تيماء، ومدائن صالح، والعلا، وخيبر،

في رحلة شارل هوبير إلى الجزيرة العربية

1295-1299هــ/ 1878-1882م  

 

شارل هوبير Charles Huber، مستكشف فرنسي زار منطقة شمال غرب شبه الجزيرة العربية مرتين، كانت الأولى عام 1298هـ/1880م؛ حيث طاف بالمنطقة مستكشفًا آثارها؛ حيث عثر على “حجر تيماء” الشهير، وهو عبارة عن حجر رملي، عليه نقش باللغة الآرامية يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويعرف أيضًا بمسلّة تيماء. ثم عاد شارل هوبير إلى المنطقة مجددًا عام 1301هـ/1884م مع الألماني جوليوس أوتنغ Julius Euting، في مهمة استهدفت تهريب عدد من الآثار المهمة، ومن بينها “حجر تيماء” إلى فرنسا، وبعد مغامرة مثيرة فقد خلالها هوبير حياته، تمكنت فرنسا من الحصول على هذا الحجر، وضمته إلى مقتنيات متحف اللوفر حتى هذا اليوم. وفيما يلي مقتطفات من رحلة شارل هوبير الأولى إلى شبه الجزيرة العربية، وتتناول وصفه لتيماء، والعلا، ومدائن صالح، وخيبر:

تُعد واحة تيماء من أقدم البلدات، فقد ورد اسمها في الإنجيل اسم تيما؛ وجميع المؤلفين الشرقيين يأتون على ذكرها كمدينة مهمة وعريقة، وبطليموس تحت اسم تيماء Thaima، يعطي موقعها الصحيح بفارق بسيط بالدرجة 71 من خط الطول، والدرجة 27 من خط العرض. وقد روى لي السكان الذين يتمتعون بمعرفة واهية عن هذا التاريخ القديم، أن مدينتهم قد دمرت ثلاث مرات وأنها هجّرت عدة قرون قبل أن تعمر بالناس من جديد. كما أنه يوجد إلى الجنوب- الغربي على مسافة كيلومتر واحد من تيماء، كومة أطلال من الحجارة المقصّبة، وقطع الأعمدة التي غطت نصفها الرمال، ويسمونها توما ويشيرون إليها على أنها آخر مدنهم القديمة من حيث عمرها.

النقوش التي نقلتها ليست كثيرة ولكنها مثيرة جدًا، إما لجهة قدمها أو لجهة شكل أحرفها القديم. أحد النقوش نبطى، وآخر آرامي، وثالث لم تحدد هويته بعد. أشير إلى تيماء برسم المستكشف المقبل؛ كي يجري فيها تنقيبًا؛ لأنني واثق من وجود كنوز أثرية فيها.

كانت تيماء مبنية بالحجر الأسود البازلتي، الشبيه بحجر مدن حوران وجبل الدروز المهدمة؛ أما أعجوبة تيماء، فتكمن اليوم في بئرها المشهورة في كل أرجاء الجزيرة العربية.

وقد روي لي مرارًا أن” مائة جمل تسحب الماء باستمرار”. ولدى التثبت من هذا العدد لم أجد سوى خمسة وسبعين دولابا في أماكنها؛ ولكن الحق يقال: بأنه عند الضرورة يمكن وضع مائة دولاب.

هذه البئر بشكلها غير المنتظم تشبه إلى حد بعيد مربعًا بزوايا مدورة، ويبلغ طول كل ضلع من أضلاعه 20 مترا تقريبًا. أما ارتفاع جدرانه فشديد التفاوت، جانبان منه يبلغان 10.5، أمتار وجانب آخر يبلغ ارتفاعه 12.5 مترًا من سطح الأرض وحتى قعر البئر.

ويبلغ ارتفاع الطبقة المائية ثلاثة أمتار تقريبًا، وهي لا تزيد عن ذلك ولا تنقص أبدًا مهما كان الموسم. المياه صافية وطيبة المذاق بعد تبريدها في القِرَب. وقد أكد لي جميع السكان أنها إذا ما شُربت من البئر مباشرة، أي فاترة، فإنها تتسبب بمرض شديد.

