جـــُبّــة copy

جبّة

 

تقع جبة في منطقة حائل، وتحيط ها الكثبان الرملية من جميع الجهات، وتعتبر من أقدم مواقع الرسوم الصخرية في المملكة العربية السعودية، وتضم نقوشًا لأشكال آدمية، وأخرى لجِمَال وخيول، ومناظر للصيد، وأشجار النخيل. وعُثر فيها على كتابات ثمودية، وأخرى تعود إلى القرن الثاني الهجري، وكُتبت بخط كوفي غير منقوط. وتُعد جبّة الموقع الرابع في المملكة العربية السعودية المسجل في قائمة التراث العالمي، بعد مدائن صالح، والدرعية التاريخية، وجدة التاريخية، وسجلت في العام 1434هـ/ 2015م.  ولموقعها على طريق القوافل التجارية، التي تربط الشام بوسط الجزيرة العربية، فقد كانت محطة مر بها بعض الرحالة الأجانب في العصر الحديث، ودوَّنوا وصفهم لها، ومنهم:

 

أوغست فالّين August Wallin عام 1261هـ/1845م:  

وقال عنها: “…تقع جبة في سهل فسيح، تربته حجرية صلبة تميز مواضع المياه في هذه المنطقة، ويحيط بالسهل تلال متصلة منخفضة جدًا، ومكونة من صخور رملية يرتفع فوقها إلى الغرب جبل أم سلمان العالي… وتُبنى منازل جبة من اللَّبِن، واللبن مادة البناء الأولى في الصحراء، وتكاد تكون الوحيدة، وهذه المنازل فسيحة ورحبة أكثر من منازل الجوف، وتصميمها الهندسي مختلف. ولواجهات البيوت الكبيرة شكل يحكي مداخل المعابد المصرية القديمة، وكل منزل له بستان يلاصقه، وفي الغالب يحيط به؛ في حين أن جميع بساتين الجوف بعيدة عن البلدة، وفي كل بستان هناك بئر للري يُستقي منها بواسطة الجمال، وُيعَنى بالبساتين عناية فائقة، وتُنسق تنسيقًا حسنًا، وفوق الآبار عرائش، وكذلك فوق الممرات التي تمشي عليها الحيوانات، وهي تسحب الماء من البئر. أما النخيل في جبة، فأقل جودة من بلح الجوف وتيماء…. وليس في جبة ينبوع ماء جار، بل فيها آبار كثيرة جميعها عميقة، ومياهها ثقيلة مع بعض ملوحة.

عدد العائلات في جبة يقرب من مئة وسبعين بيتًا، … ويأتي إلى هنا كثيرون من قبائل مختلفة؛ ولا سيما في موسم التمر. وفي أثناء إقامتي في جبة بلغ عدد خيام البدو الرُحَّل في السهل وبين المنازل أكثر من مئة وخمسين خيمة…. ويشكل جبل أم سلمان علامة بارزة في المنطقة… والسكان الحاليون يروون أن أسلافهم كانوا يقيمون منازلهم وقصوره في الجبل؛ حيث تُشاهد آثارها إلى اليوم، وقد دلوني إلى مواضع أسواق البلدة القديمة، وإلى طرقها الممتدة بين الجروف، وأكدوا أنه يُعثر أحيانًا على قطع أدوات في بعض شقوق الجبل…. وعلى جوانب جبل أم سلمان، وعلى الصخور الضخمة الكثيرة في سفحه، نقوش عديدة مختلفة تعود إلى الماضي البعيد، بعضها نُقش بأداة حديدية، ونُقش البعض الآخر بألواح حجرية لونها ضارب إلى الحمرة.. وأكثر أشكالها تمثل جِمالًا، وخيلًا، أخرى يمتطيها فرسان حاملين رماحًا، وتمثل كلابًا، وخرفانًا، وحيوانات برية من الصحراء، ولفت نظري رسم قديم، يمثل عجلة صغيرة ذات أربعة دواليب منخفضة يجرها جملان، ومن المشهور أن العجلات اليوم نادرة جدًا في الشرق؛ ولا سيما في بلاد العرب؛ حيث لم أر سوى في تيماء أناسًا يستعملون أحيانًا عجلة صغيرة لها دواليب منخفضة لجر الحجارة، وهي تشبه بمنظرها وتركيبها العجلة المرسومة على صخرة في سفح أم سلمان… إن جميع هذه النقوش والرسوم غير متقنة، صنعتها يد غير مدربة، وتحاكي تلك التي رأيتها في أماكن أخرى من شمالي بلاد العرب، في جوار تبوك، وقيل لي: إن جوانب السلسلة مغطاة جميعها برسوم ونقوش كهذه… وعلى الجانب الشمالي الغربي من أم سلمان وجدت نقشًا بالحرف الكوفي يحتوي على البسملة فقط، ولم أجد نقوشًا بالحرف العربي الحديث. ..”

