شارل ديديه وخالد بن عبد الله بن سعود copy

شارل ديديه وخالد بن عبد الله بن سعود

 

سقطت الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ/1818م على يد إبراهيم باشا، ابن والي مصر محمد علي باشا، الذي كلفته الدولة العثمانية باستعادة الحجاز، والقضاء على الدولة السعودية الأولى.

كان الإمام عبد الله بن سعود (1229- 1233هـ/1814-1818م)،  هو آخر حكام الدولة السعودية الأولى؛ ورغم استبساله ومن معه في الدفاع عن الدرعية، العاصمة، وصمودهم الذي استمر أكثر من ستة أشهر؛ إلا أن الدرعية استسلمت في النهاية؛ نتيجة تفوق القوات الغازية، وتتابع وصول الإمدادات إليهم، واشترط الإمام عبدالله بن سعود الأمان للدرعية وسكانها مقابل استسلامه، وهو ما قبل به إبراهيم باشا لينهي الحصار، وبعد استسلام الإمام عبدالله، أُرسل إلى مصر، ومنها إلى إستانبول، حيث أعدم هناك عام 1234هـ/1819م؛ فيما نكث إبراهيم باشا بالعهد الذي قطعه ونكل بالدرعية وأهلها. كما أرسل إلى مصر عددًا من أفراد أسرة آل سعود؛ حيث بقي بعضهم هناك مدة ثم عادوا.

ومن المعلومات التي ذكرها شارل ديديه في رحلته إلى الحجاز عام 1270هـ/1854م: أنه التقى أحد أفراد أسرة آل سعود، وهو خالد بن عبد الله بن سعود، ويذكر عنه المعلومات الآتية:

يذكر ديديه أنه قابل خالد بن عبد الله بن سعود في جدة عام 1270هــ (1854م)؛ أي بعد 36 سنة من سقوط الدولة السعودية الأولى، ويذكر أنه ارتبط بعلاقة ودية مع خالد، وأعجب كل منهما بالآخر، ويشير إليه بقوله: خالد بك، ويقول ديدييه عنه: ” أنه اقتيد صغيرًا إلى مصر، ونشأ في القاهرة برعاية محمد علي، ثم عاد بعد ذلك إلى الجزيرة العربية، وكان يعيش من المنحة التي خصّه بها الباب العالي، ولم يكن له أي مشاركة في الأحداث السياسية، وكان محكومًا عليه بالعزلة”. ويذكر ديدييه أنه تردد إليه مرات، وكان يجد على الدوام في بيته عددًا من شيوخ العرب، يأتون إليه من القبائل المجاورة، وخصوصًا من قبيلة الهواجر، الذين كانوا يرون  فيه ابن عبد الله وحفيد سعود؛ وهما أعظم زعماء الجزيرة العربية في ذلك الوقت. ويضيف ديدييه قائلاً: “إن قصة خالد أحزنته وأعجب بشخصه؛ فقد كان محببًا مضيافًا يجمع بين النبل والظرف، ويشعر الإنسان في حديثه وفي تصرفاته قلبًا كبيرًا، وتسيطر عليه مسحة من الحزن الرقيق والنبيل، الذي لا يمس أصوله الكريمة، ولا يضيره فيما آل إليه…. وعلى الرغم من أنه نشأ في الغربة؛ فإنه لم يكن أقل حنكة من أبناء عقيدته، وربما كان المستقبل يخبئ له مآلًا عظيمًا في حالة الاضطراب التي تسود الشرق… كان وضعه يفرض عليه الحذر والتحفظ في كل أفعاله وأقواله”.