في الجدار الشرقي للبئر، وعلى مسافة متر تقريبًا فوق مستوى الماء، توجد في الصخر ثلاث فتحات بعرض نصف متر تقريبًا، وبارتفاع سبعين سنتيمترًا، لا يُعرف استعمالها ولا مصدرها. كما أن أحدًا لم يجرؤ على الدخول فيها.

في تيماء 60 قُلُبا، في كل واحد منها من خمس إلى ست عائلات؛ بحيث يكون عدد السكان 1500 نسمة تقريبًا.

تمور تيماء هي أفضل تمور الجزيرة العربية الشمالية باستثناء جنسين أو ثلاثة موجودة بكميات محدودة في الجوف وفي حائل.

تبقى المحاصيل مؤمنة على الدوام. لان مياه بئر هذه الواحة لا تنقص أبدًا حتى بعد عدة سنوات من الجفاف؛ لذا فإن الملكية العقارية تتمتع في تيماء بقيمة لم أشهد لها مثيلًا في أي مكان آخر. فالملكية تباع بمعدل 15 إلى 20 ريالًا لكل شجرة نخيل؛ بينما في حائل لا يباع حتى أجمل شجر النخيل بأكثر من 10 ريالات.

بما أن ارتفاع تيماء يفوق ارتفاع حائل؛ فقد عانت المزروعات فيها أكثر مما عانت في الجبل، خلال شتاء 1879- 1880م (1296-1297هــ) القاسي. غير أن مقاومة النخيل كانت جيدة؛ فيما لم تُعط كروم العنب وشجر الرمان والتين أي محصول هذه السنة.

مدائن صالح‏

في 13 نوفمبر غادرت تيماء مجددًا قاصدًا مدائن صالح … وفي اليوم التالي لم نقطع سوى عشرة كيلومترات تقريبًا إلى الجنوب الشرقي.

في 16 نوفمبر تابعنا سيرنا إلى الجنوب- الشرقي. وبعد خمس ساعات من السير بلغنا جبل شرقيي، الممتد تقريبًا من الشمال إلى الجنوب على طول عشرة أميال، بموازاة جبل غربي الذي يفصله عنه واد يبلغ عرضه من 5 إلى 6 كيلومترات.

هذان الجبلان، هما تلتان يبلغ ارتفاعهما ما بين 40 و50 مترًا، مكونان من الحث الشديد التفتت، ورغم إحاطة النفود بكثافة لهما، فإنهما عقيمان كليًا. إنهما امتداد الأرض التي تبدأ مباشرة جنوب غرب تيماء؛ حيث يزول الطابع البركاني السائد في الجنوب- الشرقي، وتتحول الأرض إلى صحراء صخرية متخبطة؛ حتى لتظنها أحيانًا بحرًا صاخبًا تجمّد فجأة.

في نهاية الوادي الذي يفصل تلتي شرقيي وغربي، تقع آبار الغوطة. مياه هذه الآبار التي يبلغ عددها 30 تقريبًا، تقع على أعماق تتراوح ما بين 4 و6 أمتار مباشرة تحت طبقة الرمل. المياه طيبة المذاق والآبار غير مسوّرة.

انطلاقًا من الآبار سرنا مسافة 20 كيلومترًا إضافيًا ثم أقمنا مخيمًا.

في اليوم التالي في 17 نوفمبر، قادتنا مسيرة ثلاثة أيام إلى قرب صخرة هائلة، محفورة على شكل قوس قوطية يبلغ ارتفاع قبتها 25 مترًا. جداراها الداخليان‏ مملوءان كليًا بالنقوش ومنحوتات حيوانات؛ لكن عامل الزمن تكفل للأسف بمحوها كلها، ولم أتمكن من نسخ سوى نقش واحد. وتحمل هذه الصخرة اسم الركب ‏Rekab.