 

وليم بلجريف Palgrave William   عام 1279هـ/ 1862م:

وقال عنها: “…وسرعان ما وصلنا إلى قمة سلسلة هائلة من التلال الرملية، ونادنا جديع، وهو يشير إلى الأمام، انظرا إلى الأفق، وشاهدنا عند الأفق قمة زرقاء تشبه السحابة، وأخرى إلى جوارها منخفضة عنها، وقال جديع: هذه هي جبال جبة، وهي تعد أقرب الحدود إلى جبل شمر، وعندما خطر ببالي حال قِرَب الماء، وكيف خفت وبدأت تصطفق بجنب الجمل، كانت أول فكرة تخطر ببالي، وكيف سنصل إلى هذه الجبال، وبدت الجماعة كلها كما لو كانت رجلًا واحدًا؛ إذ راحوا جميعا يجِدُّون في المسير أكثر منذ ذي قبل.

وكلما مضينا قُدمًا، ازدادت الصحراء قفرًا، وازددنا يأسًا ونحن نسير في أمواجها الخالية من الحياة…، وفجأة استرعى انتباهي ثلاثة عصافير كانت تشقشق داخل أجمة على جانب الطريق، كانت تلك العصافير أول طير نراه في تلك الصحراء، كما كانت تلك العصافير أيضًا مؤشرًا على اقترابنا من الأراضي الزراعية ومن الحياة، وهنا خطرت في بالي واحدة من حكايات الطفولة، التي كنت استمع إليها وأنا جالس مستريح إلى جوار المدفأة، عن ترحيب بعض البحارة الذين كانوا في عرض البحر، وبعد أن أمضوا أيامًا وشهورًا في المحيط الموحش؛ إذ بطائر جاء من شاطئ لم يكتشفوه بعد، ليحط على سارية الشراع وصاح رفيقي من شدة الفرح.

ومع ذلك، كان الطريق ما يزال طويلًا أمامنا، وأمضينا فترة المساء كلها لم نتوقف خلالها إلا ساعة واحدة، تناولنا خلالها عشاءً خفيفًا، ثم أمضينا الليل أعلى وأسفل المتاهة المتموجة… أسرعنا الخطى ونحن نتطلع شوقًا إلى رؤية جبة، التي لم تعد بعيدة عنا، وعند الظهر أصبحت جبة في مرمى أبصارنا، بل قريبة من على الجانب الأيمن، صخور وبرية رائعة، تحيط بكل حواف بحر الرمال، وسرنا بحذاء هذه الجبال، إلى أن وصلنا منعطفًا ظهر عنده سهل جبة، بكل مناظره الطبيعية وملأ علينا أبصارنا. في هذا السهل طالعتنا سلسلة كبيرة من صخور الجرانيت السوداءـ المشوبة باللون الأحمر، وتتخللها بساتين النخيل التي تستطيع أن نتبين قرية جبة بينها، التي تشبه الجوف من حيث الترتيب، والشكل العام، مع استثناء واحد، أنها أصغر من الجوف وليس بها قلعة أو برج، وهي خليط من المنازل والأراضي الزراعية، وتفتقر المدينة إلى التحصينات أو الدفاع….”.

شارل هوبير Charles Huber عام 1298هـ/1880م:

وقال عنها: “…. ما إن هبطنا منحدر آخر تلة من النفود، حتى وجدنا أنفسنا في سهل جبة التي لا تبتعد أكثر من 500 متر، والتي يبدو مظهرها الجديد متعة للعين. بعض‏ غرسات إثل هرمة خارج الجدران تنعش المنظر.

على غرار الجوف، فإن جبة مبنية من الآجرّ المطبوخ في الشمس. غير أن جدران بعض المنازل مصنوعة من الحصى. الانطباع الأول في منتهى الإيجابية. جدران الأسوار والأبراج التي تتخللها محفوظة جيدًا ومظهرها سار. أما الداخل فلا يتجاوب مع الخارج كما هو الحال في كل مكان تقريبًا في الشرق.

