرة العربية (1762-1950م). لبنان، دار الساقي، 1998م.