أقمت مخيّمي على مسافة خمسة كيلومترات قرب صخرة أخرى أكثر غرابة. فهذه الصخرة معزولة كليًا، ومكوّنة من قطعة واحدة على شكل جدار يبلغ طوله 300 متر، وارتفاعه 50 مترًا وسماكته 10 أمتار. جنباته تبدو وكأنها قصت بالمقص لشدة استقامتها. الأجزاء السفلية كانت هي أيضًا مغطاة بالنقوش؛ ولكن المطر والريح المحملة بالرمل تكفلا بمحوها. إلا أنني وُفِّقت في نقل نقش واحد بشكل مؤكد، واللافت هو أنه كان نقشًا نبطيًا؛ بينما كان النقش الذي نسخته عن صخرة الركب حميريًا. هذا الحائط الخرافي يدعى مقراط الدبوس.

بعد ساعتين وصلت إلى قلعة الحجر على درب الحج، المسماة لدى المؤلفين المسلمين مدائن صالح. وتقع هذه المحطة في منتصف الطريق بالضبط بين دمشق ومكة.

ههنا المنازل الحجرية الشهيرة المحفورة في الجبل، والتي يتحدث عنها مؤلفون عرب كثيرون. باستثناء السيد دوتي، لم يتسن لأي كافر قبلي مشاهدتها. في المحصلة، إنها غرف ضريحية لا منازل، حُفِرت في الحث بعناية فائقة. كلها تقريبًا تتمتع بأبواب ضخمة حفرت فوقها نقوش نبطية وآرامية.

تقع الحجر في الجزء الأكثر انحدارًا من الوادي، الواقع بين جبل الرمل البركاني الأصل المسمى عوارة Aouarah، و جبل العجيب‏Ageib حيث يظهر الغرانيت من جديد.

صخور الحجر التي تتضمن الغرف الضريحية، شبيهة تماما بصخور خاله‏Khalah غربي جبل حلوان. وهي صخور معزولة على شكل قفير النحل، حُفر في كل واحدة منها ضريح. أما الباب الضخم الهائل في أغلب الأحيان، فيقع إجمالًا على علو عدة أمتار فوق الأرض. وفي داخل الغرف تم حفر الجدران على شكل مزود؛ بحيث يمكن أن تستقبل جسدًا. وفي كثير من الأحيان أيضًا تم حفر قبر في أرض الغرفة. ويبدو أن الغرف الضريحة لم تزوّد بتاتًا بأبواب، وعلى أي حال، لا يوجد على الحجر أي أثر لأي قفل.

هذه المنطقة ومنطقة الجوف في اليمن، هي الأكثر إثارة للاهتمام في الجزيرة العربية، وإنني عازم على تناولها بالتفصيل في مناسبة أخرى.

نقوش الحجر نبطية في مجملها تقريبا.

باستثناء القلعة؛ لم يعد يوجد أي مبنى قائم في الحجر. هذه القلعة هي إحدى محطات قافلة الحجاج، الذين يذهبون كل عام من إستانبول إلى مكة. ويحكم القلعة محمد إبراهيم، وهو جزائري من حاشية الأمير عبد القادر. ولا يقيم فيها إلا خلال فترة الحج، والقافلة التي لا تزال حاليًا في مكة ستأخذه معها في طريق عودتها إلى دمشق. ومع أربعة رجال غير نظاميين يعملون تحت إمرته وبغل، يتعين عليه سحب مياه البئر الموجودة داخل القلعة، وصبها في الحوض المبني وراء القلعة؛ ليتمكن الحجاج من الغرف منها بسهولة لدى مرورهم.

 

 

 

العُلا

غادرت الحِجْر في 17 نوفمبر عند الظهر، ووصلت في الساعة الرابعة من العصر إلى العُلا.