الحوض الذي تقع فيه جبة له شكل طوبوغرافي خاص. فهو حوض يبلغ طوله ما بين 8 و9 كيلومترات من الشرق إلى الغرب، وعرضه 5 كيلومترات من الشمال إلى الجنوب. أما قعره البالغ عمقه 835 مترًا، فيقع على مستوى أدنى من مستوى النفود ب 60 مترًا تقريًبا.

لقد تمت مطابقة جبة بأينا بطليموس‏ (1)؛ مما يثبت عراقة قدمها. وعلى أي حال، فإن الاسمين ذوا دلالة واحدة، ومعناهما البئر أو النبع. وقد احتفظ السكان بذكرى نبع غزير كان يتدفق من جبل جبة.

السكان البالغ عددهم حوالي 800 نسمة يتحدرون من قبيلة شمّر الرمال. وهي سلالة صغيرة قليلة التطور. وهم غير محبوبين على الإطلاق في الجبل؛ بسبب عدم انفتاحهم واختلاطهم وبخلهم على الضيف.    وتروي الليدي آن بلانت أنها شكت من معاملتهم.

لا وجود لأي زراعة؛ باستثناء النخيل التي يستخدمون من أجلها قرابة أربعين بئرًا، تقع مياهها على عمق 12 أو 15 مترًا تقريبًا، ولا يتبدل مستواها أبدا كما أكدوا لي. الدوالي، وهي عديمة الطعم، ولكنني أفضلها على ماء الجوف. بعض الآبار يعطي مياهًا مالحة غير قابلة للشرب. الحرارة التي قيست في بعض الآبار التي كانت تسحب منها المياه منذ عدة ساعات، كانت في كل مرة تسجل+ 9، 22 درجة.

التمور صغيرة ورديئة؛ ويعزو السكان ذلك إلى المياه المالحة، ولكنني أعتقد أنهم هم وحدهم سبب ذلك؛ لأن أشجار النخيل مهملة. الكميات القليلة من الأرز والقمح التي يحتاجون إليها يستقدمونها من حائل. وموقعهم في وسط النفود يسمح لهم لحسن الحظ بتربية بعض قطعان الإبل بسهولة.

على مسافة 3 كيلومترات غربي القرية، تنتصب بعض قمم الصلصال الرملي وأعلاها هي أم السلمان‏ (1). وقد تسلقتها غداة وصولي إلى جبة، بالرغم من تحذيرات السكان الذين قالوا لي: إنه لا يوجد طريق إليها، وقد تأكد لي صحة ذلك. إلى مستوى ثلثي الارتفاع لا يواجه الصعود أي صعوبة. ولكن من بعد ذلك يصبح المنحدر وعرًا جدًا، تغطيه شظايا من الحجر الرملي، تبدو وكأنها متفحمة وتشبه في شكلها القرميد المكسّر.

ويبدو وكأن الجبل كان مغطى بقشرة بسماكة 3 إلى 4 سنتيمترات تمّ تكسيرها في مكانها. هذه الشظايا هي في حالة انعدام توازن؛ بسبب قوة انحدار القمة؛ لدرجة أن أدنى ملامسة لها تجعلها تسقط جارفة معها كتلة ضخمة من الحجارة. وبديهي في هذه الحالة أن القدمين لا تكفيان وحدهما لبلوغ القمة وهما أقل كفاية للنزول.

عند بلوغي القمة بعد شروق الشمس بقليل، تسنى لي التمتع بمشهد رائع ومؤثر.

أن قمة أم السلمان بمنحدرها الوعر جدًا من الجهة الشرقية، تنزل عموديًا من الجهة الغربية. وعلى امتداد مترين، لا يتعدى عرض القمة مترًا واحدًا بحيث لا يتسع إلا لجلوس شخصين. كانت ريح الظهر تعصف قوية ولا تسمح بالوقوف، فجلست مستندًا إلى الصخر.

لحسن الحظ لقيت مكافأة على تعبي وآلامي (إذ تجرحت يداي وبالأخص قدماي)، برؤية مشهد رائع وبالأخص في رأس أعلى صخرتي العليّم، وهو الدافع الرئيس لصعودي.