وقال عنه أيضًا: “…برغم أنه نشأ في بلاد غريبة، فهو متوقد الذكاء وسط أقرانه في الدين، وفي حال التضعضع التي يعيشها الشرق اليوم؛ لربما يخبئ له المستقبل تعويضًا عما حل به، وقدرًا كبيرًا. ويفرض عليه وضعه الحذر الشديد، ويرغمه على اعتماد التيقظ في كل ما يقوم به. حتى إنني خشيت تعريضه للخطر إن بالغت في زيارته؛ لأنه، وبسبب الظروف الراهنة، كانت السلطات التركية تصور لرحلتي هدفًا سياسيًا بعيدًا كل البعد عن الحقيقة. كنت أرغب كثيرًا يجعله يستفيض في الحديث عن عائلته وعن نفسه، وإذ لم اجرؤ على طلب ذلك مراعاة له، لا في منزلي؛ حيث لم أكن بمفردي ولا في منزله؛ حيث كان من الممكن رصدنا، فاقترحت عليه اللقاء في منزل طرف ثالث، منزل السيد (لوكيه)، حيث لا يتنصت علينا ولا يزعجنا أحد. فوافق، ودام اللقاء طوال النهار…”.

إن المعلومات التي يوردها ديدييه عن الدولة السعودية الأولى قد لا يكون فيها جديد، ولكنها مصدر آخر يضاف إلى المصادر التي تحدثت عن ذلك، وتأتي أهمية تلك المعلومات من مصدرها خالد بن عبد الله بن سعود، ويبدو أن إعجاب المؤلف بشخصية خالد وأخلاقه؛ جعل ديدييه يركز في الخصال الاجتماعية والقيادية التي كان يتمتع بها أمراء الدولة السعودية، ويظهر من حديثه إعجابه بهؤلاء الأمراء، وبأخلاقهم، وبتخليهم عن ملذات الدنيا لخدمة دولتهم ودينهم.

 

ومن جهة أخرى يبرز تساؤل عن شخصية خالد بن عبد الله بن سعود الذي ذكره ديديه، خاصة وأن المعلومات المتوافرة عن أبناء الإمام عبد الله بن سعود تشير إلى أنه قد ترك ثلاثة أبناء، وهم: سعود، ومحمد، وسعد. ولم تشر إلى خالد الذي ورد الحديث عنه عند ديديه. فيما ذكر مترجم رحلة ديديه: أن من الباحثين من أكّد له أن الإمام عبد الله بن سعود لم يترك أبناء.

وفي تعليقه على شخصية خالد، يذكر أن الباحثين ربما يظنون أن المقصود هو خالد بن سعود، الذي رحل إلى مصر مع أفراد أسرة آل سعود الذين أبعدهم إبراهيم باشا، ثم عاد ليتولى الحكم في الدرعية خلال الفترة (1253-1257هـ/ 1837-1841م)، وكان قدومه من مصر بأمر من محمد علي؛ بهدف تقويض حكم الإمام فيصل بن تركي في فترته الأولى، التي امتدت خلال الفترة (1250-1254هـ/1834-1838 م)، ثم قامت ضده مقاومة قادها الأمير عبدالله بن ثنيان، الذي تمكن من الانتصار على خالد، ثم تولى الحكم خلال الفترة (1257-1259هـ/1841-1843م)، وتذكر المعلومات أن خالد بن سعود قد استقر في الحجاز حتى وفاته عام 1276هـ/1859م. وفي الوقت نفسه يستبعد أن يكون خالد المذكور في رحلة ديديه هو خالد بن سعود.

والوصول إلى تفسير لهذه المسألة، يتطلب المزيد من البحث حول هذه الشخصية التي التقاها ديديه وأثارت إعجابه واهتمامه.

 

المصادر:

  • البقاعي، محمد خير، من رحلات الفرنسيين إلى الجزيرة العربية، الرياض، مؤسسة التراث، 1425هـ/2005م.
  • عبد الرحمن بن سليمان الرويشد، الجداول الأسرية لسلالات العائلة المالكة السعودية، الرياض، دار الشبل، 1419هــ/1998م.
  • عطا الله، سمير، قافلة الحبر الرحالة الغربيون إلى الجزيرة العربية(1762-1950م). لبنان، دار الساقي.1998م.