من الخارج، يبدو مظهر المدينة الصغيرة في غاية الجمال. وقد ذكّرتني الشوارع الضيقة جدًا والمتعرجة والوسخة جدا بالحي اليهودي في دمشق… العُلا المبنية كليًا من الآجرّ مقسومة إلى قسمين متساويين تقريبًا بواسطة صخرة معزولة يبلغ ارتفاعها 40 مترًا تقريبًا تكاد تكون عمودية من جميع الجهات وتعلوها أطلال قلعة. لكل من نصفي المدينة شيخ أو أمير؛ والنصف الجنوبي هو الأهم…

تنعم العُلا بظروف ازدهار استثنائية. ثمانية ينابيع تسقي نخيلها، واثنان منها قويّان، ويعطي مجموعها أكثر من حاجتها للماء. وقد أكُد لي أن سنة جفاف أو حتى عدة سنوات من الجفاف لا تؤثر على منسوب هذه الينابيع؛ لذا يزرع السكان إلى جانب النخيل، كل القمح والشعير والهراء (فسيل النخل) اللازم لهم. كما أن بساتينهم تضم عددًا كبيرًا من أشجار الدراق، والليمون، والحامض، والتين، والرمان، والعرائش. وأخيرًا يزرعون الشمّام، والبطيخ الأحمر، والتبغ.

وجود الينابيع يعفيهم من عملية سحب الماء المضنية، وكذلك من الاعتناء بالدواب.

تتراوح قيمة النخلة في العُلا ما بين 8 ريالات و20 ريالًا وفق الوضع. وإذ تعطي النخلة دخلًا سنويا متوسطًا بقيمة 4 ريالات؛ فإننا نجد هنا أناسا أثرياء.

بعد يومين من وصولي استطعت الذهاب إلى آثار العُلا القديمة، الآثار التي تحمل اليوم اسم ناقة صالح أو حلوية العالية الحديثين، تقع على تلة صغيرة شمالي العُلا، ولم تعد سوى كومة لا شكل لها من الحجارة المقصّبة والمنحوتة.

لا أثر لجدار واحد قائم؛ ولكن لم يزل بالإمكان تتبع حدود بعض الصروح التي باتت أساساتها بمستوى الأرض. وثمة حطام أعمدة وقرميد مزخرف.

وسط هذه الآثار تهيمن ساحة صغيرة، وضع في وسطها حوض مدوّر ضخم، حفر في كتلة واحدة من الرمل ارتفاعه 2.50 مترًا وقطره متران. وباستثناء شقين لا يزال هذا الحوض الهائل في حالة جيدة. الجدران الداخلية والخارجية مغطاة بأحرف حميرية وعربية تكاد تكون ممحوّة. ويتعذر اليوم التكهن بوجهة استعمال هذا الصرح.

إلى شرقي وادي العلا ترتفع بزاوية قائمة كتل صخرية يتجاوز ارتفاعها 200 متر، حُفر عند قاعدتها حوالي 200 قبر مماثلة لقبور الحجر؛ إنما دون باب تذكاري. وفي كثير من الأحيان، عوضًا عن حجرة، اكتفي بحفر فتحة تتسع فقط لوضع جثة. في هذه الحال تتخذ هذه الفتحات شكل حجيرات الأموات الموجودة في أبراج تدمر الضريحية.

عدة حجيرات لم يتم إنجازها، ويحمل مجمل الأعمال طابع عمل توقف فجأة. كما أن هناك نقوشًا منحوتة فوق الأرض، لا يمكن التكهن بأي وسائل استطاع الفنان أن يطالها؛ سواء من تحت أو من فوق.

تحمل هذه القبور اسم الخريبة وكذلك اسم دار ثمود. وقد سجلت هنا 33 نقشًا.

مناخ العلا حارّ ويبدو أن الشتاء فيها ليس باردا على الإطلاق. شتاء 1879- 1880م (1296-1297هــ) مرّ وكأنه لم يكن. وعند ما أخذت حرارة الينابيع أربع مرات في ساعات مختلفة من النهار، لم أجد بينها سوى فوارق بضعة أعشار الدرجة، وكل الأرقام التي دونتها أعطتني حرارة متوسطة تبلغ+ 9، 28 درجة؛ مما يشير بالفعل إلى مناخ حار. أما أبرد درجة للحرارة التي لاحظتها خلال إقامتي في العلا، فهي الدرجة الدنيا ليوم 28 نوفمبر حيث بلغت+ 1، 13 درجة.