فإن ارتفاع هذه القمة يسمح لي بالتأكد من مسار طريقي. كما استطعت أن أرى جبلًا طويلًا قرب الجوف، وجبل شمّر في الجنوب، وجبل عثة على مسافة عشرة كيلومترات شرقي جبة.

تبدو لي أم السلمان فوهة بركان لم يتبق منها سوى جدارها الشرقي. هذا الافتراض يفسر وعورة المنحدر الخارجي للقمة من الجهة الشرقية وعموديّة الجدار الغربي.

مغادرتي المفاجئة لجبة لم تسمح لي بالتوغل أكثر من أبحاثي بهذا الصدد، لكنني ألفت نظر المستكشفين المقبلين، كما أوصي بتسلق القمة لهواة الانفعالات.

وقد سجل جهازي لقمة رأس سلمان، ارتفاعًا بلغ 370 مترا فوق مستوى أرض جبة.

واستكمالا لما عرفته عن جبل جبة ، لا بد من الإضافة، وفق ما أورده السكان، لأنني لم أعثر على أثر لذلك لدى المؤلفين العرب، أن اسمه كان قديمًا “القطيفة”. وإلى ذلك فإن مظهره الموحش ومنحدراته المكسوة بالردم أكسبته سمعة سيئة، ساهم فيها إلى حد بعيد الجن، الذين كان لديهم قصر وكنوز مخفية على قمة هذا الجبل في غابر الزمان. لذا يجب عدم الإلحاح على السكان للحصول على دليل أو رفيق تسلّق. يكفي أنهم يسمحون لك بالقيام بذلك، وأن يستقبلوك لدى عودتك بينهم؛ إذ لا بد أن تكون رائحة كبريت تفوح منك.

 

آن بلنت Anne Blunt 1298هـ/1881م:

جبة واحدة من أغرب الأماكن في العالم القديم، وهي بنظري من أكثرها بهاء، إن اسمها يعني بالعربية البئر، وهذا ما يفسر موقعها، فهي تقبع ضمن وطاءة أو جبٍ في النفود؛ وليست واقعة ضمن فلج، بل إن لحوضة جبة شكلا مغايرًا تمامًا، فهي لا تشبه على الإطلاق الوطاءات النضوية (الشبيهة بحدوة الحصان)، إنها بالإجمال فريدة الشكل تمامًا، فلذا يتعذر جدًا اعتبارها من الناحية الجيولوجية واحدة من تلك الأفلاج.

إنها رقعة جرداء كبير للغاية ضمن خضم محيط من الرمال، تنخفض عنه بمقدار يتراوح من أربعمئة إلى خمسمئة قدم، ويبلغ اتساعها حوالي ثلاثة أميال، وهذه الوطاءة في الواقع لا تختلف كثيرًا عن الجوف، باستثناء أن صحراء النفود تحيط بها بدلًا من جروف الحجر الرملي. ومما لا شك فيه أنها كانت في الماضي السحيق بحيرة، على اعتبار وجود آثار حت مائي في الصخور التي تنتأ فوق مهادها بأعلى البلدة، ثم إن من الجدير ذكره أن هناك رواية قديمة ما زالت متداولة بالتواتر حول ماء كان هناك فيما مضى سابقًا.

لكن مما يدعو إلى العجب أنه كيف تبقى هذه الرقعة بمنأى عن الرمال، ما هي الفترة التي تحتجز دونها رمال صحراء النفود الطامية وتمنع تخطيها إليها؟ فعندما تنعم النظر في السبخة، أي مهد البحيرة الجاف، ترى النفود كما لو كانت غمرًا من المياه لا بد طافحها لا محالة، لكن برغم ذلك لا تسفى الرمال أبدًا بقلب الوطاءة، بل تبقى حدودها قائمة واضحة المعالم.

أما البلدة ذاتها، (أو القرية بالأحرى، إذ ليس بها سوى ثمانين بيتًا) فهي مشيدة على طرف السبخة، ولها التكوين ذاته بغياض النخيل كما شاهدنا في الجوف، لكن على نحو أدنى منها، ويبلغ عمق الآبار التي تروى منه الغياض خمسة وسبعين قدمًا، ويتم سحب الماء منها كما هو الحال في جزيرة العرب بواسطة الجمال.