المسيرة من العلا إلى خيبر أكثر خطورة من المسيرة إلى تيماء، ونرى أننا نقترب من الممتلكات التركية.

قادتنا مسيرة ثلاث ساعات إلى أطلال مدينة صغيرة، أو بالأحرى إلى مدينة لم يبق من أطلالها شيء. إذ من المرجح أنها بُنيت من الآجرّ. ولكن بقي شقا جدارين من الآجرّ المطبوخ. على امتداد كيلومتر مربع تقريبًا ترى الأرض مفروشة بقطع الآجرّ، والفخاريات المطلية، والزجاج الملون. غاب اسم هذه البلدة؛ ولكن في العلا حيث السكان أتقياء يطلقون عليها اسم دار النصارى؛ أما البدو فيسمونها هي والأراضي الواقعة بين جبلي العجائب والمريرة، مابي.

على تلة صغيرة بقايا برج من الحجر والآجرّ، حيث قيل لي إنه يوجد نقش؛ إلا أنني لم أستطع العثور عليه.

توقفنا ساعة في مابي ثم تابعنا سيرنا إلى الجنوب- الشرقي. في الساعة الثالثة عصرًا قطعنا درب الحج وتركناها إلى يميننا، وفي الساعة الخامسة مساء كنا نخيّم وراء آخر خاصرات جبل مريرة الغرانيتي، كجبل العجائب الذي كنا قد تجاوزناه … كل المنطقة الوعرة جدًا الواقعة بين العلا وخيبر تحمل اسم الحجر. وهي صحراء غرانيتية قاحلة بشكل مريع: لا شيء سوى البطحاء، والمزيد من البطحاء دون عشبة واحدة تقريبًا.

غداة مغادرتنا العلا قطعنا 15 ميلًا في هذه الصحراء. في الصباح كنا قد مررنا على مسافة 8 أميال من جبل نخر الممتد على طول 12 ميلًا من الشرق إلى الغرب. وفي المساء وصلنا إلى قلعة سمرد وهي محطة على درب الحج، وقضينا الليلة بقربها.

في الأول من ديسمبر لم نقطع سوى 14 ميلًا بالسير بموازاة درب الحج، وخيمنا في المساء في قلعة الصورة، وهي محطة أخرى على درب الحج عند سفح جبل سن.

وراء القلعة أحد أجمل الآبار التي شاهدتها في الجزيرة العربية. دائرية الشكل، يبلغ قطرها حوالي 15 مترًا وعمقها 30 مترًا تقريبًا، وهي مسوّرة كليا بحجارة مقصّبة.

المسافة على خط مستقيم بين هذه القلعة وقلعة سمرد قصيرة على الخارطة؛ ذلك أن الأرض التي تفصل بينهما صعبة ووعرة جدًا.

في اليوم التالي لم نقطع سوى 15 ميلًا إلى الجنوب- الشرقي. وخيّمنا عند سفح جبل أنمارAnemar الغرانيتي الممتد على 40 كيلومترا تقريبًا من الشمال- الشرقي إلى الجنوب- الغربي.

 

 

في 3 ديسمبر لم نجتز سوى 12 ميلًا بسبب سوء سير جمل دليلي مرزي.

بعد ما تجاوزنا في الصباح جبل أنمار عبر واد قصير، ضيق ووعر جدًا، وجدنا أنفسنا فجأة أمام سهل عظيم تتخلله أخاديد عميقة، تنتصب فيه دونما ترتيب بعض القمم الغرانيتية السوداء أو الحمراء أو الخضراء. في البعيد لمحت جبلي دهام وخيبر، اللذين تقع بينهما واحة خيبر. تحتل كامل الأفق من الشرق إلى الغرب هضبة، ترتسم بوضوح غريب وهي تلمع في الشمس. إنها الحرة، هضبة هائلة من الحمم تمتد حتى مشارف المدينة … بعد بداية الطريق مباشرة باتجاه الجنوب، 65 درجة شرقاً، تصبح الأرض مغطاة بالحجارة البازلتية السوداء، وتبدأ الحرة.

 

خيبر

بعد ما قطعنا أول خمسة كيلومترات من الحرة، صادفنا واد لرافد صغير لوادي الطبق. في هذا المكان بالذات يشكل الوادي، بعكس المنطقة المحيطة، جنة حقيقية. فهو مملوء بالنخيل البري وبالنباتات القوية. بعض العصافير كانت تزقزق فيه، والنسيم الناعم الذي كان مخيمًا آنذاك، كان يبعث وشوشة حفيف أوراق النخيل الطويلة المطربة. الماء على عمق لا يتعدى مترًا واحدًا. جنة النعيم هذه في أهوال الحرة تدعى خضران… بفضل الينابيع وغزارة مياه خيبر؛ لا شك في أن هذه الواحة هي مركز مأهول منذ وُجد سكان في الجزيرة العربية. أقدم الوثائق تدل على أن اليهود كانوا يقطنونها … لقد أدت خيبر دورًا مهما في حقبة نشر الدين الإسلامي، وقد توقف مصير الدين المقبل برهة على صراعه مع هذه الواحة. وينقل المؤلفون أنفسهم أنها فيما مضى كانت تضم سبع قرى؛ أما اليوم فلا أثر إلّا لثلاث منها مأهولة، وما استطعت أن أعثر على آثار القرى الأخرى.

في وسط خيبر الصخرة البازلتية المنفردة تمامًا، المسماة مرحبًا، والتي كانت تحمل على قمتها في غابر الزمان الحصن الذي يحمل الاسم نفسه. اسم مرحبًا هذا هو الاسم القديم الوحيد للواحة الذي نقله إلينا مؤلفو ما قبل الإسلام. ولما يزل اليوم يُطلق عليه اسم قصر اليهودي. هذه الصخرة هي جبل هلالي من الحجارة البازلتية السوداء متجه من الشمال- الغربي إلى الجنوب- الشرقي. أما قمته فعلى شكل طاولة، ويبلغ طولها 200 متر وعرضها ما بين 10 و15 مترًا، وهي من مستوى الحرة.

عند قاعدة هذه الصخرة، إلى الجنوب وإلى منتصف المنحدر، تمتد قرية خيبر الرئيسة، وهي قرية بشر. شجر النخيل يبدأ مباشرة ويطوق مرحبًا والقرية كليًا.

تسقي نخيل قرية بشر ينابيع يقع مصدرها في القرية نفسها، وينابيع أخرى تأتي من خارج القرية. عدد الينابيع المنبثقة في القرية ستة، وأسماؤها هي الآتية: صفصافة- إبراهيم- علي- الريا- الشلالة- البويرة.

هذا الأخير هو أبرد الينابيع في خيبر. وينبوع علي هو الأكبر.

 

 

 

وفيما يلي متوسطات الحرارة المأخوذة في هذه الينابيع خلال إقامتي في خيبر:

صفصافة + 29.9 درجة
إبراهيم + 31.0 درجة
علي + 29.1 درجة
الريا + 31.8 درجة
الشلالة + 29.4 درجة
البويرة + 26.6 درجة

 

القرية الثانية تدعى مكيدة، وتقع على بعد 3 كيلومترات تقريبًا إلى الجنوب- الغربي لمرحبا. وبدلًا من أن تكون مبنية على غرار قرية بشر في المنخفض حيث النخيل، توجد مكيدة على الحرة.

وتضم هذه القرية الينابيع الخمسة الآتية، والأول هو الأكبر: البحر- البريكة- السليمين- سلالم- أم المسك.

القرية الثالثة، العاصمية، الواقعة على مسافة ميلين تقريبًا شمالي مرحبا مبنية هي‏ أيضًا على الحرة. وفي العاصمية أربعة ينابيع هي: الحامية أو الحامي- الحمامة- علي- صنبوره. ينبوع الحامية هو الأكبر.