والقرية بهية المنظر، بجدرانها الصغيرة ذات الشراريف وغياضها، وعند مدخلها تنتصب نصف دستة من أشجار الأثل القديمة الجميلة بجذوعها الكثيرة العقد وأغصانها المريشة، أما الصخور التي تتألف منها الجروف في الأعلى فهي هائلة الأجرام، من الحجر الرملي الليلكي المقلّم، والمعرق باللون الأصفر، كما أن بأعلاها قلانس سودًا. ويبلغ ارتفاعها ما بين سبعمئة وثمنمئة قدم، وقواعدها مثلّمة من جراء الحت المائي، ولقد عثر ولفريد على عدة كتابات بحروف سينائية قديمة على متنها.

تحتمي جبة بحضن هذه الهضاب، وبنطاق من الرمل الأصفر، نمت عليه للتو أجمات يانعة الخضرة من نبات الأدر، وقد أورقت بكثافة، وما وراء السبخة تنتصب صخور الغوطة في النفود.

هذا ما يخص المظهر الخارجي لجبة، أما داخلها فأقل جاذبية في الواقع، الدور فقيرة جدًا، وصيانتها ليست على ما كنّا شاهدناه في كاف وإثرة، ليس بوسعي أن أنعت هذه الدور بالوسخة، لأن الاتساخ في هذه البقعة الرملية يكاد يكون ضربًا من المستحيل، ومن فضائل النفود أنها ليس بها أية حشرات ضارة ضمن محيطها. فالنفود، وحتى في نجد التي تقع خلفها، خاليتان من هذه الكائنات التي تحيل الحياة عذابًا في باقي مناطق الشرق. حتى البراغيث في أبدان كلابنا السلوقية ماتت بمجرد دخولها نطاق الرمال الماتع. …. وسكانها أقل تحضرًا من بين كل العرب الذين رأيناهم في نجد، والواقع أن أهلها فقراء جدًا وليس لديهم اتصال بالعالم الخارجي، ما عدا عندما يتوقف المسافرون ما بين حائل والجوف للاستراحة عندهم في الليل.

 

يوليوس أوتنغ Julius Euting  1301هـ/1884م:

تقع جبة التي أطلق عليها بطليموس اسمًا آراميًا هو “أينا”، ومعناه (النبع)، في منخفض يصل عمقه 150 ـ 300 متر تقريبًا عن حواف النفود المحيطة. ويمتد آخذًا شكلًا بيضاويًا بمسافة 8 ـ 9 أكيال تقريبًا، وعدد سكانها حوالي 500 شخص، ومنازلها حوالي التسعين منزلًا، وقد لاحظت هنا شيئًا لم أسمع مثله في جزيرة العرب كلها، فالمرء حين يريد استخدام البئر التي يتراوح عمقها ما بين 12 ـ 15م، لا بد له من دفع مبلغ من المال إلى الشيخ، أما نحن ـ على اعتبارنا من ضيوف الأمير ـ فلم نضطر إلى دفع ذلك المبلغ. وعلى الجانب الغربي من المنخفض، وعلى بعد كيلين من الأمتار من أسوار القرية، كانت تقع الحافة الحادة لجبل أم سلمان على ارتفاع يصل إلى حوالي 400 م، وهي عبارة عن صخرة طويلة من الحجر الرملي الملون، ينتهي في أعلاها بقمة مدببة. أما أجزاؤها السفلى، فقد كتبت عليها الكثير من النقوش القديمة والرسوم الصخرية التي أشار إليها الرحالة الفنلندي فألن (Walling) من قبل.

لقد قبلنا دعوة الشيخ نايف لشرب القهوة فقط؛ بينما تركنا رفاقنا يعدُّون وجبتنا عند أسوار البساتين في ظلال أشجار الأثل، التي أثار تحرك أغصانها اعتقادًا لدينا بأن الجو بارد، وفي الساعة الواحدة والنصف ركبت أنا وهوبر الجمال، وسرنا برفقة أحد البدو في اتجاه سفح جبل أم سلمان، وفي هذه الأثناء كان يهرول خلفنا ثعلب ذو لون رمادي، وهناك رأينا بعض الصبية خالعين ملابسهم، ويتزحلقون بمهارة فائقة على منحدرات الصخور الملساء، وبعد نصف ساعة من المسير، كنا نقف أمام الصفحات الصخرية لجبل أم سلمان المملوءة بمئات النقوش، بعضها غير واضح المعالم، وبعضها الآخر عبارة عن أسماء أعلام، وقد لفت انتباهي من بينها ذلك النقش الذي كتب بقلم اللغة العبرية، وآخر كتب بالخط النبطي، وثالت كتب بقلم النقوش العربية الشمالية الذي لا يزال إمكان اشتقاقه من الخط العربي الجنوبي القديم محط نظر بين الدارسين، وأخيرًا ذلك النقش الذي كُتب بالخط الكوفي، وبين تلك النقوش رسم العديد من الجمال، والوعول، ومناظر الحرب، والصيد، وكان من الأمور النادرة فعلًا وجود رسم لعربة ذات عجلتين تجرها الجياد، ولا شك أن الفنان الذي رسمها قد استوحى فكرتها من مشاهد خارج منطقة نجد، ويلاحظ أن الفنان تغلب على مشكلة الأبعاد من خلال الرسم المقلوب على الجانبين.