سكان خيبر الذين يملكون 300 بندقية، يبلغ عددهم 1200 نسمة… لا يوجد في خيبر سوى مدرسة واحدة تقع في قرية بشر؛ ولكن المتابعة فيها غير مؤمنة إلا فيما ندر، وهي قلما تفتح أبوابها. يديرها رجل دين لا يدعى في خيبر الخطيب كما هو الحال في الجبل، بل رئيس المسجد.

هناك خمسة مساجد، اثنان في قرية بشر، واثنان في مكيدة، وواحد في العاصمية.

على مسافة 8 كيلومترات جنوب مرحبا، بعد جبل خيبر توجد مزرعة نخيل مهمة، وفيها عشرون شخصًا يقيمون جميعًا في قصر واحد. هذا المكان يدعى الوادي.

على مسافة ثلاثين كيلومترًا إلى الجنوب، ينابيع عديدة وغزيرة تشكل هنا بحيرة صغيرة تدعى قصيبة … انطلاقًا من بحيرة قصيبة، وحتى جراية يوجد مجرى ماء يجري طوال السنة، وعلى غرار الأقنية داخل واحة خيبر، فيه سمك، وضفادع، وقواقع‏ …

المثل العربي القديم” حمل التمر إلى خيبر” الموازي لمثلنا القائل” حمل الماء إلى البحر” لا يزال صحيحًا. فشجر نخيل خيبر يكاد لا يُحصى، ونفهم أنه يتم إكثاره أو أنه يترك يتكاثر؛ حيث إنه لا يتطلب أي عناية وأن الماء وافر. ولكن كما يحصل عادة عند ما تكون الطبيعة كريمة، فإن البشر يتكاسلون. وبما أنه لا يترتب على أهالي خيبر عمل يذكر، فقد فضلوا ألا يفعلوا شيئًا على الإطلاق؛ ولفرط الإهمال الذي طاولها فإن أشجار النخيل تراجعت، بحيث لم تعد تعطي سوى أصغر وأسوأ الثمار في كل الجزيرة العربية… قيمة النخلة في خيبر لا تتجاوز ريالًا أو ريالًا ونصف الريال، وهذا الأمر يعطي فكرة عن تدني نوعية الإنتاج. نتذكر أن هذه القيمة تبلغ في حائل 10 ريالات، وفي تيماء والعُلا تصل حتى إلى حدود 20 ريالًا.

يزرع كذلك بعض القمح والذرة وقليل جدًا من الشعير. ولكن ليس لدى السكان دوالي عنب ولا دراقن ولا تين ولا رمان … على مسافة 4 أميال تقريبًا إلى شمال- شرقي مرحبا، في جبل دهام، نجد سلسلة وديان مجموع طولها ما بين 8 و10 أميال من الشرق إلى الغرب وعرضها ميلان. ونرى فيها 5 أبراج باتت أطلالًا. ومجملها تدعى الحرضة. كما فيها ينبوع يُدعى عين رجيعة، وقرابة مائة بئر.

فيما مضى كان في الحرضة سكان، ولكن حاليًا يتردد أهالي خيبر إليها أحيانًا دونما انتظام سنوي، وذلك لزرع القمح الذي يعطي نتائج ممتازة.

لم أعثر في خيبر إلا على 8 نقوش أستطيع ضمان قراءتها. بعض الصخور التي يبلغ طولها في كثير من الأحيان مئات الأمتار، كانت مملوءة بالنقوش؛ إلا أن المطر محاها أو تكفلت الشمس بتفتيتها، ولم تعد تقدم سوى أحرف مشكوك فيها. وعثرت في مقبرة قديمة شمالي- غربي مرحبا على نقش كوفي.

 

المصدر:

شارل هوبير. رحلة في الجزيرة العربية الوسطي 1878-1882م (الحماد، الشمر، القصيم، الحجاز). ترجمة إليسار سعادة. بيروت: دار كتب 2003م.

 

مدائن3

مدائن2

مدائن1

مدائن5

مدائن4