 

نقوش جبل ام سلمان

عدنا عند الساعة الخامسة إلى مخيمنا، وهناك تم سقي الجمال للمرة الثانية، وبعد أن تناولنا عشاءنا بدأنا التحرك من جديد في السابعة والنصف، واتجهنا ناحية الشرق تمامًا، وبعد نصف ساعة كان جبل غوطة وراء ظهورنا، وأقمنا المخيم من جديد في العاشرة مساء فوق المرتفعات الرملية.

الجمعة 19/10/1883، كان مسيرنا طوال هذا اليوم خلال النفود في الاتجاه بين الشرق والجنوب الشرقي، وبدأت القعور (القيعان) تأخذ حجمًا وعمقًا أكبر؛ إلا أنها لم تعد تظهر بشكلها المنتظم كما كان الحال في النصف الشمالي من الصحراء، وكانت الأعلاف متوافرة وكذا الحطب؛ ولذلك قمنا في المساء بمناسبة توديع صحراء النفود بإشعال نيران هائلة، جعلت حمودًا يشكو من إسرافنا.

أخذ طريقنا يتجه مستقيما نحو الجنوب تاركين جبل أجأ على الجهة اليمنى، وقد كانت صفحاته الجرانيتية تلمع كالفضة بفعل سقوط المطر عليها. أما على الجهة اليسرى ناحية المرتفعات الرملية الحمر؛ فقد بدأت تظهر صفوف أشجار الآثل، تتوسطها أسوار الآبار المتداعية والمنازل المهجورة، ثم بدأت تظهر لنا ظلال جبل فتق القاتم، والواقع بين جبلي أجأ وسلمى، وقبل نصف ساعة من المدينة وبينما كان المطر ينهمر بغزارة، ترجلنا عن الجمال وقمنا بتغيير ملابسنا، وبعد ذلك مباشرة توقف المطر، وبعد مسيرة يسيرة ظهرت أمامنا مدينة حائل تحت ظلال شمس الصباح الرائعة.

انطلقنا مسرعين نحو المدينة مارين بخيام البدو السود، سالكين طريقنا بمحاذاة أسوار الطين الممتدة، جاعلين المدينة القديمة الواقفة خلف أشجار النخيل على يسارنا، وأمامنا كان يبدو الحي الجديد بقصره الشامخ ذي الأبراج العالية، وعندما وصلنا إلى الأسوار جفلت ركائبنا؛ إلا أننا أكرهناها على الدخول عبر الأزقة الضيقة، إلى أن وصلنا إلى ميدان المدينة الواسع؛ حيث حططنا الرحال ونحن محاطون بأعداد كثيرة من الناس، ثم سرنا عبر العديد من الأفنية إلى حيث مقر الاستقبال في القصر.

المصادر:

  • يوليوس أوتنغ، رحلة داخل الجزيرة العربية، ترجمة، سعيد السعيد، الرياض: دارة الملك عبدالعزيز 1419هـ/1999م.
  • آن بلنت، حج إلى ربوع نجد، ترجمة: أحمد إيبش، أبو ظبي: مشروع كلمة للترجمة 2013م.
  • شارل هوبير، رحلة في الجزيرة العربية الوسطي 1878-1882م (الحماد، الشمر، القصيم، الحجاز). ترجمة إليسار سعادة. بيروت: دار كتب 2003م.
  • جورج أوغست فالين، صورة من شمالي جزيرة العرب في منتصف القرن التاسع عشر، ط2، ترجمة، سمير شبيلي، مراجعة، يوسف يزبك، د.م، د.ن، د.ت.
  • William Gifford Palgrive, Central and Eastern Arabia. London and Cambridage, Macmillian and co.1871.